|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  3  / 6 / 2015                                 علي محمد                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 


 

لقاء مع النصيرة أم نصار

لقاء وإعداد
علي محمد / ابو سعد إعلام

رغم أن العديد من الأنصار سجلوا بعضاً من ذكرياتهم ولكن النقص الكبير في كتابات النصيرات. وماعدا المقابلة التي أجريتها مع النصيرة أم طريق والتي سبق ونشرت في صفحة الطريق لم تحفز تلك المادة نصيرات أخريات إلى تسجيل تجربتهن.
عبر التلفون استطعت أن أعمل حواراً مع النصيرة أم نصار (ابتسام كاظم) ولأننا عملنا في بهدينان سهل أمر تحفيز ذاكرتها.

البداية ؟ نبذة أو مقدمة عن ظروفك في بغداد حيث تسكنين؟
- في أواخر السبعينات من القرن الماضي تصاعدت متابعة وملاحقة السلطة البعثية للشيوعيين وعموم الوطنيين الديمقراطيين الذين رفضوا الانتماء لحزب البعث، وأخذت المضايقات تزداد شدة مع كل يوم جديد، ومن بينها الاعتقال والخطف والاغتيال وتلفيق التهم ..الخ وقد شملت تلك الإجراءات بيتنا إذ كان والدي من الشيوعيين المعروفين. وقد تكللت ملاحقاتهم ومضايقاتهم له بالقدوم بمفرزة من الأمن لاعتقاله. وحين خرج من الدار وركب سيارته داهمته المفرزة وأخذت تجرجره إلى سيارتهم. كنت حينها طالبة في إعدادية التجارة. خرجت مسرعة من البيت ورحت أصرخ منادية الجيران والمارة بأن الأمن يخطفون والدي وحاولوا إسكاتي ولم يفلحوا. ولكنهم في نهاية المطاف اعتقلوه.

أطلق سراحه بعد بضعة أيام مع تهديد بأنهم سينتقمون مني على ما فعلت بهم. طلب والدي مني الإسراع بالانتقال إلى بيت خالتي، حتى أني نقلت نفسي إلى الثانوية القريبة من سكني الجديد. وبعد التمادي بالملاحقة والتهديد غيرت العائلة أيضاً محل سكناها في حي العامل إلى حي الخضراء في بغداد.

طلب مني والدي مغادرة العراق صوب سوريا وكان أبو نصار قد سبقني إليها وكنا مخطوبين وتم بيننا عقد قران ولم تتح لنا الظروف الصعبة والملاحقة من إتمام مراسيم الزواج إذ كان أبو نصار يؤدي الخدمة العسكرية حينما أخذت الجهات الأمنية بالتحرك عليه. ولو أثبتت عليه تهمة الانتماء إلى أي حزب سياسي غير حزب البعث فستكون عقوبته الإعدام لأنه عسكري.

أما والدي فغادر إلى بلغاريا قبل سفري إلى الشام. حتى بعد مغادرتي وكذلك والدي لم تتوقف ملاحقات السلطة لباقي أفراد العائلة وتعرضوا إلى أذي وضرر كبير من جراء الاعتقالات والتعذيب.

وتسترسل إبتسام كاظم في سرد ذكرياتها بعد أن اعتبرت أن بقاءها في العراق صار صعباً.

كيف تدبرت أمرك في دمشق؟

دمشق – بيروت
- نزلنا في فندق أوغاريت في دمشق عام 1979. وتم الاتصال بنا عن طريق الرفيق أبو صفاء. وبعد بضعة أيام تم تزويدنا بهويات تابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وبواسطتها سافرنا إلى بيروت عبر الطريق العسكري.

في البدء كان التدريب العسكري مقتصراً على الرفاق دون شمول الرفيقات به وكذلك الذهاب إلى كردستان مقتصر عليهم أيضاً.

كان عددنا 16 رفيقة أذكر منهن: عشتار، ليلى رش، دروﮒ، أم ثابت، بدور، تانيا، أم ازدهار، أم هيفاء... .

