|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس 24 / 2 / 2011                                 د. أكرم هواس                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

صبيحة الثورة (1).... ثورة العقل و البناء

د. اكرم هواس *
(موقع الناس)

بينما تجري التحضيرات الاخيرة لانطلاق المظاهرات الكبرى في العراق يوم الجمعة 25 شباط - فبراير 2011 فان المؤشرات تدل على مشاركة كبيرة خاصة ان اركان الدولة السياسية و العسكرية و الاقتصادية قد بدأت استعدادات واضحة لمواجهة ما سيترتب على هذه التظاهرات.

مما لاشك فيه انه بعيدا عن المستفدين بشكل مباشر من الاوضاع الراهنة فان الاغلبية الساحقة ستكون مع المظاهرات سواء ساهمت بفعالية ام اكتفت بالمشاركة القلبية ذلك ان الامور وصلت الى حدود لا يمكن تحملها من الفساد و الفوضى في كل ركن في البلد بينما تطال قائمة المستفيدين اغلب القوى السياسية بغض النظر عن الدور الرسمي و الخطاب السياسي و الاجتماعي. للاسف فقد بنى الجميع امبرطورياتهم الخاصة حيت يتمتع افراد و جماعات صغيرة باموال و سلطات ليس لها حدود او محاسبة او قانون بينما تركت الاغلبية من العراقيين اما ان تقتات على الفتات او حتى لا تجد شيئا تقتات عليه قي وقت اصبحت مصطلحات التنمية و البناء و الامن و المستقبل و حقوق الناس و...و... مجرد كلام فارغ او ديكورات بلاغية تطرز الخطاب السياسي الاجتماعي دون ان تعني اي شيء على ارض الواقع.

الصورة العامة في عراق اليوم هي ان الصناعة لم تنهض و الزراعة ماتت نهائيا بعد ان قطعت تركيا و ايران و سوريا مصادر المياه لكي تعطي قوة دافعة اضافية لصادراتها و صفقاتها الاقتصادية في السوق العراقية المفتوحة لكل ما لا يصلح في اي مكان اخر في العالم من منتوجات بينما اصبحت الادارة مجرد ساحة للسرقة و عقد الصفقات الخاصة و الاحزاب شركات استثمارية و الناس وقود لتحريك عجلة الاحزاب و المنظمات المختلقة في سباق الفوز بهذه الصفقة او تلك و لتحقيق اكبر ربح دون اية رؤية حول ما يترتب على حياة الناس و مستقبل البلد.

اموال العراق الطائلة لم تجد طريقها الى بناء الاسس المطلوبة لحياة كريمة للعراقيين بعد دهور طويلة من البؤس والشقاء بل تستخدم لتدعيم امبراطوريات الاحزاب و الجماعات التي تشرعن وجودها على اسس قومية او دينية او اثنية دون ان تقدم اي شيء لهذه المجموعات الاجتماعية غير المزيد من التهميش و الفقر و الضياع. بدلا من بناء البلد فان المتسلطين على هذه الاحزاب و الجماعات يستخدمون عبقرياتهم في استثمار اموال العراق في بناء جيوش خاصة مسلحة باحدث الاسلحة و علاقات دولية مع مخابرات و شركات امنية تسهر على توفير الامن للقيادات وعائلاتهم و اموالهم و استثماراتهم بينما يواجه العراقيون الانفجارات و الاغتيالات دون اي رادع حقيقي.

المشكلة تكمن في ان هذه الحالة من الفساد المستشري اصبحت هي العرف السائد حتى غدت و كأنها هي القانون الطبيعي بينماالكلام عن مؤسسات القانون اصبح شاذا و غير واقعي حيث يعتبر من يتحدث بهذه الامور مجنونا او على الاقل شخصا مثاليا لا يمت الى الواقع بشيء.

هذا التشخيص يجعل مهمة الثوار و الثورة اكثر تعقيدا فالمواجهة لن تكون مع نظام كما الحال في البلدان التي شهدت ثورات في هذه ايام بل مع منظومة متشابكة من النظم الصغيرة التي ترتبط بمصالح مع قوى دولية و اقليمية كبرى مما يوفر مرونة لكي تلعب ادوارا مختلفة حتى ان بعضها قد يعلن انضمامه الى الثورة ليس فقط للتشويش و سرقة الثورة بل ايضا لزيادة فرصها في سوق العولمة.

استراتيجية الثورة يجب ان تركز على افراغ الخطاب السياسي الاجتماعي للاحزاب المتسلطة و محاولة كسر طوق قواعدها الفكرية و الايديولوجية بتقديم اطروحات واقعية من جهة و من جهة اخرى الابتعاد الكلي عن العنف و لغة شيطنة الاخرين و تكفيرهم. المجتمع العراقي بحاجة الى تغيير جوهري يستعيد فيه المواطن القدرة على التعرف من جديد على الخط الفاصل بين الفساد و القانون, بين الخاص و العام, بين الانانية و القيم المجتمعية, بين الحزب و الدولة و بين التنمية و المصالح الضيقة و بين امن المجتمع و امن الجماعة التي ينتمي اليها.

يجب التوجه الى عقول الجماهير لتحريرها من اسس الاصفافات الفئوية التي غدت طاغية من زمن و خاصة في السنوات الاخيرة. فلتكن ثورة عقل و بناء بعيدا عن ثورات العاطفة و الحماسة الايديولوجية التي تكتفي بالهدم و لا تؤسس كما اثبت التاريخ سوى امبراطوريات كارتونية. يجب ان يثبت ثوار العراق ان الثورة ليست هواية يمارسها العاطلون و هي ليست كذلك هدفا بذاتها, انما هي وسيلة لاحداث التغيير و لايجاد الاليات العقلانية الضرورية لبناة جديد. ليقدم الثوار نموذجا جديدا لاسس البناء اللاجتماعي و التنمية عمادها العلم والعقل والتسامح والشراكة في مجتمع يجد فيه الجميع مكانا ورزقا ودورا وسلاما وامنا.

 

* اكاديمي عراقي - الدنمارك

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter