| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 28 / 11 / 2025 د. حسن البياتي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
في الذكرى التاسعة لانتفاضة تشرين الثاني 1952أ.د. حسن البياتي
(موقع الناس)(ألقيت في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة موسكو في الاحتفالية التي أقامتها رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي يوم 20\11\1961 بمناسبة الذكرى التاسعة لانتفاضة 21 تشرين الثاني 1952 ، التي أطلقها شعبنا العظيم.)
مزّقتُ أكفانَ الدجى المنهارِ و قَبَسْتُ من نبع السنا أشعاري
و وهبتُ قافلةَ الحقيقة من دمي نغَماً يقضُّ مضاجعَ الفُجّارِ ...
من وحي تشرين العظيم و شعبنا للشمسِ يرنو مشرق الانظار
و يشدّ أقدام النضال مشمِّراً عن همّة أقوى من الإِصرار
ناديتُه ، و الفجر يلثمُ وجنتي ، طلْقَ المحيا ، زاهيَ الأنوار :
يا ملهمي نغمَ الكفاح مجلجلاً بهدير شعبي الصامد الجبار
قسماً بجبهة موطني ، بشبيبتي ستظلُّ ما بقيَ الدجى اشعاري
حرباً على مستعمر مستكلبٍ أو أرعنٍ متخاذلٍ غدار
حرباً على الأذناب يلفع جلدَهم بركانُ شعري لفعَ سوطٍ هاري
نزهتُ شعري أن يكونَ نضيدُهُ لسِوى الشعوبِ و بحرها الزخّار
لا كان لي إن لم يكن كشرارةٍ حمراءَ تكوي اعينَ الأشرار
***********
وطني ! و يا أسفار ثوراتٍ ، لها في موكب التاريخ ألفُ شعار
يا مهدَ تموز أطَلَّ صباحُهُ ليزيح أدرانَ الخنا عن داري
يا مجد كانونٍ (1) يقبّلُ خدَّهُ تشرينُ لثْماً كالعبير الساري
و عرينَ شعبٍ لم يكلَّ على المدى ايمانُه قبسُ النضال الناري
من رفقةٍ يبنونَ أطوارَ السنا و يهدّمون معاقلَ الأوضار
هم مزّقوا ثوبَ الظلام بوعيهم و هوَتْ فؤوسُهُمو على الاقدار
حتى اذا طلعَ الصباحُ بنورِهِ و رمى غلالتَهُ على الأسوار
و تهادتِ الأنسامُ في سرْحِ الفضا و سرى الشذى من عابقِ الأزهار
و تَنَعَّمَ النفرُ المدلَّلُ و انتَشى زهوان كلُّ مخاتلٍ عيّار
عاد الدجى يطوي الذي في كفّهِ بالأمسِ مزّقَ بائد الاطمار
**************
قالوا : ((النضال قد انتهى)) ، قلنا لهم : خَسِئتْ عقولٌ ضحلَةُ الأفكار!
لن ينتهي ما دام في قلبِ العروبةِ جاثماً ليلُ الخنا و العار ...
لن ينتـــهي و إرادةُ الاقـزامِ تحــــكمُ أمّتـــي بيد القـــنا و النار
لن ينتهي و البغْيُ يحصدُ اخوَتي بـجـزائر الثــورات و الثـــوّار
باركتهُم و عزفتُ ألحاني لمن قهر الجيوشَ بعزمه القهّار
فاشسْتُ ديغولٍ و حلف الأطلسِ المتخوم بالبارودِ ، بالدولارِ
لن يقهروا الأحرار من أشـــبال (( أوراس )) الأبيّ الشـــامخِ الجبار
لا بدّ من شمسٍ تنيرُ (( جزائري )) لا بدّ ، رغمَ قنابلٍ و دمارِ
***************
تشرينُ ، يا رمزَ التحررِ ، لم تزلْ ذكراكَ وحيَ قلائدِ الأشعار
يا مشعلاً يهدي الجــموعَ الى النضــالِ برغـمِ ليلٍ معتمِ الأسوار
الشارع الصخّابُ يلتطمُ الورى فيهِ كبحْرٍ هادرٍ موّار
رغم الرصاص مُلعْلِعاً و قنابل الغازِ المسيلةِ أدمع الثوار
تمضي و تمضي للأمام مواكبي أقوى و اعنفَ من لهيبِ النارِ
و يظل يعلو للسماء هتافنا و الموت يشرب من دم الاحرار
جرحٌ و نيرانٌ و أختي كفُّها بيدي لـدَكِّ معاقـل الفـجّار
باركتُها تهبُ الرجالَ عزيمةً و تهيبُ فيهم صوت أخذِ الثارِ
باركـتها أمّاً و أخـتاً حـرّةً ثوريّــةَ الأفــعال و الأفـكار
*************
تشرينُ و الذكرى تعانقُ خاطري فتثير في قلبي صدى الأخبار
عــهدٌ مبادٌ كــانَ كــلكلُ قــيدهِ أقسى أذىً من قيد الاستعمارِ
تبّاً له عهداً غشوماً مظلماً بالقهر ألوى معصمَ الأخيار
قد كان سجنُ الكوتِ يشمخُ هازئاً يحسو و يرشف من دم الأحرار
و لنقرةِ السلمان أفواجٌ تســــاقُ برغـــــــبةٍ مجـــــنونةِ الأطوار ...
