| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عدنان عاكف

 

 

 

الأربعاء 18/4/ 2012



آينشتاين! الوجه المجهول
قراءة في كتاب

عدنان عاكف

لو سألتُ في جلسة سمر: " من هو آينشتاين ؟ فماذا سيكون جوابك ؟

قد تقول انه " عبقري " أو " رائع " ، أو ربما حتى " بروفيسور شارد الذهن ".

ولكن قلة، من سيجيب : " مناضل اجتماعي " أو " مدافع عن حقوق الإنسان ".

ولن تجد عمليا من سيقول : " مناضل ضد العنصرية ".

فريد جيرم

الحلقة الأولى
صدر في عام 2002 للكاتب والصحفي الأمريكي فريد جيرم كتاب ( ملف آينشتاين - حرب هوفر إيدغر السرية ضد أشهر علماء العالم ). وهوفر إيدغر هو الرجل الأول في مكتب التحقيقات الفدرالي ( م.ت.ف. ) وقد بقي يتربع على كرسي رئاسة هذا المكتب أكثر من نصف قرن - منذ تأسيسه في مطلع العشرينات حتى وفاته عام 1974 . والكتاب بأكثر من 350 صفحة. وقد اعتمد المؤلف في الأساس على المعلومات الواردة في الملف السري لآينشتاين، بعد ان أصبحت هذه المعلومات ( أو 75% منها ) متاحة للقراء، حسب القوانين المعمول بها في الولايات المتحدة، ونخص بالذكر " مرسوم حرية الوصول الى المعلومات " ، وهو مرسوم يُسمح بموجبه الكشف عن المعلومات السرية بعد مرور فترة زمنية معينة، مع حق المؤسسات المعنية بعدم الكشف عن المعلومات التي تجد ان الكشف عنها سيضر بمصلحة الأمن القومي للبلاد.

بقي آينشتاين يخضع لمراقبة مكتب التحقيقات الفدرالي منذ استقراره في الولايات المتحدة في مطلع الثلاثينات وحتى وفاته في عام 1955.

اشتهر مؤلف الكتاب في الوسط الأدبي والصحفي في أمريكا بكونه من المَعْنيين في الأدب العلمي العام والعلم الجماهيري. وقد أثار صدور الكتاب ضجة في أوساط المثقفين وخضع للكثير من الدراسات النقدية، ومن كلا الجانبين، اليمين واليسار على حد سواء. البعض ( من اليمين ) وجد فيه محاولة مُقـَنـَعة، من قبل فريد جيرم، للدفاع عن الماركسية والاشتراكية وحتى الشيوعية. في حين رأى فيه البعض الآخر، من اليمين أيضا، محاولة يقوم بها المؤلف ليثأر لنفسه ولعائلته، من المكتب الفدرالي ورئيسه، والسعي الى تشويه صورته أمام القراء، إذ ان جيرم الأب كان من بين زبائن مكتب التحقيقات، وقد تعرض هو وعائلته للمسائلة والملاحقة والاعتقال خلال الحملة المكارثية، سيئة الصيت، التي شهدتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية. لقد كان والد فريد عضو في الحزب الشيوعي الأمريكي. في حين ير البعض الآخر ان أهمية الكتاب لا تقتصر على الوقائع المتعلقة بآينشتاين فحسب ، إنما هي أيضا مادة وثائقية تاريخية مهمة، تساعد على فهم وتقييم الظروف السياسية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة. ولا يتردد البعض من هؤلاء الذهاب أبعد من ذلك للمقارنة بين المكارثية وبين ما جرى ويجري في أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول!!

يبدأ فريد جيرم كتابه بمكالمة تليفونية جرت بينه وبين السيد سام بيش، أحد العملاء السابقين في مكتب التحقيقات الفدرالي، و كان يعمل كضابط ارتباط بين المكتب الفدرالي و وكالة المخابرات المركزية. وقد تم هذا الاتصال في 4/12/1999، عندما كان فريد منكبا على إعداد الوثائق والمعلومات لكتابه. واليكم بعض ما دار بين الرجلين آنذاك:

- فريد : ( بعد ان عرف بنفسه ) - أتصلٌ بك بشأن الكتاب الذي أعده عن ملف آينشتاين ، الذي تحتفظون به لديكم في مكتب التحقيقات الفدرالي ( م.ت.ف. ) .

