| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

حسام آل زوين

 

 

 

الأحد 10/5/ 2009



اطفـأتُ ناراً .. اشـعـلتُ نارا !
الى المســـيب

حســام آل زوين

نهض مبكـراً كعـادته يتفحـص المكــان الـذي حـل فيه ، نظـرات هنا وهناك ، مكـان قـد مـر عليه الزمـن واعتلاه ولفه الصـدأ ، وزمن طوفــان بين امواجـه العاتية ضـاع العمــر وغــرق ، وترك الـوانــاً نيليـة ســـوداء رماديـــة . ولازال الاحـتفـاء به مســتمرا وحـركــة الـوافـدين والخـارجين من الاطفـال والنســوة تـرقبا ليـوم لم يشــع عـنه عــيد ، ونســوة قـدمن من بلاد المهجــر بمحض الصدفة جذبهن اللقـاء ، موشحات بالسواد والرمـاد تركت على وجوههن اخاديد الزمن والغربة والفـراق ، ووجـدن صاحبهن والزمـن قـد لف رأسه بالبيـاض . اين تلك خضراء العـيون ؟ ، اين دائمـة البسـمة كطفـلـة فرحـة تنتظر العيد ؟ ، نفـس الـوداع ! ، لا بأس بقيت نفس تلك الامنيات . احاطت المـكان هــدوء وســكينة كالتي في ضحى النهار في بداية الصيف ورائحة طلع النخيل .

وفي هذه اللحظات طرح فكـرة زيارة المقــابـر ، الا زرتم المقـابـر ؟ .. نعم ســوف نزورها قبل الظهر .. مقابر الاهل والاقرباء والاصدقاء ، اجهـش بالبكـاء عند قـراءة الاســماء ، نمتم مبكرين ودفنت آمـال وامنيـات مـؤجـلـة ! ، لما العجــلـة ؟ ، كان يتوجـب عليكم الصـبر والانتظـار لننعم باللقـاء والعــودة والفـرحــة كما الناس الاخـريـن ! .
توالت الوفـود والزيارات من النسـوة والاطفـال من كل اهلـه واخـواته من امه واخوانه واخواته من ابيه ومع احفادهــن ، وعاودت اخــواته المضيفات لهذا البيـت وذاك الطبخ والنفخ وتعـــارفوا وتعاتبوا ، فرحة ودمعة، واخرى بانتظار هدية الخال ، هدية من ما وراء البحار، ومنهم من اسـر بهذا اللقـاء فكان لهم الفخــر والافتخـار بالخال وهـو من احسن الهـدايا . لحين وقـت العصـر بعـد من شـبع من رؤيته ومنهم من تعب في المواصلة ومنهم من اصر في استمرارية الجـدل والنقاش ومنهن من فضلن النوم لاجل مولـودها المنتظر ، قطع رأي اخيه بالتوجه لبيتهم العتيق . غادرهم لاستغلال الوقت لاستحصال بعض المستمسكات الضرورية منها دفتر النفوس الذي لازال مدون فيه بانه اعــزب وشــهادات الجنسية والجــواز والتي فقـدها اثناء عمليات الانفـال الســيئة الصيت في كـردســتان وقطعه حــــدود الــدول المجــــاورة .

اقنعه رأي اخيه بالسـفـر ولانتهاء يوم الجمعة ، ولا سيما يريد ان يرى بلهفة بيتهم العـتيق الذي عافه اكثر من ثلاثة عقود ، اخـذ ينظر ذات اليسـار وذات اليمين متابعا حـركة السـير والازدحــام وتراكم الاوساخ ، وكثرة الاسلاك الشائكة المتناثرة تلف الاعمدة والبيوت ، داخلة خارجة ، بشكل بشــع يقــودك الى عالم معزول كانه بيوت العنكبوتيات ودولة الـزواحف والخنافـس والكهـوف ، وهذا الاهـدار بعينه تستطيع ان تعمل منها عشـرات التوربينات الكهربائية . دمدم مع نفسه وادار بوجهه الى اليمين ، لفت انتباه رجل معمم يسـوق سيارته بدون تروي ، مما جعله يتكلم مع نفسـه مرة اخرى ، انها ظاهرة فريدة لم يشهدها من قبل خلال السنين التى مضت ، تألم لهذا المنظر ، وقارن حالة هذا المعمم مع جــده المعمم الذي ذرع المـدن برجليه متفقـدا المحتاجين من الاصدقاء لابــداء المعـونة ، ويتذكر ذات يوم قضى مع جده ساعات التوقيف بالمخفر وبعمامته السـوداء ، لخروجه من مجمعٍ ولهجائه احد الاعيان انذاك بقصيدة لاذعـة جـرته للاعتقـال ، اتهموه حينها بالبلشــفية لمساعدته الفقـراء ، ابعـدوه عن الجامع او ابتعـد ، مات قهـرا أزاء احـداث عام الشـؤم 1963.