و حقول نفطٍ شاهداتٌ أنّهم أُمناءُ قد صانوا عهودَ الدار !؟؟
باعوا ببخسٍ ما تدرُّ عيونُها لذوي العيونِ الزرقِ بيعَ حجارِ
دارُ (السعيدِ) - و لم تكن مأمونةً - مأوى الفسادِ و مرتع الأقذار
قد كان يرفل في رداء فجورها رهط (العطيّةِ) (2) ناعماً بيسار
لكنّ شعبي - و الشعوب عزيزة - قد هدَّها من أُسِّها المنهار
فلقد عرفنا كيف ننزع حقّنا من اخرق مستكلبٍ غدّار
كالحية الرقطاء يقطرُ سمُّها ، كالثعلب المتنسّك المكّار
إنّا بتموزٍ هدمنا صرحَهُ لنشيد صرحاً مشرق الانوار
شعب و جيش كالضياغم حطّما في فجر تموزٍ قيود العار
فتحررت أرضي الحبيبة من يدٍ كانت تصافح كفّ الاستعمار
سلْ موصلَ الأحرار كيف تمزقت خطط الذين تآمروا في داري
ستجيب سُؤْلَكَ طلقةً ، مزهوّةً : ستخيب كلُّ مآربِ الأشرار
(( إنّا لنا في كلّ شهرٍ ثورةٌ )) (3) ستعمُّ كلَّ عراقنا الدرّار
إذ ذاك لا ليلٌ يلفّ خيوطَهُ في موطني ، لا مِدْيَةُ الجزّار
لكنما نورُ الصباح مسلسلاً بعبير روضٍ هائم الأطيار
سترفُّ أجفانُ النخيل ، ترشُّها أنسام دجلةَ بالشذى المعطار
فنعود نبني في ربوع ديارنا ، متكاتفين ، ملاعبَ الازهار
***********
أقسمتُ بالثوراتِ و الثوّارِ بجبين شعبي الصامد القهّار
بأخوّةٍ عربيـةٍ كرديــــــــة أقوى من الفولاذ و الإعصار
تتحطم الأوغاد عند صخورها و دسائس المستعمر الغدّار
شعب و جيش في الكفاح تعاهدا أن يحفظا وطني من الأخطار
لتظل تخفق في سماء عراقنا رايات تموز مدى الأعمار
مهما طغى التيار ينذر بالفنا فهما هما أقوى من التيار
أقسمت بالثورات بالثوّار بصمود شعبي القاهر الجبار
بطليعةٍ عربية أسمى من الفاشستِ ، من حكم الخنا و العار
تبني لأمتيَ الحياة كريمةً و تشدُّ أزرَ طلائع الأحرار
بصداقة السوفيت خير ضمانة بيد الشعوب لفلّ قيد أسار
بالراية البيضاء تفرش ظلَّها في عالم متلألئٍ سَحّار
بالفجر ، بالحرية الخضراء منهل من يرومُ منابعَ الأنوار
أقسمت بالشمس المشعَّةِ ، ضوؤها يهدي الجموعَ لمنبتِ الأقمار
سيظلُّ رغمَ الليل يصنع موطني أبدَ الزمان طلائعَ الثوّار
إشارات:
(1) كانون – إشارةً إلى وثبة كانون سنة 1948 ضد معاهدة بورتسموث.
(2) العطية – المقصود به بهجت العطية – مدير دائرة الأمن العامة سيئة الصيت.