بعد ذلك قدم 8-10 رفيقات مقترحاً للقيادة أن يشمل الرفيقات التدريب العسكري أيضاً وتم اللقاء بالرفيق أبو نبيل لمناقشة المقترح والتأكيد على استعدادنا لمصاحبة أزواجنا إلى كردستان.

وفعلاً تم تدريب أغلب الرفيقات على مختلف الأسلحة، ولم يتسن لي التدريب معهن.

لم يكن لدينا أي تصور واضح عن المكان الذي سنصل إليه ولا عن شكل الحياة التي تنتظرنا ولا عن المهام التي ستوكل إلينا أو التي سنقوم بها. كان لدي تصور أن عملنا سيكون في مدننا أو بالقرب منها، وهو أفضل بالمقارنة مع وجودنا في بيروت والمشاكل والمصاعب التي كانت تحيط بنا.

لننتقل إلى الرحلة صوب كردستان، ماذا تتذكرين منها؟

نحو الوطن
- بعد مضي شهرين في لبنان جري تبليغنا بالتهيؤ للسفر إلى دمشق ومنها إلى القامشلي. بعد ثلاثة أيام من وصولنا إلى دمشق تحركنا إلى القامشلي وجرى توزيعنا على بيوت رفاقنا السوريين. أمضينا شهر ونصف من الانتظار قبل تحركنا صوب تركيا مستخدمين جوازاتنا العراقية بعد حصولنا على الفيزا التركية حين كنا في دمشق.لم تكن الرحلة إلى العراق سهلة رغم أننا قد استخدمنا السيارات للوصول إلى القرى الحدودية القريبة من العراق والتي لدى رفاقنا منافذ دخول بالتعاون مع أحد الأحزاب الكردية – التركية. كانت المفرزة تضم إلى جانب الرفاق أكثر من عشرة رفيقات أذكر منهن: دروﮒ، تانيا، أم هيفاء، أم أمجد، أم فاتن، ليلى رش، أم منار، أم بسيم، عشتار، سلوى الحسني، وأنا. ولكن أبو نصار يؤكد بأن عددنا كان 16 رفيقة.

من التوجيهات التي قدمت لنا في دمشق والقامشلي بأن لا نترك شعرنا طويلاً سائباً فقصصناه ليبدو أقرب إلى شعر الرجال.
بعد مسير صعب لثلاثة أيام، بتنا ليليتين في قريتين كرديتين في تركيا.

ومع هذا العدد من النصيرات، وصلنا إلى شكفتة (مغارة) أبو حربي ونحن في أوج حالة التعب والإرهاق. و شكفتة أبو حربي محطة وسطية تقع قرب الحدود العراقية. والتقينا هناك بالرفاق أبو وسن وأبو هدى وأبو خولة..

أمضينا في تلك المنطقة المعزولة عن العالم ربما أسبوع من الراحة واستعادة القوى.

عند المساء غادرنا شكفتة أبو حربي وبدأنا نجتاز بعض الجبال والوديان حتى صباح اليوم التالي. وبعد مسير صباحي قصير صار مسيرنا في ما يشبه المنبسط أو منطقة متموجة فاجئنا رفاق مفرزة الطريق بأننا قد صرنا على التراب العراقي. تباينت مشاعرنا وقد انتابني حينها هاجس بين الفرح والحزن، رغم أن الحس الوطني كان عالياً لدى الجميع. كانت تلك البقعة التي دخلنا الحدود منها أرض جرداء ومقفرة. ولكن لم أفقد الأمل في الوصول إلى مناطق قريبة من المدن أو القرى العراقية.

لم تحتفظ الذاكرة بالكثير من الأمور التي تصف الرحلة بتفصيلاتها سوى التعب الشديد والعطش والجوع. ولكن حينما أخبرنا الرفيق أبو وسن بأننا سنصل في غضون نصف ساعة إلى مقر الحزب انبرى له أحد الرفاق وراح يطلب منه أن يقسم لهم بالمقدسات بأن تلك المعلومة صحيحة لا مثل المرات السابقة! فأقسم له أبو وسن بذلك وكان صادقاً.

