| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عزيز العراقي
zizi.iraqi@yahoo.com

 

 

 

                                                                                    السبت 16/4/ 2011



بين الشهداء والبازار السياسي

عزيز العراقي

أنبل الأشياء وأعرقها , تحولت في زمن صدام إلى مماسح يجري الترويج لها عند كل منعطف عنيف , لإخفاء ملامح الجريمة , وحجم الدماء التي سفكت . ومن اكبر المهازل التي صنّعها وأصبحت وسيلة للتكسب عند الكثير من البسطاء , هي كلمة الحق التي أراد بها الباطل " الشهداء أكرم منا جميعا " , واخذ يدفع لأهالي المنكوبين الذين لم يتكرموا بالشهادة , بل ماتوا في مقابلة الجيش الإيراني خوفا من رصاص مفارز الموت التي زرعها صدام عند خلفيات ساحات المعارك , لتعدمهم , ان هم تركوا مواجهة الموت , والتي عندها سيكتب على تابوته " جبان " وتحرم عائلته وأطفاله من التقاعد وإكرامية صدام السخية .

كان صدام يدرك ان العوائل المنكوبة بسبب إدارته الفاشلة وحروبه الدموية يجب تعويضها , وبالنسبة له ولكل من فقد الضمير فأن كل شئ يمكن ان يشترى , وتمكن من ان يجعل الموت المجاني المسمى ( شهادة ) , مهنة تتكسب من خلالها بعض العوائل الفقيرة . وكلنا نتذكر التعليقات الساخرة مثل المرأة التي حسدت جارتها عند استشهاد ابنها الأخير : ما شاء الله صاروا تلاثة , راح تاخذ سيارة كوستر , مثل حالي , واحد ما استشهد وأربعتهم بالجبهة . ولا احد يعتب على صدام عندما مسخ مفهوم الشهادة , والتي تعني " أنا أضحي بحياتي في سبيل تحقيق المبادئ الإنسانية التي أؤمن بها وعلى رؤوس الشهود " . وحوله الى عمل تدفع أجوره لأهله وذويه بعد إنجازه , وهذا ما غذى الروح الحيوانية في التكسب لدى البعض من العراقيين .

هذا الامتهان للشهادة ولروح الإنسان, مفهوم في قاموس الانحطاط الأخلاقي للبعث , وهو , لا يشكل القيمة الاستثنائية للبطولة التي يمتلكها الشهيد الذي يقاوم النظام الغاشم , سواء كانت الشهادة حكم بالإعدام , او تحت التعذيب , او مواجهة عسكرية ... الخ . والمشكلة الآن هي ان الكثير من القياديين في الأحزاب الدينية المتنفذة في السلطة , تحاول الاستمرار في تفريغ مفهوم الشهادة الحقيقية من محتواها البطولي المقاوم للظلم , والذي يجب ان يشرّع بقانون من البرلمان يمجّد بطولة هؤلاء الشهداء بشكل رمزي موحد في وطنيته , وينقذ كرامة الشهادة الحقيقية من مزايدات المتاجرة, مثل بقية الشعوب التي تحررت من السلطات الغاشمة . وليس بشراء ذمم عوائل الشهداء وكل حزب يجود بالعطايا لعوائل منتسبيه دون العراقيين الآخرين .

لا احد يرفض تعويض العوائل المنكوبة بشهدائها من ان تمنح تعويضات إنسانية , مثل السكن , وتأمينات اقتصادية , واجتماعية , وصحية , تعوضها النقص والحرمان باستشهاد معيلها , وليس بامتهان التعويض والانحدار به لطالب نجح بالكاد من الثانوية , وعلى حافة معدل الخمسين , بالقبول في الكلية الطبية او الهندسة لكونه ابن شهيد ومن حزب متنفذ, ولا يقبل الطالب المجد الذي حصل على المعدل الذي يؤهله الدخول في الطبية . ولا اقصد الغش الذي يمارس في شراء الأسئلة لدى البعض من المتنفذين لأبنائهم مثلما كان يحدث في زمن صدام .

اتصل بي عامر وهو احد أقربائي واخبرني : بأنه سيحصل على عمل في التدريس . وسألته كيف ؟! وانا اعرف ان معدله في التخرج من قسم التاريخ كلية الآداب كان ضعيف , وهو يكرر بيأس لازم الكل يتعينون حتى يعينوني . اجابني بفرح : ان وزارة التربية قررت استثناء ذوي الشهداء من شروط ضوابط التعيين . ووجدت هذا الخبر منشور في صحيفة " الصباح " يوم 20110413 كتصريح للناطق الإعلامي باسم الوزارة وليد حسين .

لا أريد أن أطيل , ولكن , عندما كنت لا أزال مهجرا في إيران عام 2001 أي قبل عامين من سقوط البعث , عرفت ان عامر وأخيه عمار سجلا شريط لوالدهم المدرس عادل محمود وهو يسب صدام , وسلماه إلى مسئولهم البعثي . اعتقل والدهم في ذات اليوم , ليسلم بعد أربعة أيام جثة لهم . وعلى اثر مأثرة عامر هذه , تم قبوله في الجامعة , حيث كان معدله لا يسمح بذلك . وبعد عودتي للعراق بعد إزاحة صدام , وجدت عامر وعمار يعملان في مقر احد الأحزاب الشيعية , وقد أبديا استعدادهما لمساعدتي في الحصول على حقوق أخي الشهيد الذي كان ينتمي الى نفس الحزب , واخبراني بأنهم حصلوا على جميع الحقوق والتعويضات التي منحت لعوائل شهداء الحزب نتيجة استشهاد والدهم . اليتيم عامر كاد ان يطير من الفرح عندما عرف بخبر تعيينه , ومما لاشك فيه ان عامر سيدعو الله عز وجل ان يوفق وينصر السيد وزير التربية على هذا الإنجاز الذي تجاوز به سلطة البرلمان وسلطة رئيس الوزراء , ووفر الاستحقاق لليتيم عامر .
 

 

 

free web counter