| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 8 / 12 / 2014 د. باسم سيفي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
سرقة شرعية في سوق الاوراق المالية
د. باسم سيفي
(موقع الناس)سوق الاوراق المالية هي اليوم من اهم المؤسسات في الاقتصاديات الحديثة حيث يتوجه اليها المدخرين لاستثمار اموالهم وجعلها تنمو وتحقق فائدة اكبر في المستقبل وأصحاب المشاريع الانتاجية والخدمية للحصول على الاموال اللازمة لتمويل توسعاتهم والمشاريع الجديدة التي يرون فيها جدوى اقتصادية وإمكانية لتحقيق ربح جيد وأفضل مما تعطيه فوائد البنك والأوراق المالية الحكومية كسندات الاقراض.
خلال العقود الماضية تنوعت الاوراق المالية بدرجة كبيرة ولكن مع ذلك لا تزال سوق اسهم الشركات وبدرجة اقل سوق سندات الاقراض الحكومية هي الاهم في معظم اقتصاديات العالم. وتجاهد حكومات العالم من وضع القوانين والتعليمات لمنع او تقليل التحايل واستغلال الاقوياء لسوق الاوراق المالية. ومن اشهر التحايلات التاريخية في سوق الاسهم هو ما قام به روتشيلد من اشاعة خبر خسارة الانكليز في معركة واترلو مع الفرنسيين فهبطت اسعار اسهم الشركات البريطانية بدرجة كبيرة قام خلالها روتشيلد ومعارفه بشراء كميات كبيرة من هذه الاسهم وفي اليوم الثاني جاء الخبر الصحيح وانتصار الانكليز بالمعركة وصعدت الاسهم بعنف. ويقال بان ادارة بوتين عملت شيئا مشابها في بداية الازمة مع اوكرانيا وتمكنت الحكومة الروسية بشراء كمية لا بأس بها من اسهم شركات روسية باعها الرئيس الروسي الاسبق يلتسين بأسعار بخسة خلال خصخصة شركات القطاع العام الروسية.
نهضة العراق مرتبطة بنهضة صناعته والأخيرة بحاجة الى استثمارات وموارد ضخمة للتوسع بالصناعات الحالية وبناء صناعات جديدة وإعادة بناء صناعات قديمة ولكنها تراجعت بسبب الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق خلال العقود الماضية. ارباح الشركات عند وجودها ودعم الدولة من ايرادات النفط يمكن ان توفر قسم من الاستثمارات/الموارد المالية المطلوبة ولكن ذلك لا يكفي ولابد من التوجه نحو القطاع الخاص لاستثمار مدخراته في اسهم الشركات الصناعية. وهذا يحتاج الى وجود الفوائض والتوفير وثقة المواطنين بالشركات التي يشترون اسهمها من ناحية الارباح التي تحققها هذه الشركات حاليا والقيمة المستقبلية لهذه الاسهم. اعتقد بأن ثقة المواطنين/المدخرين بسوق الاوراق المالية العراقية بشكل عام وسوق اسهم الشركات الصناعية بشكل خاص في الحضيض لأسباب يفترض بالمختصين في الموضوع في ادارة السوق ووزارة الاقتصاد ووزارة الصناعة ومجلس الوزراء ومجلس النواب دراستها وبيان اسبابها لوضع العلاجات المناسبة.
خلال العشر سنوات الماضية توسع الاقتصاد العراقي بما لا يقل عن 30% سنويا كمعدل وان كان بفضل ايرادات النفط التي رفعت القدرة الشرائية لدى معظم المواطنين وبنفس الوقت تكونت فوائض كبيرة لدى شريحة من الناس كان من المفروض ان يتوجه قسم كبير منها نحو سوق الاسهم. في مثل هذا الوضع يفترض ان تفور اسعار الاسهم وتوفر سيولة كبيرة للاستثمار ولكن مع الاسف نرى ان العكس هو الحاصل وكثير من المستثمرين تتقلص قيمة استثماراتهم ويكونون عبرة لمن يريد دخول سوق الاسهم العراقية، لماذا؟ مؤسسات الدولة والمسؤولين عن السوق يفترض بهم ان يشخصوا المشكلة ويصححوا الامور ولكن يبدوا بأنهم انضموا الى كورس المنتفعين من تدهور سوق الاسهم او المنتفعين من توسع التجارة والاستيراد او لا يعلمون بما يجري.