(3) (( إنّا لنا في كلّ شهرٍ ثورةٌ )) – عبارة مقتبسة من إحدى خطب الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم.
في الذكرى التاسعة لانتفاضة الشعب العراقي في تشرين الثاني – 1952
أحبتي في موقع الناس ،
أحبتي قراء موقع الناس أينما كنتم
تحية طيبة لكم جميعاً
في النصف الثاني من شهر تشرين الثاني 1952 انطلقت في عراقنا الحبيب انتفاضةٌ شعبية عارمة دامت عدة أيام ، سقطت أثناءها عدة وزارات و مرت أحداثٌ و أحداث كُنتُ في خضمّها أنا و مئات الألوف من المواطنين المنتفضين. كنتُ آنذاك في السنة الثانية من دراستي الجامعية في دار المعلمين العالية نَخرج يومياً طلاباً و طالبات مع صفوف المساهمين في الانتفاضة التي أذكرُ من غرائبها أن امتنعت الشرطة العراقية عن مداهمة الجماهير الغاضبة كما صارت دبابات الجيش العراقي و دروعه منابرَ لخطباء الانتفاضة وشعرائها.
و مرت الأعوام و الأحداث حتى وجدتُني طالباً في قسم الدراسات العليا (الدكتوراه) بجامعة موسكو واقفاً ألقي في أمسية العشرين من تشرين الثاني 1961 من على منبر قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة موسكو قصيدة عمودية رائية القافية في أكثر من ثمانين بيتاً ، ما زالت أحداثها تدور في خاطري حتى الان ، دون أن تخرج الى عالم النشر. و قد أقامت هذه الاحتفالية رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي - التي كنتُ أحد مؤسسيها و مسؤول اللجنة الثقافية فيها. وقد حضر الاحتفالية الملحق العسكري العراقي ، ممثلاً السفارة العراقية آنذاك.
خاتمة :
و لكي يكون ختام رسالتي المتواضعة هذه مِسكاً حقيقياً أبدأ معكم التساؤل: لماذا طال غيابك عن موقع (الناس) طوال هذه المدة التي عمرها خمس سنين و زيادة ، يا حسن البياتي ؟
و الرد الحقيقي هو ما فعلت بصاحبكم الحياة. فعدا فقدان البصر منذ اكثر من خمسٍ و عشرين سنةً هناك مشاكل هي ضرائب القِدم في السن. كم و كم يحتاج من صبر و علاج إنسانٌ يناطح الخامسة و التسعين. طالت أعماركم و ترعرعت صحتكم!.
و لكن رغم ، (المصائب و المشاكل) كلها – بعد العمى و قبله – داخل العراق و خارجه لم ينقطع صاحبكم عن العطاء الإبداعي و الفكري في موقع الناس و سواه و آخر ذلك هو شيء صغير يتمثل في جملة قصائد واكب بها أحداث انتفاضة تشرين 2019 الخالدة و قد نشرت جميعاً في موقع (الناقد العراقي) الذي كان يشرف عليه الراحل الكبير الأستاذ حسين سرمك حسن و كانت آخر قصيدة بعنوان (أيقونة تشرين) و صدور آخر كتبه المترجمة عن الروسية (حكايات اسطورية من شبه جزيرة القرم) – الشارقة 2019. ثم هجمت جائحة الكورونا و توقف كل شيء.
و ثمة أمور أخرى مفعمة بالأذى الذي عالجه صاحبكم بالصبر و العطاء. و لعل أقساها كان ما عاناه و هو أستاذ في جامعة البصرة التي كان من مؤسسيها و رعاتها ثم يجد نفسه خارج حرم الجامعة موظفاً صغيراً في مؤسسة لا علاقة لها بالتربية و التعليم ، ذلك لأنه لم يستطع أن يتجاوب مع النهج المفروض سلطوياً داخل الجامعة ، و كالعادة عالج الأمور بالصبر و العطاء. و لعل من أهم هذا العطاء ترجمة و نشر جملة من الآثار الإبداعية و الانشائية العالمية من اللغة الروسية الى العربية ، عدا آثاره هو بالذات.
و ثمة أمور قاسية أخرى قبل (الجامعة) و بعدها أرجو أن تساعدني الظروف لأكتب عنها إليكم ، طالت أعماركم و البقاء لموقع الناس.
المخلص
أ.د. حسن البياتي – صديق (الناس)