| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الخالدي

 

 

 

                                                                  الأثنين 4/2/ 2013



عفوية الجماهير, و بؤس القادة

د. علي الخالدي  

العفوية, هو أن يحدث نشاط بدون تخطيط وتفكير, لا يُقصد منه إيذاء أحد , و عندما يحدث, و يشعر القائم به أنه قد عكر صفو أحد, حتى يٌبادر الى القول عفوا للدلالة على عدم القصد . وهي صفة يتصف بها البعض من الناس , وتدل على البساطة بعيدا عن التصنع , وهي لا تعني كما يتصور البعض السذاجة وعدم معرفة ما يقال. فالعفوية صفة حميدة لا يعرف صاحبها اللف والدوران , وكثيرا ما تستعمل في علم اﻷجتماع والسياسة, كتعبير عفوية الجماهير, هذه الظاهرة التي تسطع في التظاهر, ﻷنها تستقطب الجماهير, بشكل عفوي للمطالبة, بتحقيق مطالب محدودة, أو مصالح عامة تهم فردا أو مجموعة من الناس. عند تواصل اﻷزمات , السياسية وأﻹقتصادية,  تتحول العفوية من الوعي الفردي الى وعي جماعي جماهيري, إلا أنها تكون دائما مرنة قابلة للسكينة, عندما تنتهي شحنات التعصب, أو حالما يتراجع ذوي الشأن ويستجيبوا للمطاليب, برضى أو مجبرين. قد يلازم ذلك, تعنت, بعدم أستجابة ذوي الشأن للمطاليب, بسبب الغطرسة, و التعالي, أو تأخذهم العزة باﻹثم فيتجاهلوا, القوة التي تُكونها الجماهير في لحظة تظاهرها, َو ربما تُنعت بصفات غريبة عن أخلاقيات القائمين بها, متناسين أن هذا التظاهر أو إضراب الشغيلة هو نوع من ممارسة حق طبيعي, كفله دستور اﻷنظمة الديمقراطية للمطالبة بحقوق هضمت, أو تقويم مسارات و وعود أنتهكت. يدعون عبر التظاهر لتحقيقها, بما يُقَوم النظام و يصب في صالح الجماهير, وخاصة, عندما يصل الوضع الى مرحلة اليَزي قَهر , فتتسع الساحة ﻷستقبال المئات من الناس المعنين باﻷصلاح.

قد يُقابل تظاهرهم السلمي بالقوة المفرطة, و تأمر قوات اﻷمن, بتفريق التظاهر بإستعمال السلاح. ولنا في التراث النضالي لشعبنا صورعن هذا النوع من النضال المطلبي, ما بُعتز به كشواهد نيرة جرت في عهود سايقة, و بعضها قبل سنتين, في ساحة التحرير, و ما يجري حاليا ,وصلت لحد إراقة دماء المتظاهرين, كما حصل في وثبة كانون 1948 التي أحتفل بتخليدها الوطنيون, في السابع والعشرين من كانون الثاني , و أنتفاضة تشرين عام 1952التي تمرد الجيش فيها, ولم ينفذ أوامر إطلاق النار على المتظاهرين. (أتذكر صورة, لا زالت عالقة في ذهني ﻷخي, في مظاهرة النجف على سطح دبابة) من هنا إنطلق شعار عاش تضامن الجيش وَيَ الشعب, هذه المآثر التي حققت بها الجماهير إرادتها, و إنتصرت بعد إجبار النظام على التراجع عن مخططاته غير الوطنية

