|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  18  / 11 / 2014                                 د. أكرم هواس                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الدولة الفلسطينية حقيقة... و لكن..
(1)

د. اكرم هواس

اخيرا... الدولة الفلسطينية ستعلن خلال فترة لن تكون طويلة رغم المعارضة الإسرائيلية والامريكية الرسمية (الا اذا.... وهذه مرتبطة ب "لكن" التي سنعود اليها لاحقا).... نحن لا نتحدث عن اعتراف السويد الرسمي و البريطاني السياسي و إنما هناك مؤشرات اكثر أهمية بهذا الاتجاه... اهم تلك المؤشرات هو الرأي العام الاوروبي و تناول الصحافة لهذه القضية التي كانت منذ وقت قريب مجرد اوهام ... بل ربما كانت تعبر من المحرمات شعبيا ومن الممنوعات سياسيا واعلاميا.... والذين كانوا يتحدثون عنها كانوا يعتبرون "خياليين" وفي بعض الأحيان "متعصبين" او حتى "ارهابيين"...

الان اصبح الجميع يتحدث عن ضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية ... بل ان اسم فلسطين اصبح متداولا بشكل "طبيعي" في كثير من وسائل الاعلام كما يتم ذكر اسم اية دولة اخرى.... والملاحظة المهمة هنا هي ان اغلب وسائل الاعلام تشترك في ذلك حتى الكثير من الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون التابعة للمجموعات اليمينية التي كانت حتى وقت تعتبر ذكر اسم فلسطين اعتداء على دولة مستقلة هي اسرائيل ...

وقبل ان نصل الى "لكن" الاستدراكية لابد ان نستعرض مؤشرات اخرى تصب ايضا في مصلحة اعلان الدولة الفلسطينية ألخصها في ملاحظات...

اولا... منذ الانتفاضة الاولى نهاية ثمانيات القرن الماضي فان خطان تطوريان كانا يسابقان بعضهما البعض داخل الأوساط الشعبية والسياسية والإعلامية وذلك اعتمادا على الصور الحية للمستوى العالي للعنف المستخدم من قبل القوات الاسرائيلية ضد قاذفي الحجارة من الشباب الفلسطيني...

هذا الخطان هما زيادة التعاطف مع الفلسطينيين بسبب مظلوميتهم امام القوة الإسرائيلية الهائلة من جهة ومن جهة ثانية زيادة المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية التي تأتي من مصدر واحد وهو المستوطنات المبنية في الضفة الغربية او غزة... بكلام اخر... تم ربط هذه المنتجات بقضية عامة يتفق الجميع عليها في أوروبا (على الاقل بصورة رسمية وشعبية) وهي ضرورة مكافحة عمالة الأطفال او عمالة السجناء والمناطق المستعمرة .... هذا يعني ان هذه المنتجات تم اعتبارها منتجات قسرية اي ان الفلسطينيين الذين في المستوطنات هم مجبرين على العمل بشكل تعسفي وليس على أساس اداء وظيفي يتوافق مع القوانين ويضمن الحقوق...

ثانيا... تأثير ثنائية "الدولة" و "الثورة" او منهجي "السلم" و "العنف" في طبيعة النضال الفلسطيني بعد اتفاقيات أوسلو .... هذه الثنائية أعطت ديناميكية عالية للعمل الفلسطيني الذي انتقل من احادية البعد الى متعدد الأبعاد
Multi-Dimensional بحيث انها من جهة ابقت على النضال المسلح ... بل تم تقويتها بشكل كبير بفعل الاستثمار العسكري والسياسي الإيراني ... ومن جهة اخرى أضيفت ابعاد اخرى منها العمل السياسي المقبول دوليا والدور المتنامي لمنظمات المجتمع المدني دون ان يشعر بالحرج او يُتهم بالارهاب ... كما فتح الباب لتدفق الاموال والمساعدات الاقتصادية باعتراف دولي... (للتذكير كنت قد اشرت الى أهمية هذه الثنائية في مقال سابق بتاريخ 19-3-2012 وهو .. الثورات العربية... والحرب الباردة الجديدة - 4)

ثالثا... توسيع ثغرة المواجهة مع الهيمنة الامريكية الغربية بفعل عوامل متعددة ابرزها عودة روسيا الى حلبة الصراع وتقوية مكانة الصين الاقتصادية مقابل تفاقم أزمات الغرب الاقتصادية وتفكك الأواصر القديمة بين أركانها و بروز مجموعة البريكس
BRICs واستمرار ايران في النمو والتطور رغم العقوبات الغربية والدولية المتصاعدة...