- سام : بشأن من ؟

- فريد : آينشتاين. البيرت آينشتاين .

- سام : اللعنة.

- فريد : هل أنت حقا مندهش لأنك الآن فقط عرفت بوجود مثل هذا الملف ؟ أم لأني أعرف بوجوده

- سام : حسنا. أنا... كي أكون صادقا معك، أخبرك : لم أكن أعلم سابقا ان كان م.ت.ف. قد أجرى أية تحريات بشأن آينشتاين.

- فريد : ألم تكن أنت ضابط الارتباط مع وكالة المخابرات المركزية ؟

- سام : نعم... بدأ ذلك في عام 1953 واستمر لمدة خمسة عشر عاما.

- فريد : حسنا. لقد بقي هذا الملف مفتوحا حتى عام 1955. آينشتاين توفي في عام 1955.هل بوسعك ان تحدد في ما اذا كان هناك سبب معين دفع هوفر ( رئيس م.ت.ف. ) الى فتح ملف كهذا ؟

- سام : كلا! ولكن أيّ كان الأمر... حسنا! ما هي المعلومات المتوفرة لديك؟ ما الذي يدعوك للتأكيد على ان تحقيقات ما قد أجريت بالفعل بهذا الشأن ؟

- فريد : الذي لدي هي إضبارة آينشتاين كاملة !ّ!

- سام : ما ينبغي عليك ان تحفظه في دماغك جيدا هو ان الناس ترتبك عندما تقترب من هذه الأضابير... من المحتمل - أنا مجرد أخمن بماذا أنت تفكر - مجرد شخص ما بعث برسالة يتهم فيها آينشتاين بكونه على علاقة زمالة مع بعض الشيوعيين المجهولين. ويمكن بالفعل أن تكون مثل هذه المعلومة قد خضعت للتدقيق، ومن ثم تم حفظ المعلومات في ملف ما... مجرد ملف تافه من شتات... أو ربما كان كان هناك ملف متكامل عن نشاطات آينشتاين العلمية... ولكن ، كي أكون أمينا جدا معك، ليس لدي علم بوجود مثل هذا الملف... أنت تعرف، لقد كنا في تلك الأيام نشكل عائلة كبيرة لطيفة، ولو انك قمت بأية تحقيقات سريعة بشأن شخصية مشهورة، فان الأمر سوف ينتشر بين العاملين في المكتب. شخصيا لم أسمع بإشاعة كهذه، ولم يكن لدي أي علم بوجود أية دلائل تشير الى اننا كنا نتابع آينشتاين. ما الذي حصلت عليه من " مرسوم حرية المعلومات " ؟ أو انك... وقبل ان يكمل قاطعه فريد :

- فريد : لدي إضبارة آينشتاين التي حصلت عليها من مكتب التحقيقات الفدرالي. انها تضم ألف وثماني مائة صفحة.

- سام : ألف وثماني مائة ؟

- فريد نعم!! .

- سام : اللعنة.