بعد وصولكِ إلى أول مقر، كيف كانت مشاعرك؟

يك ماله
- أخبرنا قادة المفرزة بأننا سنصل إلى أول مقرات الحزب والمدعو"يك ماله". وكأنها كلمات سحرية فقد أزاحت عنا التعب والعطش. وكانت توصيات المفرزة لنا حينما وصلنا قرب مصدر ماء: "رفاق رتبوا ملابسكم لأننا على وشك الوصول إلى مقر الحزب. السير اثنين اثنين سوية ومسافات منتظمة ومشية لا تظهر أنكم تعبانين. نريد أن يكون الانطباع لديهم جيد".

نفذنا الأوامر بشيء من المبالغة في إخفاء مظاهر التعب. وصلنا إلى منطقة موازية لنهر صغير وصار المسير على أرض سهلة.
أحد رفاق مفرزة الطريق كان قد سبقنا ليبلغ الرفاق في مقر يك ماله. وحين وصلنا كان الجميع بانتظارنا وجلجل صوت أبو كريم من بعديد:"رفاق! وصلن البلابل!" وضج الطرفان بالضحك على هذا التعليق الساخر.

هل بقيتم في يك ماله؟

وادي كوماته
- بعد استراحة قصيرة جداً طلب منا الاستعداد للتحرك صوب المقر الرئيسي في ﮔﻠﻲ كوماته كما عرفنا أسمه فيما بعد.

ضج البعض بالتذمر وطلبوا البقاء في يك ماله ولكن كانت التوجيهات ملزمة وربما تم الإبقاء على بعض الرفاق الذين هدهم التعب بشكل كبير.

كان مقر يك ماله عبارة عن غرفتين تم تسقيف واحدة منهما ومطبخ وحمام، ولا يوجد مكان للمبيت فيها إذا أن الغرفة صغيرة.
تحركنا باتجاه الوادي ومررنا على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني المتقدم ثم بدأنا بعبور النهر الصغير فوق الصخور وبعض الأغصان لينتقل مسيرنا بمحاذاة النهر الذي يشكل الحدود مع تركيا.

كنا نسير في الأرض التركية على منطقة صخرية وعرة اجتزناها بصعوبة خاصة وأن التعب قد أنهكنا بشكل كبير.

بعد ساعة ونصف من المسير بانت إحدى بنايات المقر وشاهدنا الأنصار وهم يحيوننا على الجانب الثاني من النهر. عبرنا على جسر مؤلف من جذعين ربطا ببعضهما والماء يهدر من تحتنا.

في المساء جرى ترتيب نومنا في الجزء البعيد عن الباب وكان النوم فيها على شكل مسطرين متقابلين وجُعلت النصيرات عند جهة الجدار والحاجز كان من الرفاق المتزوجين.

في مساء اليوم الثاني عمل الأنصار حفلة غنائية لنا أنستنا التعب الذي بدأ يضمحل بعد الاستراحة والنوم على فراش، وكان عبارة عن بطانية مطوية ثلاث طيات لتصبح كما الدوشك. أذكر منهم: أبو طالب، أبو حسنة، سامي درﻳﮋه، أبو مازن، كما حضرها مسؤولا القاطع آنذاك الرفيقان أبو يوسف وأبو على.

لم تكن مجموعتنا تمثل أول النصيرات ،بل سبقتنا إلى مقر كوماته النصيرتان أم صباح وأم عصام.وأول نصيرة نزلت في مفرزة كانت أم منار نزلت في مفرزة بقيادة النصير أبو شروق (ملازم شاكر) وكانت النية أن تذهب إلى الداخل للعمل الحزبي، وتأجل ذلك لعدم توفر الإمكانية المؤمنة.
في اليوم الرابع أدخل بعضنا إلى جدول الخدمات وكانت مهمتي الأولى هي مساعد خباز.