تفحص البساتين المحيطة بمدينة كربلاء بالجهتين وعند مشارفها ينحرف الطريق الى اليمين هذا الذي لم ينسه ، عند الامام عـون بن نجم (ع ) تذكر النذور والنوم عند المرقد وفك عقـدة المريض ورائحة البخـور الطيبة ، بحقك يا امام عـــون ان تفك عقــدة العـراق ! ، وهناك نـذراوفيه ، تذكر الافـراح ودبكـة (الجـوبية) والمزمار والمطبك وعــند الاعياد والمناسبات ولمــة الرجال الرجال والفتيات الـريفيـات وتغنجهـن ولمعان العبـاءة وهـدة ( الجرغد والجنكال) ولمعان الاحذية وحمـرة الحناء وحجل الذهب عند الليالي المقمرة والهيل والريحان واستكان الشاي ، ولذعة البرودة عند منتصف الليل ونسيم البساتين المحيطة بالمنطقـة ، هذه المناسبات قد تكحلت منها العيون ، ولكن اين محطـة القطار وسـكته ،القطـار الذي ياتي من السـدة ، اتعلم بان الدنيا تنقلب عند ليالي العـيد ، ومواعيـد ! .

باجـر عيد باجـر جم الف حبه ...
باجـر كصيبه التكرص الركبه ...
الف بسـمة طفل يضحك فـرح قلبه ...
ومراجيح التغني العيـد هلهوله والف لعبه ...
وكالولي عليك هواي ...
وعــــــودان العــــــــمر ... كلـــهن كضـن وياك
يلي شـوفتك شـباج للقاسم ودخول الســنة بملكاك
يا في النبع واطعم عطـش صـبير .. ولا فــركاك

...وذرفت الـــدمـوع ... تذكــر اشـــياء لم تخطـرعلى بالــه انه يعـود يوما ما يعـاد ذكــــراها ... ايســتطيع الانســـان ويحســن ذكــراهــا ! . وصلـوا اطــراف المـدينة ... هنا درس خـــالـه بهذه المدرسة في اي عام لا يذكـره ... هذا هو الصوب الصغير وهذا المكان ملتقاه مع صـديق العمـر والمدرسة والرفقـة وحتى الاخوة وكان له رب اخ ، ويمينا لازال بيتهم ، سـهروا بعض الـوقت ... تجادلوا ، تبادلوا الفهم والمعرفة والثقافة والسياسة والفـن ، اختلفوا ، اتفقوا ، عجباً لامرهم !، تقاربـــوا ... تباعــدوا... التقــوا من جديد ... فهم متقاربـــــون . طلب من اخيه ان يقف قليلا عند منتصف الجســرالمشــهور باغنية ناظم الغزالي على جسـر المسـيب ، هنا كانا يناقشان الاوضاع والنقاشات السياسية وامـور الطـلبة وشــهد الكثير من الاسرار ، لا زال باقيـا منذ عام 1936 .