ما يثير اﻹستغراب ويحز في النفوس, أنه في ظل نظام ديمقراطي برلماني دستوري ,تقابل التظاهرات الجماهيرية بالتجاهل, و بنفس سيناريو العهود الرجعية والدكتاتورية, بعد وصفها بأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان, فتُستعمل القوة المفرطة لتفريقها, و يراق بها دماء المتظاهرين, كما حصل قبل سنتين في ساحة التحرير, و حاليا في عدة محافظات و بذات  السيناريو. وعلى الرغم, من كون شباب شباط قبل سنتين قد رفع مطاليب شعبية, لم يعبر سقفها  المعقول, كتوفير فرص عمل والحد من الفقر المتعاضم الذي نهش الطبقات الفقيرة, و محاربة لفساد, و نهب المال العام ,  إلا ان القائمين على الحكم مِن مَن أستحلى الكرسي, بفضل نهج المحاصصة الطائفية واﻷثنية, لم يصغوا , وصموا آذانهم عن سماع ناقوس الخطر الذي دقه الشباب , فلم يخطو أية خطوة باتجاه تلبية مطاليبهم العادلة و نصرة قضاياهم, لا, بل لوحق منظمي التظاهرات, و صفي أحد نُشطائها الشهيد هادي المهدي بكاتم الصوت, وانحسر النضال المطلبي, وإتخذ طابع المحدودية, فتوقفت عفوية الجماهير في التظاهر , بسبب اﻹنصراف للكد لتأمين الظروف المعاشية, في ظل البطالة, و إعادة إنتاج الذات. بينما أستغل القائمون على الحكم هذا الوضع , بنشر دعاية ووعود تضلل, و تغسل ادمغة  المتذمرين, وجرهم الى ما لا رغبة لهم فيه , و إستمر التمادي بسياسة السحق الطبقي, فإتسعت دائرة اﻷستغلال الذي أستشرس بحدة , فَصعد من حدة التمايز الطبقي, بين الطبقات اﻷجتماعية , مُؤديا الى حالة إفقار فئات واسعة من الجماهير , مُكَوننا معوقات أمام العيش الكريم, و التمتع بخيرات هذا الوطن الكثيرة والمتنوعة , والتي أحتكرت ﻷصحاب نهج الحكم ( المحاصصة الطائفية واﻷثنية ) طيلة عشر سنوات. و جاءت اﻷمطار ولا حقا الفياضنات فبانت على أثرها عورة هذا النهج المقيت فاندلعت المظاهرات الحالية, الغير بعيدة عن منطلقات تظاهرات ساحة التحرير, لكنها طُعمت بشعارات سياسية.

,لقد كان وراء اﻷستخفاف بعدالة المطاليب, وهم متأتي من التأييد الطائفي, المدعوم بالشعور الروحاني والمذهبي والقومي, للقائمين على الحكم, متناسين أن هذا لا يجتمع, مع الجوع والفقر المتفاقم و العوز في الخدمات, فلو عولجت مطاليب شباب شباط بالحكمة والتجاوب المرن لما وصلنا لما نحن عليه اﻷن, فالتسويف, وعدم أﻹستجابة السريعة لمطاليب الجماهير من قبل ذوِ الشأن (ولو مكرهين) اثبت أنهم يفتقرون الى الوعي, وقوة الشخصية كقادة سياسيين ,يتظاهرون بالديمقراطية وهم أستبداديو المسلك, فإتضحت سعة الهوة بين إدراكهم لقوة الحراك الشعبي من جهة, و  بين الناس من جهة ثانية. ومع هذا يطمحون الى تقديسهم.

أن الشعب من يصنع التاريخ تبعا للظروف الموضوعية, وأن القيادة الحكيمة لا تطهر عفويا بل من خلال تحقيق التحولات التي تصب في صالح الجماهير , ومن قوة التصدي للمشاريع التي تلحق الضرر بالوطن وبالشعب, عبرها فقط يحضو  القائد بشرف نيل الصفات الوطنية, هكذا تعلمنا من التاريخ (من صعد المشانق في العهود الرجعية, ومن أغتيل على ايدي البعث الفاشي عبد الكريم قاسم ورفاقه)  وكما حصل من وقائع قاسية مررنا بها (وقائع الدكتاتورية) , وما نمر به حاليا من أزمات و وقائع نهج المحاصصة الطائفية وأﻷتنية, التي جيرت إنجازات التغيير, لتعزيز وتقوية أسس النهج الطائفي, على حساب تجويع الجماهير, و تشويه الهوية الوطنية

free web counter