هل بقيتم طيلة الفترة في قاعة الأنصار؟

غرفة للنصيرات
- استمرت الأمور بشكل طبيعي ولا زلنا ننام مع الأنصار في قاعة واحدة. ورغم أن جو الاحترام كان متوفراً، ولكن لنا بعض الخصوصيات، طالبنا بقاعة خاصة بنا. كان الأنصار الذين قدموا قبلنا قد أنهكهم البناء ولم نلق تجاوباً، ولكننا طرحنا فكرة أن نساهم نحن جميعاً في أمور البناء بلا استثناء. كانت مرحلة البناء تجربة شاقة فعلاً. فجلب الحجر الصالح للبناء من مناطق ليست قريبة من الموقع وكذلك جذوع الأشجار والأغصان. الأمر الذي عزز من معنوياتنا بأنه ستكون لنا قاعتنا الخاصة. وفعلاً تحقق ذلك. وتم تشكيل فصيل من حضيرتين بإمرة النصيرة تانيا. وبدأنا نأخذ بعض الاستقلالية كمثل: عمل حراسات ليلية مستقلة وكذلك نحن من يختار النصيرات للأمور اليومية بعدما يجرى إبلاغنا عن العدد المطلوب منا. ولأني لم أدخل إلى دورة التدريب على السلاح مع النصيرات، كانت خبرتي العسكرية محدودة جداً، سوى تفكيك البندقية وتنظيفها وتزييتها. لم يتسن لي التدريب على الرماية بعد وصولنا لأنه لا توجد دورات تدريب في المقر. كانت الحراسة في المساء. حراستنا قرب قاعة النصيرات وحراسة الأنصار قرب مجرى النهر لمتابعة الطريق في الجانب الأخر حيث الممر الواصل إلى فصيل الإدارة التابع لنا ومقرات الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكردستاني المطلة على نهر الخابور. كانت الحراسة ببندقية برنو.

ومن الأمور الإضافية التي قمت بها هي حلاقة الأنصار وصار اسمي للتندر بـ "جمعة الحلاق" وهو لقب منحني إياه الشهيد أبو غسان.

أنت ذكرت بأن مسؤلا المقر هما أبو يوسف وأبو علي، أين كان أبو جميل؟

وصول أبو جميل
- كنت قد سمعت عن الرفيق أبو جميل وشجاعته المميزة من أبي ولكني لم أستطع أن أرسم له صورة في مخيلتي. حين وصولنا إلى وادي كوماته كان الموقع يقاد من لجنة قوة مقر قاطع بهدينان وهم الرفاق: أبو يوسف، أبو جبار وأبو علي. كان الأنصار والنصيرات ممن لم يشاهدوا الرفيق أبو جميل ولكنهم سمعوا الكثير عنه من رفاقه في المقر. كنا في لهفة كبيرة للتعرف على ذلك البطل المقدام.

لم أتخيله أن يكون بهذه الهيبة والقوام الطويل والقيافة الرائعة، انبهرت بمظهرة وأعجبت بعد ذلك بتواضعه الكبير الذي يبديه إزاء الرفاق جميعاً دون تمييز. وبعد بضعة أيام من وصوله، اجتمع الرفيق أبو جميل بفصيل النصيرات من أجل معرفة احتياجاتنا. وطرحنا عليه رغبتنا واستعدادنا للمشاركة في المفارز.بعد بضعة أسابيع التقى بنا الرفيق أبو جميل مرة أخرى وأخبرنا بأن نستعد للمشاركة ضمن المفرزة التي سيخرج بها إلى المنطقة. كانت فرحتنا كبيرة ونحن سنخوض تلك التجربة التي تختلف عن المفرزة التي قدمنا بها من تركيا إلى المقر، سنكون في مواجهة مع وضع جديد يتضمن شتى أنواع المخاطر والمصاعب وسنمتحن قدرتنا وإمكانياتنا بشكل آخر.

هل بقيتي في المقر طيلة تلك الفترة؟

المفرزة الأولى
- بعد فترة وصل الرفيق أبو جميل لقيادة القاطع وفي أواخر الصيف تقرر تشكيل مفرزة للتجول في المناطق الواقعة بين جبلي متين وﮔﺎره وتم إبلاغ معظم النصيرات بالتهيؤ للانضمام إليها.

رغم استعدادي الكامل للمشاركة إلا أنني خشيت من أن لا أستطيع، ربما، تحمل مشاق السير كما لم تكن لدي ولدى أغلب النصيرات أي فكرة عما ستواجهنا من مصاعب ومخاطر ومعوقات، وهو هاجس طبيعي فيه تحد غير سهل.وتشكلت المفرزة من الأنصار: أبو جميل، أبو يعقوب، أبو مشتاق، أبو هديل، أبو نادر، أبو طالب، أبو سامر، أبو شاكر السمين، أبو أنيس، أبو جهاد، أبو إيمان، ناهل، أبو لينا فصيل، أحمد قلاو، أبو نصار، أبو عمار، أبو وحيدة. ومن النصيرات: أم عصام، أم أمجد، تانيا، عشتار، سلوى الحسني، فاتن، ليلى رش، أم هيفاء، دروﮒ وأم نصار.

منذ الصباح لبسنا ملابس البشمركة النظامية مع كامل القيافة العسكرية وتحركنا صوب يك ماله ومنها صعدنا سلسلة جبلية لنعبر من خلالها المنطقة المحرمة التي هجرت السلطة قراها ومنعت الناس من التحرك ضمنها بإقامة عدد من المواقع العسكرية والربايا. كان توجه المفرزة الوصول إلى قرى منطقة البرواري.

كانت المفرزة خطوة مهمة بالنسبة لنا رغم أنها لم تكن ذات مهام قتالية، بل استطلاعية إعلامية. كانت مساهمتنا مفيدة في القرى المسيحية أو في بعض البيوت التي يتكلم أهلها العربية وأم عصام تجيد اللغة الكردية وهي التي تشرح للقرويين والقرويات دورنا ومهامنا النضالية وسياسة الحزب في الكفاح المسلح ضد السلطة الصدّامية. وفي القرى المسيحية كانت هي وأم أمجد ينشطان بالحديث مع أهلها باللغة الآشورية. تعرفنا على طبيعة المنطقة وعلى أسلوب الحياة ولمسنا تعاطف أغلب الناس معنا، رغم وجود بعض الذين لم تعجبهم فكرة وجود نصيرات ضمن الحركة المسلحة.

بعد بضعة أيام التقينا بالمفرزة التي كانت بقيادة الرفيق أبو شروق (ملازم شاكر) عند أطلال قرية مهجرة، وصار تجوالنا مشتركاً.

أهم المشاكل التي صادفتنا؛ عدم مقدرة بعض النصيرات البدنية على المسير الطويل حينما يكون المسير في أماكن مناطق وعرة أو ذات انحدار حاد، والأمر الثاني هو عدم معرفتنا للغة الكردية وثالثاً محدودية خبرتنا العسكرية والتثقيفية، وأخيراً عدم توفر حمامات في معظم القرى، ولكننا كنا في بعض الأحيان نستعير قدراً أو صفيحة من القرى ونذهب إلى مكان بعيد للاستحمام وغسل الملابس، إضافة إلى إشكالات المرأة البيولوجية. ولكننا تعلمنا الكثير من تلك التجربة التي مهدها لنا الرفيق أبو جميل بذكائه المعهود. دام تجوالنا أكثر من شهر وعدنا إلى مقر ﮔﻠﻲ كوماته بعد أن التحق بعض الأنصار بالمفرزة القتالية.

هل كانت تلك المفرزة الوحيد التي شاركت فيها؟

مفرزة زاخو
- بعد فترة انسحب النصير أبو نصار من المفرزة التي يقودها النصير أبو شروق، وعاد إلى المقر. ولم يمضِ وقت طويل حتى التقانا الرفيق أبو جميل مع أم طريق وأبو طريق ليخبرنا بالاستعداد للالتحاق بمفرزة زاخو.