اللعنة وألف لعنة. أيعقل هذا ؟ كيف يمكن أن نصدق ان مسؤولا أمنيا رفيع المستوى مثل سام بابيش يجهل أمر كهذا؟ مع ذلك سنجازف ونقدم تفسيرا محتملا لهذا اللغز. لقد كان الأمر يتعلق بشخصية استثنائية مشهورة على مستوى العالم، حتى قبل وصوله الى أمريكا هاربا من وطنه الأم. لذلك كان على السيد إدغار هوفر، مدير مكتب التحقيقات الفدرالي ان يكون في غاية الحذر وهو يتعامل مع أسرار شخصية كهذه، وان يسعى من أجل حصر هذه المهمة الصعبة في إطار دائرة ضيقة جدا، من العاملين في مكتبه. انه تفسير قد يبدو مقبولا، لكنه يحمل في طياته عناصر ضعفه. وأول هذه العناصر هو : كيف يمكن لدائرة ضيقة من العملاء ان تنفخ في إضبارة سرية لشخصية في غاية الأهمية ، مثل آينشتاين ، لتتحول فيما بعد الى مجلد ضخم ، من ألف وثماني مائة صفحة؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال لا بد من قراءة كتاب فريد جيروم، عن الملف السري لشخصية القرن العشرين. ومن خلال قراءتنا لهذا الكتاب تتضح لنا حقيقتان وثيقتا الصلة بالسؤال المثار. الحقيقة الأولى هي ان رئيس م.ت.ف. جند لمهمته فريقا كبيرا من المخبرين والمرشدين، الذين كانوا يحصون على آينشتاين أنفاسه. ولم يكتف بذلك بل استعان بمساعدة سبعة هيئات أمنية ومخابراتية أمريكة أخرى.، وفي مقدمتها هيئة المخابرات المركزية. ولم تكن مخاوف هوفر بدون أساس. فقد كان أكثر من غيره يعرف ان الصورة التي رسمها الإعلام عن آينشتاين، ، لا تعبر عن آينشتاين الحقيقيي. فالذي رسخ في أذهان الناس عن آينشتاين، هي صورة الرجل العجوز الهادئ البسيط المتواضع، الماشي دوما " جنب الحيط "، والشارد الذهن دائما، الذي يقضي جل وقته وهو يتأمل في السماء يحصي النجوم ، منشغلا بأسرار هذا الكون الفسيح. لكن في الحقيقة لم يكن هذا سوى وجه واحد من الصورة، التي سعى الإعلام الى نشرها بين الجمهور منذ ان كان يعيش في بلده الأصلي ألمانيا. وقد واصل الاعلام الأمريكي في نفس الإتجاه باذلا أقصى جهده لإخفاء الوجه الآخر ، والذي لا يعرف عنه إلا قلة من الناس. من هو آينشتاين الذي حاول الاعلام الرأسمالي إخفاءه عن الناس ؟؟

عرف آينشتاين في الدوائر المحيطة به وفي وقت مبكر بعدائه الشديد للحرب وكرهه للأنظمة العسكرية والديكتاتورية. وبعد عودته من سويسرا الى ألمانيا عام 1914 ، أي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى وقف بقوة ضد النزعة العسكرية التي سادت آنذاك في القارة الأوربية. وبعد نشوب الحرب قام بنشاط كبير من أجل السلم، والوقف الفوري للحرب. ولكن صوت آينشتاين آنذاك كان خافتا بائسا لم يسمعه أحد، وسط الضجة الصاخبة التي كانت تتعالى مرددة نشيد " لا صوت يعلو فوق صوت الحرب ". لقد أصدرت أكثر من 90 شخصية ألمانية مشهورة في مجال العلم والثقافة والفكر، وبينهم أكبرعلماء ألمانيا بيانا يدعوا الى دعم الحكومة الألمانية وتوجهاتها العسكرية. وعلى الضد كان آينشتاين من بين أربعة علماء فقط وقعوا على بيان يشجب الحرب، ويحث الشباب الى رفض التجنيد وعدم التطوع في الجيش. كان ذلك موقف جريء من قبل هؤلاء ، ترتبت عليه نتائج سلبية بحقهم، وقد تعرض آينشتاين بسببه الى الكثير من المضايقات والملاحقة، واتهم بالخيانة. وساهم فيما بعد مع مجموعة من المثقفين في تشكيل تحالف مستقل، غير حزبي، للنضال من أجل السلام العادل في العالم، والسعي من اجل تشكيل منظمة دولية يكون هدفها الرئيسي العمل من أجل وقف الحرب.

