د. علي الخالدي
من وقف ضد ثورة تموز
من يجهض العملية السياسيةد. علي الخالدي
في صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958 هرعت جماهير شعبنا . وأحزابها الوطنية لشوارع مدن العراق كافة محتفلة بما انجزه الجيش العراقي من اسقاط النظام الملكي . واقامة النظام الجمهوري .معلنة عن تاييدها المطلق ومعبرة عن فرحتها بهذا الحدث الذي ارادت منه ان يمنحها الحرية ويضعها على طريق التقدم الاجتماعي . لقد كانت بهجة الجماهير وفرحتها مصحوبة بخوف عليها ومنذ ايامها الاولى , سيما وان القوات البريطانية قد انزلت في الاردن . مشجعتا من ضربت مصالحهم للقيام بما يفيد من الالتفاف حول الثورة وعرقلة مسيرتها التحررية , وبالاستفادة من الثغرات التي خلقتها التصرفات غير المقبولة من قبل بعض افراد الجيش باستعمال العنف , بحق رجال عهد ماقبل الثورة , انقيادا واستجابة لعفوية الجماهير غير المعنية بالظروف الذاتية والموضوعية التي كانت سائدة آنذاك , وبذلك تهيأت الفرص لتغذية النعرات الوصولية والرجعية القائمة على مبدأء فرق تسد . فرفعت شعارات تتناغم والقضايا القومية على حساب المصلحة الوطنية العليا التي كانت تتطلبها المراحل الاولى للثورة , ولان قيادة الثورة ابعدت في تشكيلة حكومتها قوى سياسية لعبت دورا هاما في تهيأة مزاج الشعب لحدث كهذا , متنكره لدورها في قيادة نضالاته المطلبية بالخروج من التبعية الاستعمارية سياسيا واقتصاديا ومن الاحلاف العسكرية , ومطالبتا بالخبز والعمل والحرية . واكراما لما عانته القوى الوطنية التقدمية من تنكيل وما قدمته من الشهداء في نضالها المطلبي هذا, التفت الجماهير الشعبية حول القوى الوطنية التقدمية معضدة مساعيها في حماية الثورة , غير مدركة من أن هذا سيثير حفيظة اعداء الثورة ومن يريد حرفها عن اهدافها الوطنية وتجييرها لصالح المد القومي العربي الذي اجتاح المنطقة آنذك. وبالنظر لمعرفة القوى الوطنية والتقدمية بما ستؤول اليه الامور في حالة لو انهم نصروا .وقفت بالضد من الانقسامات الداخلية , وسعت الى بذل كل ما من شأنه الابتعاد عن مايثير التجاذبات بين القوى السياسية من جهة وبين حركة الضباط الاحرار من الجهة الاخرى , خوفا من ان يستغل هذا من قبل دول الجوار , وذوي الاطماع ممن ضربت مصالحهم الثورة . وبالرغم من عدم وجود فساد وتزوير , وتخندق طائفي , استطاعت القوى المعادية ان تلتف حول الثورة مستغلة الافعال الكيدية التى كانت تقوم بها وترميها على القوى الوطنية لتخويف قادة الثورة مستغلتا الدعم والاسناد من دول الجوار , ومن دول بعيدة ضُربت مصالحها فهيأت قطارها لراكبي انقلات الثامن من شباط عام 1963 . تلى ذلك عدم استقرار الوضع السياسي في الوطن , منتهيا بدكتاتورية صدام التي سامت الشعب العراقي الويل من قمع وارهاب دموى وحروب طاحنة , بحيث هيأت مزاج اﻻعتماد على العامل الخارجي للتخلص من هذه الدكتاتورية البغيضة رغم المعرفة المسبقة بما ستؤول اليه الامور من كوارث ... وحصل التغيير بفعل العامل الخارجي , وخرج الشعب حالما بمردود تضحياته خلال الحقبة الدكتاتورية وما سبقها غير مصدقا بما يمارسه ولاول مرة في تاريخة بخوض انتخابات ديمقراطية , غير عابئا بخطورة الوضع الامني وفي ظل قانون انتخابات جائر سن بغفلة منه .