رحبنا بالقرار على الفور وشعرت بزهو كبير لاختياري للعمل ضمن مفرزة قتالية لها سمعة جيدة من خلال العمليات الجريئة التي نفذتها.

تحركت المفرزة بقيادة الرفيق أبو برافدا الذي كان قد جاء ببريد المفرزة إلى مقر القاطع. وفي اليوم الثالث التقينا مع المفرزة وصار تنسيبنا إلى الحظائر.

في بداية التحاقنا بالمفرزة كانت بقيادة النصير أبو محمود ثم بعد فترة استلم قيادتها النصير أبو هدى.

كانت المفرزة في تنسيق دائم مع مفارز الحزب الديمقراطي الكردستاني للقيام بالعمليات العسكرية. ومنها عملية ضرب واقتحام قرية "كُريمه" التابعة للجحوش بقيادة مختارها "عزو" والتي جرح فيها نصير من بيشمه رﮔﺔ الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) وتم أسر عدد من الجحوش بعد هرب عزو ومساعديه. وكانت العملية مشتركة مع مفرزتين من (حدك) وهما مفرزة "محو ﮔﻮده" و" صادق عمر".

وبعد بضعة أيام قررت المفارز الثلاث ضرب واقتحام ربيئة " دركار عجم" والتي تقع قرب مقر لواء باطوفة ويربطها بزاخو طريق معبد. وبمقترح من صادق عمر تمت الموافقة على إشراك النصيرتين الموجودتين ضمن مفرزتنا: أنا و أم طريق. وتم وضعنا في الكمينين المتصديين للتقدم الذي قد يحصل من جهة لواء باطوفة أو من معسكر زاخو. ومن الصدف أن يأتي التقدم بعدما بدأت العملية العسكرية من الجانب الذي كنت متحصنة فيه مع عدد من الأنصار والبيشمه رﮔﺔ وبدأنا التصدى للتقدم وأوقفناه. وكانت القذائف المضادة تقع في أماكن قريبة منا ولكننا واصلنا إطلاق النار غير عابئين بها كثيراً، لأن مكاننا كان حصيناً نوعاً ما.

لم تستطع القوة المهاجمة أن تتقدم لاحتلال الربيئة لشدة المقاومة ولاشتراك المواقع القريبة بإطلاق القذائف صوبنا. انسحبت القوة عند الغروب دون خسائر من جانبنا.

كانت تجربة فريدة بالنسبة لي ولأم طريق لنمتحن مقدرتنا على خوض العمل العسكري بشكل جيد. وقد انتشر خبر مشاركتنا في تلك العملية بين القرى القريبة مما ساهم بنقلة تقديرية لنا، خاصة بين النساء. حتى أن صادق عمر آمر إحدى مفرزتي الحزب الديمقراطي الكردستاني قام بتأنيب بعض البيشمه رﮔﺔ الذي انسحبوا من المعركة بعد اشتداد القصف مستشهداً بموقفنا الشجاع حتى اللحظات الأخيرة من الانسحاب.

لم يكن تجولنا في المنطقة يخلو من المصاعب والمعوقات ولكنها لم تكن عقبة أمام استمرارنا في العمل ضمن المفرزة فهو عبارة عن حياة متجددة لا رتابة فيها وتمتاز بالاستعداد الدائم لمختلف المخاطر.

بعد مرور هذا العدد من السنوات على تلك الأحداث لم يبق في الذاكرة الشيء الكثير عن الفترة التي أمضيتها وأبو نصار في تلك المفرزة التي أكن لأنصارها كل التقدير والاحترام.وبعد مرور تلك العقود من السنين بدأت الذاكرة تحذف الكثير من أوراق ذلك الزمن المزدحم بالأحداث. أملي كبير بالنصيرات الأخريات بالكتابة عن تجربتهن لإكمال الصورة
 


 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter