أحمد عبد مراد
الأثنين 24/5/ 2010
ليلة من ليالي انفال كردستان الحبيبة
احمد عبد مراد
في 20 اب 1988 اعلن الخميني ايقاف الحرب مع العراق ،ومن ساعتها اصدر المجرم صدام حسين اوامره الى القوات المسلحة بالتوجه الى اراضي كردستان للعمل على تقسيمها وفق مخطط عسكري عدواني غاشم ضد الشعب الكردي وقوات الانصار والبيشمركة على حد سواء ، كنا نحن انصار الحزب الشيوعي العراقي (الفوج الثالث) نعسكر في كلي هصبة ( وادي هصبة ) وكانت لنا ربية عسكرية على جبل متين والتي تشرف على حركة الطريق الى ناحية كاني ماسي ( عين السمك ) وقد رصدت تلك الربية حركة غير طبيعية للقوات العسكرية الحكومية وذلك مباشرة بعد اعلان وقف اطلاق النار من قبل الخميني في حينها تم تقييم الموقف العسكري على اساس اعادة انتشار قوات الجيش العراقي بعد الحرب وهذا قد يكون امر طبيعي بعد ثمانية سنوات من اشتعال الحرب بين العراق وايران، ولكن استمرار الرصد العسكري المتواصل لتلك التحركات اخذت تنبئ عن نوايا شريرة تبيتها الحكومة العراقية وقواتها المدججة بالسلاح ضد الشعب الكردي وقواه المسلحة حيث بلغت القوات العسكرية مئات الالوف بكامل معداتها العسكرية القتالية وعلى ضوء ذلك بات مؤكدا ان السلطة تبيت لهجوم كاسح لا يفرق بين من يحمل السلاح ويقاتل السلطة وبين الانسان المدني الاعزل،وبات لزاما على القادة العسكريين ان يفكروا بجدية الموقف وخطورته وان يتخذوا المواقف العسكرية والسياسية والانسانية وما يترتب على تلك المواقف من اتخاذ الموقف العسكري لمواجهة القوات المهاجمة وكذلك حماية النساء والاطفال وكبار السن ، حيث ان هناك عوائل بكامل افرادها قد التحقت بالمناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الانصار الشيوعية ،يضاف الى ذلك المسؤولية الاخلاقية تجاه سكان القرى التي تحيط بموقع الفوج الثالث ومنها قرية دركلي وقرية ميسكا وقرية بيشليه والتي كانت بدورها تتعرض للقصف المستمر وتنتظر الموقف والتعليمات من قبل قيادة الفوج.
فكانت الخطوة الاولى التي تم اتخاذها هي الاتصال بقوات البيشمركة التابعة الى الحزب الديمقراطي الكردستاني حيث قام بعض الرفاق من قادة الفوج بالتفاوض ورسم خطة عسكرية للمواجهة وتقسيم الجبهات القتالية وكيفية تبادل المعلومات وتغيير الخطط والمواقف عندما يقتضي الامر ، اما الخطوة الاخرى التي اتخذتها قيادة الفوج الثالث فهي اصدار قرار فوري بأخلاء الفوج من العوائل ، النساء والاطفال وكبار السن ، بأتجاه الحدود التركية ومن الجدير ذكره هنا ان المعلومات التي اخذت تترى علينا من القرى المتقدمة والقريبة الاحتكاك مع قوات السلطة تفيد بأن العدو قام بأستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد المدنيين قبل وصوله الى قوات الانصار بينما حملت الريح المتجهة الينا رائحة كريهة استنشقها الرفاق واستفسروا من طبابة الفوج عما اذا كانت تلك الرائحة ناتجة عن استخدام العدو للاسلحة الكيمياوية ولكن طبابة الفوج طلبت التريث للتأكد من ذلك .
تحركت العوائل صوب الحدود التركية منفذة اوامر القيادة بينما انهمك الرفاق الابطال بتحضير جهوزيتهم للقيام بكل بالواجبات المناطة بهم .