وصل باب البيت ! . اهذا هـو البيـت ؟ ، اين اولئك الجيــران ؟ واولئك ؟ اين التنــورالذي كانت جيـــرانه تطعمه خبـزا مع اللبن عندما يمر بجنبهم مع ابنها وقت الغداء وعند وصوله عتبة البيت يكون قد شــبع ! . فتثير ثائرة امه واخواته لطــريقته ! . لم تكن حينها كل هذه البيوت ،اين زبيـده ثـروت ؟ ، ثـروة وثورة الاحلام ! ، دخل البيت تفحصه من الداخل والخارج ، لازالت غرفته مع امه لم يحـدث بها اي تغيرالا ان الـرطـوبة قد كسـت كل الجـدران واصبحت كالاسـفنجة ! تحملت ظروف الثلاثة عقود ايضا ، وشـهدت مآسي وعذاب السنين ! . لم يمكث طويلا ، خرج ليسئل من يســكن بيت خــالتـه التي كان يحبها حبا جما والبيت مـلاصـقا لبيتهم ، طـرق الباب ، خـرج طفـل صغير لا يعرف ماذا يسـأله ، تخشب امامه ، اذرف الدمـوع وافـزع الطفـل ، خرجت شابة سائلة ماذا تـريد يا ايها العــم ؟ عـم ، عمـاء يعميك عمي !؟ ، اهـذا بيت خـالتي ؟ ، بيت خـالتـك ! .

استمر بذرف الدموع ، لم يستطع مسـحها ، ادار بظهـره ورجع الى البيت ، اصابه الوجع ، هي الاخرى غادرت قبل وقتها بكثير، هي الاخرى كأمه ، تحملت عبئ الحياة وصعوباتها ، تذكر يوم قصت له حادثة بانها وعند رجوعهم بالقطار تعرضـوا الى حملة تفتيش وكن حاملات مناشير من الحلـة لتوزيعها ، وكانت احدى الاخوات حاملة علبة احـذية ، اخرجت الحـذاء الجديد والبسـته لها على الســريع واجلستها بعيدا عنها ، ووضعت كل المناشـير في العلبة وغلفتها من جـديد ، مـرت شرطة التفتيش ولم يمسكوا بهم . وكانت لها من الجــراءة والشجاعة ما لا يوصف ! . ذهبت الى دار حقها ولم يستطع ان يقدم لها شيئا على عنايتها وحبها له ، لانها كانت تحمله كثيرا عند سطح بيت جــده القــديم والمطـل على كـراج السـيارات انتظارا طويلا لقدوم ابيه فياخذه النعاس وينام على كتفيها ! ، تـذكروهـا ذات مـرة في كـردسـتان ، ولا يعرف لماذا يتذكرها عندما يشاهـد فاتـن حمـامة او الملكـــة عالـية ام الملك فيصــل الثاني ! .

تقاصـرت المسافات وصغـرت وتقـاربت البيوت وانكمـشت ، العاليـة اصـبحت ناصية واطئة ، والكبيرة اصبحت صغيرة كل الصغــر ، قصرت الشــوارع وصغرت في عينيه . اهو البعـد الذي ابتعده كل هذه السنين وما تبقى من عمـرهما الاالقـليـل ؟ على ما يبدوا لها العمر وله العمر مسـئلة منطقيــة لا تحتاج لفلســفة ولا قانـون او برهـــان !. بان الاعمــار تقصــر ، ولا شــكـوى لبعـد المكان ! . احــزنه ، آلمه الوضـع كثيرا ، لم يمكـث الا قليلا ، اشتـعلت بدواخـله نارالاستياء لما رأه من خـراب حـل بمدينته ، ولم يســتطع ان يقيم اللقـاء بالمعـارف والاصـدقاء ، حضر فاتحــة احـد المعارف ، قام له كل من في مجلــس العـزاء واخذوا يقبلونه وكاد ان يتحول مجلس الفاتحـة الى فرحـة باللقــاء ، قرأ صورة الفاتحة واهم بالخروج ، دعوه الكثيرون للقاء . استجاب لرأي اخيه مرة اخـرى وللتـوجه الى بغـــداد قبل غـروب الشـمس لتجـاوزاحتمالات خطورة الطـريق والتفتيش ! . ودع والدته ، وبعد ان اصبحت المدينة من خلفهم اخـذ من جـديـد يردد مقاطع من قصائد لمظفر النواب ؛

عـودان العـمر كلهن كضن وياك



 

free web counter