| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي إبراهيم

 

 

 

الجمعة 17/12/ 2009

 

قراءة قديمة في رواية
"هــمْ ويبقى الحب علامة" لمحي الدين زنكنه

عرض : علي إبراهيم

هذا عرض لرواية ( هم ويبقى الحب علامة ) للكاتب الروائي المعروف محي الدين زنكنه كتبته عام 1975 وأرسلته إلى جريدة (طريق الشعب) لنشره عن طريق الصديق الناقد والقاص ناجح المعموري الذي كان وقتها أحد أعضاء المكتب الصحفي ومراسل جريدة طريق الشعب في بابل ولم ينشر في حينه ، لان الصديق ياسين النصير سبقني ونشر عرضا عن الرواية وكانت سياسة الجريدة آنذاك لا تنشر أكثر من عرض لكتاب واحد ، فبقي الموضوع بين طيات أوراق الزميل المعموري أكثر من 30 سنة إذ بعد هذا التاريخ بأربع سنوات بدأت الهجمة الفاشية ضد حزبنا وأنصاره مما اضطرني إلى ترك الوطن والهرب خارجه ثم عدت مشيا على الأقدام "مع خمسة رفاق ـ من سوريا إلى تركيا وعبرت الحدود إلى كردستان العراق وبقية عشر سنوات ثم اجتاحت كردستان قوات النظام بعد توقف الحرب العراقية ـ الإيرانية ، وقصف المنطقة بالسلاح الكيمياوي ، بعمليات " الأنفال " سيئة الصيت مما اضطررنا مرة أخرى إلى الهجرة فتلقفتنا عدد من البلدان التي كانت أحن علينا من حكامنا المجرمين ، ولكن" الغربة كانت أقسى من سيف الجلادين " فتركت في نفوسنا حنينا عارما، لم يهدأ إلا بعودتنا إلى الوطن بعد سقوط النظام ، وقبل شهرين تقريبا استلمت النص كما هو بخط يدي وارتأيت نشره لأن فيه كثيرا من القيم الجمالية والفكرية تؤشر إلى مرحلة من الكتابة سواء على الصعيد الشخصي أي (البدايات ) أو على المستوى السائد في ذلك الوقت ، وفيه قيمة كبيرة ، وفضل كبير لصديقي ناجح المعموري ، وكان أجمل تعبير عن المحبة التي تعززت رغم عاديات الزمن وبعد المسافات ، فوجدته الصديق الصدوق لأن اعتزازه بالورقتين والاحتفاظ بهما هو اعتزاز بالصداقة ، لم يرغب الصديق ناجح ، إعادة النص لي ،وبناء على إصراري قال : استنسخه لك ، ثم تنازل متفضلا واستنسخه له وأعطاني الأصل.
فجزيل شكري وامتناني له ، وأرجو أن يجد القارئ الكريم ما هو مفيد بالمغزى والنص معاً ...

" هُمْ ويبقى الحب علامة "
صدرت عن منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1975 رواية محي الدين زنكنه " هُم ْويبقى الحب علامة " .
ترتكز الرواية على قطبين أساسيين هما محور الصراع : يوسف المثقف الثوري و" هُمْ " قوى الشر المحاصرة والمطاردة نفسيا واجتماعيا .

ويوسف صاحب قضية تجذرت في أعماقه فشكلت تكوينه النفسي والاجتماعي متمثلة بزوجته " سناء " ولكنـ "هُمْ " يريدونه أن يترك قضيته ويوقع على ورقة بيضاء، يعرف ماذا تعني ، وحين يرفض تبدأ المطاردة المستمرة في كل مكان ، أول الأمر اعتبر المسألة مجرد نكتة وان احد "هُمْ" ليس بمقدوره أن يمسه لان " الإنسان تحميه القوانين والأنظمة والعدالة " .

ويتعرف على عاملة مطعم سّماها الكاتب " رؤيا " لتكون رمزا (لرؤية جديدة ) في التفكير وكرمز لكل الأفكار اليسارية المتطرفة المطروحة في ذلك الوقت ورغم مثالية الطرح ـ امرأة تمردت على عائلتها ، هجرت قريتها لتعمل عامله مطعم ترتدي بنطلون وتحمل مسدسا وتقرأ كتاب حرب العصابات ـ استطاعت أن تؤثر بيوسف فتشطره نصفين أفكاره معها وعواطفه مع "سناء " الموقف الصائب في الرواية والتي تمتلك الرؤيا الواضحة بواسطتها حددت هوية "رؤيا " الفوضوية .