هنا لابد من توضيح نقطتين.... تتعلقان بمفهوم "ثغرة المواجهة" و "أهمية دور ايران".... و لنبدأ بالمفهوم الاول ... ما اعنيه بثغرة المواجهة هو إشارة الى الحالة التي نشأت مع بدايات الاستعمار الغربي لبقية العالم .... هذه الحالة التي تطورت بشكل دائمي وبفعل التطور التكنولوجي والعسكري والتي رسختها مجموعة كبيرة ومستدامة من الإجراءات القانونية والسياسية التي أدت مع سقوط الاتحاد السوفيتي الى الاطباق التام ... او الهيمنة التامة... للقوى الغربية برئاسة الولايات المتحدة على شؤون العالم ...

طبعا كانت هناك دوما ثغرات في جدار هذا الاطباق للهيمنة الغربية و لعل وجود الاتحاد السوفيتي لم يشكل أبداً قوة معادلة للغرب... و إنما كان يشكل ثغرة في الهيمنة الغربية ... وعندما قررت القوى الغربية ردمها فإنها فعلت ذلك و نجحت بصورة لم يتصورها ... لكن الهيمنة الغربية تعرضت الى التآكل الذاتي مما فتح ثغرات هنا و هناك دخلت منها الصين والهند والبرازيل وايران و غيرها ... و شيئا فشيئا توسعت هذه الثغرات البسيطة و تحولت الى ثغرة متفاعلة بفعل التعاون و التعاضد بين هذه القوى المتحدية للهيمنة الغربية اقتصاديا وسياسيا... طبعا رغم تطور إمكانيات هذه القوى الا انها لم تشكل بعد بديلا حقيقيا للهيمنة الغربية.... ولذلك نتحدث عن توسيع رقعة تأثيرها على صنع القرار الدولي وليس عن دور حاسم لها في العلاقات الدولية....

الان.... أهمية دور ايران لا تكمن فقط في انها تشكل نقطة لتلاقي القوى الاخرى وخاصة الصين و روسيا والبرازيل وفنزويلا وغيرها... و إنما ايضا لان ايران هي الدولة الشرق - الاوسطية الوحيدة في مجموعة المتحدين للهيمنة الغربية بشكل واضح و بنفس طويل وانتاج اليات للتحدي لم يعهدها الغرب كثيرا... واذا أضفنا الى القدرات الإيرانية السياسية على المستوى الدولي دخولها المباشر الى ساحة النضال الفلسطيني عسكريا وسياسيا... خاصة ان ايران لها مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي تتطوره باستمرار وتدافع عنه بدون تراجع (طبعا هناك انقادات كثيرة لهذا المشروع و ربما سنكتب عنه مقالة خاصة) ... فلابد إذن ان يكون لهذا الدور والمشروع الإيراني تأثيرا كبيرا في مستحصلات العمل الفلسطيني.

هناك عوامل اخرى تلعب ايضا دورا في هذه القضية وأهمها تتعلق بالتطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع الفلسطيني ومنها ظهور الطبقة المخملية وشبكات المصالح الاقتصادية مع أطراف متناقضة محليا ودوليا وكذلك طبقة البيروقراطية المؤسساتية و الشباب المتاثرين بتيار الشباب العالمي البوست مودرنيتي Post-modernity الساعي الى الرخاء و غير المنتمي او المعولم Globalized عموما (موضوع طويل)... اما سياسيا فالامر لا يتعلق فقط في الصراع المفتوح بين اتجاهي "الدولة" و ا"الثورة" و لكن ايضا داخل كل طرف و كذلك تطور العلاقة مع المحيط و خاصة في سوريا و مصر و مشكلة التواصل الجغرافي -السياسي بين الضفة و غزة و دخول قوى اخرى و خاصة دول الخليج و تركيا مما دفعت كلها باتجاه استقلال فلسطين... و لكن...

في المقالة التالية سنناقش الاستدراك وقضيتي "لكن" و "الا اذا"... الذين ربما يلعبان الدور الأساسي في اعلان قيام الدولة الفلسطينية ... حبي للجميع..

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter