عماد خليل بله
ekbelah@yahoo.com
اوراق متناثرة من الحلة (7)
الطريق الى الشرقية الابتدائية
عماد خليل بِله
معلمنا الاستاذ عباس الاعرجي متوسط القامة أكبر حجما من استاذ حسن وله بطن أكبر، كان معلم درس الدين لصفنا الاول ب ، ومعلم القراءة والحساب للصف الاول أ. الاستاذ عباس حكواتي غني برواياته، لاندري ان كانت من تأليفه ، أم من قراءاته. يأخذنا كل درس في مشاهد حكاية مغامرات عن الخير والشر، عن اللصوص والقضاء، عن الغني والفقير. لم يكتفي استاذ عباس بالحديث حين يقص الحكاية، فمع كل جملة كانت هناك حركات تمثيل لمحتوى الجملة، وأكثر مارسخ في ذاكرتي حركته وهو يرفع كميّ قميصه ويغرف بيده الكبيرة في خزنة مال ، او صحن طعام ، طبقا للحدث، ونحن نقهقه. سميناه عباس حرامي، وكنا ننتظر بشوق ومحبة دقائق الفرح والبهجة والضحكة التي نقضيها معه. قصصه زرعت فينا النبيل من الاخلاق. حاول ان ينقل لنا المفاهيم الدينية بطريقة تلائم عقولنا، لم يضربنا بعصا لنقر ان الخير افضل من الشر، تسلل الى وعي كل منا ليبذر فيه بذرة طيبة.
خلال الاسبوع الاول لبدأ الدراسة، وُزعت علينا الكتب، وأَمرنا المعلم ان نجلدها بجلاد من الكارتون كي لاتتمزق وتتسخ. كانت هذه المهنة الموسمية مصدر رزق لبعض العاملين في بيع الجرائد والمجلات امام مكتبة المعارف لصاحبها عبد الحسين علوش ، ومكتبة الفرات لصاحبها مهدي السعيد وغيرهما. فوزي جواد بله إبن عمي، هو بائع الصحف والمجلات أمام مكتبة المعارف وفلاح بائع الصحف والمجلات امام مكتبة الفرات. تقع المكتبتان مقابل بعضهما البعض في بداية الشارع الرئيسي للمدينة حين يصبح مدخل السوق المسقوف خلفك، وأنت تتجه نحو ساحة باب المشهد. في تلك الايام أجرة التجليد عشرة فلوس للكتاب. أخذت كتبي ووضعتها على طاولة امام فوزي فنفذ المهمة خلال ساعة. كان التجليد يتم بان تقص قطعة الكارتون الابيض على قياس الغلاف الاصلي للكتاب ثم تطوى لتغطي جهتيه ويتم تثبيتها بغرز وصلة سلك معدني خلالها وخلال الكتاب بموضعين، من خلال ثقوب فيهما يتم عملها بواسطة ازميل صغير ورفيع، فيصبح للكتاب غلافين يفترض ان يساعدا بحفظه. ولدى أغلب التلاميذ يكون الغلافان والاوراق الاولى للكتاب قد تطايرت قبل انتهاء السنة الدراسية.
كل صباح، وقبل بدا الدراسة هناك تقليد الاصطفاف الصباحي وقراءة النشيد، تقليد لطيف ربما للتعلم على النظام والانضباط، وبث روح الوطنية، وفي الشتاء فرصة للحصول على دفء وتحريك الدورة الدموية من خلال قضاء دقائق بفرك الايدي والضرب على الركبة والهرولة في المكان. مجموعتنا من التلاميذ كانت اول دورة تلتحق بالمدرسة بالعهد الجمهوري لثورة الرابع عشر من تموز 1958 مما جعل دفاترنا وكتبنا تحمل صورة الزعيم المحبوب عبد الكريم قاسم، التي اقرت برنامج التغذية المدرسية. بناءا على اوامر المدرسة أصبح كل تلميذ يحمل كوبا معدنيا يتدلى من حزامه، ليمده اثناء الاصطفاف الصباحي لفراش المدرسة الذي يدور حاملا وعاء فيه حليب ساخن ليملأ اكواب التلاميذ، ويعطي كل منهم كرة صفراء صغيرة هي حبة زيت كبد الحوت ونسميها حبة دهن السمك. في الايام الاولى أحببت الحليب مثل غيري فقد كان لذيذا، وبعد تردد كسبت جرءة لأُشارك زملاء في الحصول على كمية اضافية، بينما كان ابتلاع الحبة عقوبة لامجال للهروب منها، اذ تتم باشراف المعلم الذي يريد ان يراك تبتلعها، وعانيت من صعوبة العملية حد البكاء الذي لم ينفع، وحاولت الخديعة أكثر من مرة بان اضعها بفمي واشرب الحليب فوقها دون بلعها، ثم اضع كفي على فمي وابصقها فيه مسرعا، لكن المعلم كل مرة يقول لي افتح يدك ، ليجدها ويعنفني. لم اكن كفوءا كفاية لاتعلم حيلة بعض الزملاء الذين نجحوا بالخداع. حدث يوما تقديم حليب بكثرة وتنافسنا مجموعة من تلاميذ الصف من يشرب اكثر، نجحت بشرب ثلاثة عشر كوبا، أحالتني لحالة دوار كسكران امضى الليل يعب كحوله، وليت هذا فحسب فيومها قضيته اطلب الذهاب للتبول لمرات خلال الدروس، حتى تسائل استاذ حسن بريسم عن الامر قائلا" اشماكل اليوم"" وشم فمي، وضحك حين تعالت حفنة اصوات لتخبره السبب. والجزاء الاسوء قدم بعد ذلك اليوم ، اذ قام جسمي بمعاقبتي على مافعلت، وأصبح شرب كوب حليب واحد يسبب لي الصداع، وبت اتوسل هذا وذاك ليخلصني منه، فكنت انتظر ان يبتعد المعلم عني حتى اسكب الحليب بكوب زميل مستعد لقبوله.
