د. علي الأسدي
الأربعاء 21/10/ 2009
هل الأتراك والكورد في تركيا.. أخوة أم أشقاء.....؟؟
علي ألأسدي - البصرة
(على هامش زيارة رئيس الوزراء التركي للعراق أخيرا)
تشهد العلاقات العراقية – التركية تحسنا وتطورا متسارعا ، يبشر البلدين بتعاون إقتصادي يزدهر لمصلحة الشعبين العراقي والتركي. ومنذ انسحاب العراق من حلف بغداد عام 1958 بقرار من حكومة عبد الكريم قاسم كخطوة في طريق تحرير العراق من التزامات عسكرية تجاه الغرب حينها ، ساد العلاقات العراقية – التركية ما يشبه الذهول بعد الصدمة ، وكأن ما اتخذه العراق لاستكمال سيادته موجها لتركيا بالذات ، وهكذا فهمت كل من ايران وباكستان العضوان الآخران في الحلف ، الذي على إثره اصبح العراق من وجهة نظر كافة اعضاء الحلف دولة شيوعية مارقة. تصور خاطئ ولا يمت للحقيقة بشئ ، لكن العقلية الاستعمارية ومن دار في فلكها في تلك الحقبة لم ترغب بالاعتراف بحق الشعوب للخروج من ستارها الحديدي ، ولذا اعتبر شيوعيا من يحطم ذلك الستار ويتحررمن قيوده. لذا اقتصرت العلاقات بين تركيا والعراق بعد خروجه من الحلف على تبادل السفراء ، واستمر على ذلك المستوى لفترة طويلة برغم التحسن الذي شهدته العلاقات مع عراق صدام والذي توج باتفاقات سمح للجيش التركي بموجبها التغلغل عبر الحدود بين البلدين لعمق 15 كم لضرب مواقع وقرى عراقية بحجة ملاحقة متمردين تابعين للحركة الوطنية الكردية في تركيا.
وخلال زيارته المهمة للعراق وقع السيد رجب أردوغان اتفاقيات مهمة مع الجانب العراقي شملت الاقتصاد والمياه والسياسة والأمن الوطني كما أذاعت وكالات الأنباء. لكن ما أثار انتباهي اكثر هو دعوة الرئيس التركي بأن " يكون لمحافظة كركوك وضعا خاصا بها ". إن اهتمام رئيس الوزراء التركي بقضية كركوك بالذات وليست أي محافظة عراقية أخرى ، متأت من وجود أقلية تركمانية عراقية فيها ، إنها التفاتة جيدة من رئيس تركي بمواطنين عراقيين من أصل تركي كدليل على رغبته في التواصل مع أبناء وطنه ممن فضلوا العيش في كنف شعب آخر. وحبذا لو قامت الحكومة العراقية الحالية وحكومات العراق في المستقبل بالاتصال بالدول التي تستقر فيها جاليات عراقية لبحث الوسائل الكفيلة بتحسين ظروف عيشهم والتواصل معهم ، والطلب من ممثلياتنا الدبلوماسية في تلك الدول تقديم الدعم والمشورة وأي مساعدات ممكنة لتعميق صلتهم بالمجتمع الأم من جانب ، وحث تلك جالياتنا في الخارج على تنمية افضل علاقات التعاون والتفاهم مع المجتمعات المضيفة ، ليكونوا جسرا للتبادل الثقافي والعلمي بين الشعوب كافة من الجانب الآخر.
وكان حريا بحكومتنا أن تحث الرئيس التركي على التوصل عبر الحوار مع أبناء وطنه الأكراد لحل سلمي لتطلعاتهم في الحرية والمساواة ، والتي ستنعكس إيجابياتها على المنطقة الحدودية وتحولها من ساحة حرب إلى ورش عمل منتجة لخير لبلدين. فأكثر من عشرة ملايين كردي ، ومثلهم من العلويين ليس لهم وضعا خاصا في الديمقراطية التركية ، مع أن عددهم يعادل أكثر من عشرين ضعفا عدد المواطنين العراقيين من أصل تركي في كركوك. لست كرديا أو علويا حتى أتهم بالتعصب لأكراد تركيا أو علوييها ، ولكن الحقيقة الماثلة أمامنا وأمام العالم غير مقبولة حضاريا ، فالعالم الآن ليس عالم ما قبل عام 1914 ، فعدد السكان الكرد في تركيا غير المعترف بقوميتهم يعادل أكثر من ثلاثة اضعاف المملكة البلجيكية ، واكثر من ضعفي سكان المملكة السويدية ، وكذلك سويسرا وهولندا ، وأكثر من عدد سكان دول الخليج العربية مجتمعة. وهذا التمييز غير المبرر كان وما يزال موضوع نقاش جاد ومتكرر مع مجلس الاتحاد الأوربي ، ويشكل عقبة جدية امام قبول تركيا في ذلك الاتحاد.
إن تركيا تعتبر الكرد مواطنون أتراك ، ما يعني أنهم أشقاء للأتراك ، لكنهم محرومون من حقوق الشقيق ، ولا يعترف بهم كأخوة أيضا أسوة بالجالية اليهودية والأرمنية واليونانية. أمر في غاية الغرابة من دولة تدعي الحداثة ولا تعمل بها ، تعتبرهم أتراكا وتحرمهم من حقوق الأتراك ، فما سر هذا الخوف غير المبرر ، مع أن ميزانية الدولة التركية مرهقة من حجم النفقات العسكرية التي تتكلفها بنتيجة سياسة القمع التي تتبعها ضد الحركة الكردية المطالبة بحقوقها المدنية الكاملة أسوة بأبناء القومية التركية.
لقد طالب الرئيس الحالي لمفوضية حقوق الانسان الأوربية السيد توماس هماربيرغ بتقرير أصدره من مقره في ستراسبورغ ، طالب تركيا - بإعادة تفسير مفهوم الأقلية القومية ، فتفسيرها الحالي ضيق جدا ، وأن رفضها الأعتراف بوجود أقليات قومية غير اليهود واليونانيين والأرمن مثير للقلق. وحثها على توسيع مفهوم الأقليات القومية المطروح في بنود معاهدة لوزان لعام 1923. وجاء في تقرير رئيس المفوضية- يبدو اليوم بأن هناك ثلاثة أقليات طائفية نالت الأعتراف فقط بينما الأقليات الأخرى تعامل وكأن ليس لها أية حقوق كأقلية، وقد آن الأوان لمراجعة وضع أقليات الكرد والطائفة العلوية لحصولهم على حقوقهم اللغوية والانسانية. وبين أن هذه القضية تحتاج إلى قرار سياسي يسمح لتركيا بأن تصبح طرفا في اتفاقية تكون أطارا للعمل على حماية الأقليات القومية من المصاعب والمخاطر التي تحيط بها. وقد طلب رئيس مفوضية حقوق الانسان الاوربية من السلطات التركية - تطوير نشاطات رفع درجة الإدراك awareness – raising لتنبيه جماهير الشعب لفوائد المجتمع ذو الثقافات المتعددة ، وانشاء جهاز كفء يختص في مواجهة التمييز العرقي والطائفي racial and religious discriminationإنها رسالة واضحة للحكومة التركية بأنها إن رغبت الاندماج بالاتحاد الأوربي الذي تسعى إليه بقوة ، عليها أن تثبت للعالم أنها قد ساعدت المجتمع التركي على الاندماج مع نفسه أولا.
البصرة 21 / 10 / 2009