د. حسن السوداني
الأثنين 11 /7/ 2011
عيون الميدوزا (3)
مسبحة اليسر
د. حسن السوداني
ثلاثة وثلاثون حبة سوداء مفضضة وكركوشة صيّرها بين يديه باعتزاز الخائف على شئ ثمين , لا اعرف من اين اقتناها او من اهداها اليه , ولكني كنت ارصد مدى العلاقه بينه وبين تلك الحبات الناعمة الملمس, كنت ارقب كيف يبتزه الاصدقاء والاقارب ممن يتسبرون في كرمه للحصول على تلك المسبحة, لكنه وبعناد المصر كان يرفض تسليمها ويعطي مقابل ذلك اغلى واجود المسبحات.
في لحظات كثيرة كان يعتريه القلق ويبدو على ملامحه القنوط السريع عندما يتلمس جيب سترة "الصاية" الزرقاء الدكانة المتمنطقة بحزامها "الاحياصة" وترتعش يداه باحثة بسرعة عجيبة في كل اجزاء السترة حتى يجدها لترتد على ملامح وجهه الوادعة تلك البسمة المميزة وتلك السمة الداكنة في جبهته الوضاءة.
في كرسيه الخشبي المستند على جذع نخلته "الشكرية" كان يتكئ واضعا يده اليمنى فوق ركبته سامحا لمعشوقته بالتبندل تتابعها عيناه بينما تسحب سبابته والابهام الحبة تلو الاخرى بهدوء واسترخاء لافتين للنظر.... كان عبد الكريم قاسم يجلس على "مصطبته" المفضلة في حديقة ام نوال الوصيفة "الله يرحمه"... ثم يكمل حديثه ضاغطاً على حبات المسبحة وكأنها ازرار لذاكرة متوقدة .... عند عودته من الحج جلب معه الكثير من المسبحات واعواد المسواك والبخور وعطور في قناني صغيرة يوزعها للمهنئين بسلامة عودته, لكن ايا من تلك المسبحات لم تثنه عن مسبحة اليسر الاثيرة ... انها يسر اصلي .. جملة طالما رددها مغيضاً حاسديها وطلابها.. اسمع يا حسن :- انك بذلت جهداً كبيراً في هذه الرسالة لكنك تسهب كثيراً في ذكر القوانين .... تسرع حبات المسبحة مع كل مقاطعة لرئيس لجنة المناقشة ثم تعاود التكتكة من جيد مع كلمات المناقش الاخر وهو يمتدح الجهد.. وانا مشغول بينهم وبين تلك الاصابع القلقة وانعكاسات ضوء القاعة على حباتها الفضية.. قررت اللجنة منحنك الشهادة وبدرجة امتياز .. ارتعشت اليدان والتفت المسبحة في وسط الكف ولترتفع عالياً برمية مفاجأة وسط هلاهل وتصفيق الحاضرين .. في قاعة الاستقبال ووسط عدد كبير من المهنئين كانت المسبحة تتأرحج بين يديه كعروس بفستانها الفضي مثيرة مجموعة تقاطعات ضوئية مع المصابيح التي زينت صالة البيت ..
اصرها بين يديه وصاح بصوته الجهور.. خذها فهي لك .. صمت الجميع وبهتّ انا ..
ولكن يا ابي ..
قاطعني بحزم .. لا تكمل فهي لك .. جاء من يستأهلها.. تلقفتها ووضعتها على فمي مقبلا يديه وعينيه المتلئلئة كالجمر.. لقد كنت رائعا اليوم .. خذها ولتكن شاهدة على ايامك كما كانت شاهدة على ايام ابيك ........
ترى كيف مررت امام عيون الميدوزا يا ابي!!