وحين ينجر يوسف لذلك المنزلق الذي رسمته له " رؤيا " ووجد في الواقع السياسي السيئ ما يغذيه ويشبع ثورته ، تقف " سناء " بوجهه محاولة إقناعه بأن " الكلمة دوما أقوى من الطلقة " .

إن شخصية يوسف في ظل تمزقها لا تبتعد عن مساريها : السلبي كونها لم تفهم طبيعة المرحلة وطبيعة عدوها فتطيرت لدرجة غير طبيعية ، والايجابي حيث يظل يوسف مخلصا لقضيته وإن انتهج طريقا خاطئا فهو مستعد للموت لا من اجل طموح ذاتي أنما من اجل جيل جديد متمثلا بالمولود الذي لم يأت بعد .

" يا سناء لابد أن نعمل على قهر الخوف من عالمه " ( يقصد المولود الجديد ) فكان يسبح في بحر الموت ولكنه لا يفعل ذلك حبا في السباحة ـ كما يقول ـ : " لان بحر الموت هذا قد بات الطريق الوحيد إلى شاطئ الحياة ... وينبغي أن نجتازه " وللموت في نظره معنى واحد بعيدا عن كل التفسيرات وكل المفاهيم الفلسفية الموت بالنسبة ليوسف هو الابتعاد عن قضيته " نفي أبدي عن دنيا سناء " .

وحين تحدثه " أم وليد " صاحبة المنزل الذي يسكن فيه عن اغتيال زوجها " أبو وليد " من قبلـ "همْ " لتأكد له حقيقة مهمة هي أن القهر الاجتماعي ظاهرة قديمة مرتبطة بوجود المجتمعات الطبقية ، إلا أن القصة تغرس في نفسه إحساسا مكثفا بالخوف من الموت ، رغم إدراكه بأن قضيتها كانت البداية لقضية كبرى سيواصل النضال من اجلها فيقول في نفسه " لا تبالي ، سأنتقم منهم بأن أهيئ لزوجتي كل أسباب السعادة ".
ويستمر الصراع حتى نهاية الرواية ، يوسف متمسك بقضيته ، يرفض الموت كما يرفض التسليم ، ولكنـ "همْ "حين تعجز كل سبلهم يضعوه في صندوق ثم يأخذه التيار بعيدا .

والكاتب ـ هنا ـ ذكي جدا ، إذ استفاد من الموروث الديني وقصة موسى والتي جعل منها معادلا موضوعيا لتجربته وأهمية هذه الاستفادة تكمن في جعل النهاية سائبة تاركا للقارئ فرصة التفكير والربط بين القصتين : قصة موسى الذي أصبح نبيا ً ، ويوسف ـ وان مات ـ إلا أن امتداده سيكون منقذا ليس كما أراد لهما الأعداء .

اعتمدت الرواية ـ من الناحية الفنية ـ على ثلاث دعائم أساسية الحوار والحوار الداخلي والفنتازيا ، فعبر حوار داخلي طويل استطاع محي الدين زنكنه أن يكشف ـ وبلغة مكثفة ـ عن شخصيته الرئيسية " يوسف " وينقل لنا كل دواخله وخاصة إحساسه بالخوف والمطاردة .

وليس صعبا على محي الدين زنكنه بعد خبرته وممارسته المسرحية الناجحة أن يمتلك القدرة على تصعيد الحوار بجمل قصيرة مؤثرة ليوصل لنا الحدث دون تكلف أو إقحام .

واستخدامه للفنتازيا أغنت الحدث وركزته وجعلته يبتعد كثيرا عن المباشرة الفجة وخاصة فيما يخص الغول ، حيث جعل " يوسف " يرى عدوه الطبقي غولا كثيف الشعر يلاحقه في كل مكان بصور مختلفة استند الكاتب في تصوره هذا على مقولة علمية لدارون والتي أفاد "انجلز" منها في مقالته المشهورة . " دور العمل في تحويل القرد إلى إنسان " فجاء الاستخدام منسجما ومقنعا في نفس الوقت .وتبقى مسألة أخيرة تتعلق بالصفحتين الأخيرتين ، أرى لو أن الكاتب أنهى روايته عند الصفحة (253 ) والتي أشرت إليها لكانت نهاية رائعة .








 

 

free web counter