لست ضالع في امور سوق الاسهم ولكن يمكن بسهولة ملاحظة تراجع الربحية في الصناعات الوطنية وكثير من المصانع مهددة او اغلقت بسبب عدم وجود جدوى اقتصادية حيث تزايد التكاليف وبالأخص تكلفة العمل والكهرباء وإنقطاعاته وأيضا هبوط الايرادات خاصة مع فتح باب الاستيراد على مصراعيه وبدون كمرك فعال ولا سيطرة نوعية فعالة. والملاحظة الاهم والتي تخص هذه المقالة هي السرقة الشرعية من اصحاب الاسهم الذين لا يتابعون بشكل مستمر المستجدات في الشركات التي يملكون اسهما فيها. السرقة الشرعية تتم من خلال اعاقة وصول المعلومة الى مالكي الاسهم حول زيادة رأسمال الشركة عن طريق بيع اسهم جديدة الى مالكي الاسهم الحاليين بأسعار تقل كثيرا عن سعر السوق الحالي ومن لا يستغل حقه في شراء الاسهم الجديدة يذهب حقه الى المتنفذين لشراء ما يسمى بالفضلة بأسعار واطئة يحققون خلالها ارباح كبيرة على حساب مالك الاسهم الأصلي الذي لا يستغل حق الشراء. نعم يكون هناك اعلان عن زيادة رأس المال ولكن ادارة الشركة و ادارة البورصة لا تعمل على نشر الخبر بشكل واسع وإيصاله اليك كمالك في هذه الشركة. الاجراء المنصف والمنطقي هو ان تنشر المعلومة بشكل واسع ويتم الاتصال بك خاصة ونحن نعيش في عصر الانترنيت وان يباع ما لا يستغل من حق شراء الاسهم الجديدة وإعطاء مبلغ البيع الى صاحب حق الشراء.
اعطاء مثال في الموضوع سيوضح الفكرة. لنفرض انك مالك مليون سهم في شركة "سماء" من مجموع اسهم الشركة البالغ 200 مليون سهم وسعر السهم في السوق لهذه الشركة 3 دنانير، وقررت الهيئة العامة للشركة زيادة رأسمالها ب 200 مليون دينار لتغطية تكاليف معينة وأعلنت بيعها 200 مليون سهم بسعر دينار واحد للسهم الواحد لمالكي الاسهم الحاليين، وأصبح من حقك شراء مليون سهم جديد بسعر دينار للسهم. غالبية مالكي الاسهم سيشترون الاسهم الجديدة وينخفض سعر السهم بالسوق الى 2 دينار تقريبا (1+3)/2 فإن شاركت في الشراء تدفع مليون دينار وتحصل على مليون سهم اضافي، اي انك لن تخسر فقيمة اسهمك الكلي اصبح 4 مليون دينار. اما اذا لم تستغل حقك لسبب او اخر وأهمها قلة المعلومات وقد تكون خارج العراق او مريض او لست من المتابعين فحقك في الشراء يذهب الى شخص اخر الذي سيشتري اسهمك بمليون دينار في حين ان قيمتها بالسوق مليونين دينار، اي يربح مليون دينار. وتكون انت قد خسرت مليون دينار لأن قيمة اسهمك اصبحت تساوي 2 مليون دينار بعد ان كانت 3 مليون دينار.
هذا الخلل او السرقة الشرعية التي تسمح بها القوانين السائدة والذي يمكن معالجته بسهولة بقيام الشركة ببيع حق شراء الاسهم العائدة لأشخاص لا يشتركون بالشراء وإيداع مبلغ البيع لحسابهم، يسيء لسمعة الشركات العراقية وسوق الاسهم خاصة عندما يصاحبها كم كبير من التحايل في الحسابات والصفقات السرية المشبوهة وضعف النظم القانونية التي تنظم عمل الشركات والسوق ولا تسمح بممارسات وإعلانات غير صحيحة. في مثل هذه الاوضاع يتجنب المدخرون والمستثمرون سوق الاوراق المالية العراقية وتذهب سنويا مليارات من الدولارات الى سوق العقار والاستثمار خارج العراق ومن المؤسف ان نرى المسؤولين يغضون الطرف عن هذا الامر العظيم الاهمية في نهضة الصناعة العراقية.