ومنذ العشرينات أعار اهتماماته للعديد من القضايا السياسية، مثل الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والوقوف ضد تصاعد المد النازي والفاشي في ألمانيا وإيطاليا، ووقف الى جانب قضايا التحرر الوطني وضد الإمبريالية والاستعمار، ووقف بصلابة ضد العنصرية ومعاداة السامية. وبالرغم من تعرضه الى المضايقات الشديدة من اليمين الألماني لكونه يهودي، إلا انه كان من بين المبادرين في عام 1929 الى التوقيع على بيان يدين الأحكام الجائرة التي أصدرتها قوات الانتداب البريطاني ضد المناضلين الفلسطينيين. ولم يخف انحيازه لقضايا الحق والعدالة الاجتماعية. وقد كتب قائلا : " ان المثل التي أنارت لي الطريق، والتي كانت تمنحني شجاعة جديدة لمواجهة الحياة بوجه مبتسم قي الخير والحق والعدل ". وكتب عام 1930 : " لقد كان إحساسي المتلهف بالعدالة الاجتماعية والمسؤولية الاجتماعية على تباين عجيب مع ايثاري العزلة عن الناس.. " . وكتب في تلك المقالة : " ان سياسة التمايز بين الطبقات منافية للعدالة. وهي في نهاية الأمر قائمة على القوة ".

بعد انتقاله الى الولايات المتحدة تركزت اهتمامات آينشتاين السياسية على فضح سياسة معاداة السامية التي انتهجها الحزب النازي الحاكم في ألمانيا وتصاعد أعمال العنف الموجهة ضد اليهود وضد القوى الديمقراطية في ألمانيا وإيطاليا. وقد بذل الكثير من الجهود لمساعدة ضحايا الفاشية والنازية في أوربا، ودعا الحكومة الى تقديم المساعدة اللازمة لهجرة المناضلين ضد الفاشية. ووقف آينشتاين علنا مع القوات التي تحارب فرانكو خلال الحرب الأهلية في إسبانيا. وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الفاشية تقنبل القرى الإسبانية كانت أمريكا وفرنسا وإنكلترا تلتزم سياسة الحياد ففرضت حصارا على قوات الجمهوريين لتمنع عنهم السلاح الذي كانوا بأمس الحاجة اليه. وبالرغم من الاحتجاجات التي قامت في أمريكا لرفع الحصار عن الجمهوريين إلا انه استمر حتى نهاية الحرب .... وقد ساهم أكثر من 3000 متطوع أمريكي من فرقة أبراهام لينكولن في دفع الحكومة الى مساندة قوات الجمهوريين في إسبانيا، وكان آينشتاين من الأنصار المتحمسين لهذه الفرقة.

من اهتمامات آينشتاين السياسية المهمة في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية هي قضية العنصرية والتمييز العنصري ضد السود. وقد ساهم بقوة في فضح سياسة الميز العنصري، وتميز في هذا المجال في نشاطه المشترك مع الفنان والشخصية الزنجية الأمريكية المعروفة، باول روبينسون. ولم يخف مواقفه المؤيدة لليسار الأمريكي وساهم بنشاط في الحملة الانتخابية عام 1948 لصالح الحزب التقدمي ورئيسه هنري والاش. وكان عضوا في اللجنة الوطنية لأصدقاء فريق لينكولن. وقد توج آينشتاين هذا النشاط الذي لم تكن تتحمله المكارثية بالمقالة الشهيرة التي نشرها في أيار 1949 بعنوان " لماذا الاشتراكية؟ ".

لقد قادت هذه النشاطات المتنوعة رئيس مكتب ( م.ت.ف. ) الى قناعة بان هذا العالم الكبير يخفي في داخله هدام خطير. لقد وجد هوفر نفسه في موقف حرج جدا. فهو من ناحية يتعامل مع شخصية طبقت شهرتها الآفاق، واشتهر اسمه في كل أنحاء العالم. لذلك فان أي تصرف تجاهه قد يثير إشكالات كبيرة لا يمكن تخمين آثارها. ليس من السهل ان يعلن هوفر على الملأ ان عالم كبير يقف الى جانب قوى اليسار. ولكنه، في نفس الوقت، لا يمكن أن يسمح لهذا الرجل المشهور ان يتمادى في التعبير عن مواقفه المعارضة للنظام. فاذا سمح للأستاذ بذلك فيمكن للآخرين ان يتبعوه. وهكذا لم يجد هوفر أمامه إلا ان يضع آينشتاين تحت مراقبة صارمة، وصلت أحيانا الى حد التصرف الجنوني في تشويه سمعته والعمل من أجل ترحيله عن البلاد.

الحلقة الثانية - يتبع







 


 

free web counter