تمخضت هذه الانتخابات عن صعود كتل سياسية شكلت حكومة كان المفروض منها ان تمثل الطيف العراقي ومكوناته السياسية لا تحتكر السلطة بحجة الاستحقاق الانتخابي , مما ولد ردة فعل ووضع علامات استفهام عن مغزى هذا الاحتكار الذي ادى الى ادخال الوطن في ازمة سياسية لم تجد حلا لها لوقتنا هذا , وادت الى فتح ثغرات في النسيج الشعبي الوطني , تمخض عن فراغات سياسية , شجعت معادي التغيير من ازلام الدكتاتورية والقوى الظلامية , التي وجدت الابواب امامها مفتوحة بمساعدة المرتشين والفاسدين والمزويرين الذين عشعشوا في اجهزة الدولة بفضل سياسة المحاصصة التي انتهجتها الكتل السياسية الجائعة الى السلطة والمال غير آخذة بنظر الاعتبار ما كان يأمل منها الشعب من تحقيق ما كان يصبو اليه بعد التغيير , وبنفس الوقت قامت القوى الوطنية بالتحذير من عواقب انتهاج هكذا سياسة ومن مغبة اهمال تلبية حاجات الجماهير , ودعت الى رص الصفوف ونبذ التجاذبات والتسابق فيما بينها لتحقيق مصالح حزبية ضيقة على حساب مصالح الشعب التي يأمل ان تتحقق بعد التغير ويلمسها بالواقع لا بالوعود و نبهت الى مساوء تواصل تبني سياسة فرق تسد , مما خلق تربة خصبة لتنامي القوى المعادية للعملية السياسية والتي لا تريد ان يصب التغيير لصالح الشعب حفاضا على مصالحها , بتشجيع ودعم دول الجوار القريبة والبعيدة بحيث صورت النضال المطلبي الذي خاضه الشباب للمسؤولين ان هذا التحرك جاء بفعل اطراف تريد تأليب الشعب ضدها . بالضبط كما جرى من تخويف لمسؤولي ثورة تموز , فتصدوا لانصار الثورة وأرخوا الحبل للمعادين لها .
بينما لجأت حكومة المحاصصة الى الايعاز لاجهزتها الامنية للتصدي لمن تصب مصلحتهم باستقامة العملية السياسية وتعميق فسحة الديمقراطية الهشة , على ضوء تخويفها من ان خائضي النضال المطلبي في ساحة التحرير يتبنون الافكار الصدامية والقاعدة , حتى يبرر استعمال القوة ضدهم بما في ذلك استعمال السلاح الحي , مما ادى الى سقوط قتلى وجرحى في الخامس والعشرين من شباط الماضي , وهذا عمق الهوة بين الشعب والحكومة ,وجرى امعان في التنكر لمطاليبهم العادلة والمشروعة بالرغم من انحصار سقفها ضمن المعقول ,ولا زال التشنج تجاه تحرك الشباب في ايام الجمع قائم سيد الموقف ومبنيا على افعال كيدية تُنقل للمسؤولين من قبل من ستتضرر مصالحهم وتنكشف مآربهم ضد خائضي النضال المطلبي .
إن اتهام الشباب بتهم واهية يراد بها التغطية على مطاليبهم المشروعة والعادلة والتي تصب في الدوافع التي قام التغيير على اساسها , ويبدو ان انشغال الكتل بالحلول الترقيعية للازمة السياسية الراهنة هو هروب من الاستحقاق الشعبي المطالب باجراء انتخابات مبكرة تضع حدا لمعانات الفقراء وتنقذ العملية السياسية من التدهور وتبعد الوطن عن اعين الطامعين بخيراته من دول الجوار وبعكس ذلك يبقى الخوف مشروعا لدى جماهير الشعب من تستغل تلك القوى المعادية للتغيير ﻷجهاض كل المكتسبات التي جاء بها التغيير والعودة بالشعب الى المربع الاول