وفي لجة العمل العسكري وضغوط القوات العسكرية الحكومية تطلب الامر ادخال بعض التعديلات على الخطط العسكرية مما يتطلب الامر التشاور مع القوات الحليفة ، وعند ارسال وفد مفاوض الى الاخوة في جبهة قتال بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يجد الوفد العسكري اي اثر لتلك القوات ويبدو انها قد انسحبت تحت جنح الظلام بعد ان تلقت اوامر بذلك على ضوء معلومات مؤكدة لديهم بأن العدو سوف يستخدم الاسلحة الكيمياوية وبسبب ذلك فأن ميزان القوى لصالح القوات المهاجمة وان ليس هناك تكافؤ في ميدان المعركة وان المواجهة ما هي الا عبارة عن انتحار واعطاء ضحايا طائلة دون مبرر، ولكن ما هو مؤسف حقا ان قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني لم تخبر قواتنا وانسحبت وتركت ظهرها مكشوفا للعدو .على ضوء هذا التطور المفاجئ اصدرت قيادة الفوج الثالث توجيهاتها الى المفارز العسكرية المتقدمة بالعودة الى مقر الفوج لتدارس الموقف الجديد الواجب اتخاذه ، وعلى ضوء المستجدات التي حصلت والموقف العسكري الجديد تم اتخاذ قرار الانسحاب في اليوم الثاني واخبار القرى المحيطة بالفوج بأن لا فائدة من البقاء مكشوفين امام قوات المجرم صدام حسين وجلاوزته من امثال علي كيمياوي بعد ان باشرت تلك القوات فعلاً بأستخدام الاسلحة الكيمياوية.
وفي اليوم الثاني وعند حلول الظلام كانت جموع الاهالي من القرى الكردية تتجمع خلف الاشجار المحاذية للطريق الرئيسي الممتد بين ناحية كاني ماسي وقضاء زاخو بهدف عبور الشارع والذي يعد الاخطر في نقطة يتطلب الحذر الشديد في حالة تجاوزها لان قوات الجيش العراقي قد سيّرت عليه دوريات مكثفة من المدرعات والدبابات ، ،هنا رأيت مناظر مؤلمة وقاسية جدا تعرض لها ابناء الشعب الكردي المتطلع للتمتع بحقوقه المشروعة كبقية الشعوب، كانت جموع الناس من النساء والاطفال والشيوخ في حالة يرثى لها من الجوع والتعب والسهر .
ومن المشاهد التي لا يمكن ان انساها ، لشيوخ كبار في السن تم ربطهم على ظهور البغال والخيول لعدم قدرتهم على الثبات على ظهور الحيوانات وكذلك الاطفال الذين تم وضعهم في صناديق الفواكه ووضعها على الحيوانات وربطها بأحكام ولكم ان تقدروا المعاناة والحالة النفسية التي يعانيها هؤلاء الشيوخ و النساء والاطفال والرجال فهم رهن ارادة ورغبة الحيوان ، مرة يمد رأسه لتناول الكلأ ومرة يتجه للساقية لشرب الماء ومرة اخرى ينتفض لطرد الحشرات التي تتجمع على جسمه والى اخره من الحركات وكل ذلك وهؤلاء الاشخاص مربوطين فوقه وكأنهم قطعة منه فأية مشقة وعذاب تحملها ذلك الطفل والشيخ الهرم وتلك العجوز العاجزة عن الحركة .
الى هنا وجموع الناس تنتظر الخطوة اللاحقة للخلاص من الموت المحقق الذي ينتظرهم فيما اذا اصبح عليهم الصباح وهم عالقين بجانب الطريق غير قادرين على العبور الى الجانب الاخر لاكمال مسيرتهم نحو الحدود التركية ودخولها ليكونوا في مأمن من شر الضربة الكيمياوية التي يعدها لهم علي كيمياوي مجرم زمانه ،واخيرا صدر القرار من قبل قيادة الفوج الثالث لاحدى التشكيلات العسكرية للسيطرة على الطريق وتنسيق عبور جموع الناس العالقة من النساء والاطفال وهذا هو الهم الاكبر لان المقاتلين متمرسين ولهم تجارب كثيرة في هذا المضمار وقادرين على التعامل مع مثل هذه المواقف ،وفعلا تمت السيطرة على الطريق وكلما سنحت الفرصة وكانت مؤاتية تم استغلالها وبذلك تم عبور الطريق الخطر لمواصلة المسيرة الى الحدود التركية .
ان سكان هذه القرى محظوظين الى حد كبير مع ما فقدوه من اموال تمثلت في البيوت والمواشي والدواجن وكل ما يملكونه بالقياس لبقية سكان القرى الاخرى الذين فقدوا الكثير من اعزائهم راحوا ضحايا القصف الكيمياوي الذي امر به المجرم صدام حسين ونفذه المجرم السفاح علي حسن المجيد الملقب ب علي كيمياوي.