مرت ايام السنة الدراسية بحلوها ومرها، بلذة التعلم ، وظلم الاستيقاض المبكر وخسارة نومة الصباح الدافئة. ومع ان عبد الحليم شبر كان رفيق القدوم الى المدرسة والعودة منها ، واحيانا يرافقنا عماد حمزة العميدي او الاخوان جاسم وفوزي الا ان الصداقة التي بدأت تنمو داخل المدرسة لتكون شلة تلاميذ كانت مع زياد طارق ، احسان صالح، علي عبد الحسين علوش، فؤاد بهجت الدرزي، علي جابر شعابث، صفاء محمد مهدي العطار. في اخر يوم للامتحانات توقفت وانا في طريقي الى المدرسة لأتهجأ تلك الكلمات المكتوبة في أعلى الجزء الصغير من جدار علوة السمك عند مدخل بيت عبد علي صاحب مطعم الفرات. فقرأت مانصه" قال السيد الحكيم: الشيوعية كفر وألحاد"، ومشيت، وساقرأ هذه العبارة كل صباح في طريقي الى المدرسة حتى تنتهي مرحلة الدراسة الابتدائية. هل كانت هذه التهجئة بداية لتساؤلي عن الشيوعية؟ أنا اعرف الكفر ، لكن ماهو الالحاد! كان امتحان درس الدين هو اخر امتحان في جدول الدروس، حين جاء دوري ، سألني الاستاذ عباس الاعرجي أن أقرأ سورة الفاتحة ففعلت، ثم اضاف : من ربك، فأجبت الله، ثم من نبيك، فرددت محمد، وأخيرا: من امامك ، فقلت علي بن ابي طالب.
بعد ساعات قليلة تقافز تلاميذ الصف حول المعلم كمجموعة قرود تتناطح على شجرة موز، والمعلم يصيح الاسم فيتقدم التلميذ ويضع في كيس يحمله الفراش مبلغا من المال ليتسلم شهادته، يومها دفعت مئتان وخمسون فلسا، كنت وبضعة تلاميذ قد نجحنا بدرجة اول مكرر، ولا ادري من أكتشف هذا التكرار، لأن الاول غير المكرر قد حجزت لمن أبوه معلما بالمدرسة او ذو مركز وظيفي بالدولة.
مع تقدم مراحل الدراسة حدث تغير في التلاميذ الذين يشغلون الصف ، اذ خرجت اسماء بسبب الانتقال او الرسوب وحلت محلها اسماء اخرى لنفس الاسباب. في صف الثاني كان مراقب الصف الراسب من السنة الماضية طالب هاتف ، ومعنا ايضا اخوه سعد. وهناك اخوة اخرون معا، فكان فراس ونذير عبد علي صاحب المطعم، وعادل وستار وشقيقهما سامي ابناء جبار ابو الشربت، والتحق بنا حميد حسين قادما من المدرسة الابتدائية في ناحية الحصين بعد ان انتقلت عائلته الى مركز الحلة وسكنت دارا في محلة الكلج، ولكن في الصف الثاني أ. معزمنا تعود على جلب لفة اكل معه، وربما قطعة فاكهة او نستلة، لتناولها خلال الفرصة الثانية الطويلة نسبيا، غير ان لفتي للاكل كانت تهرب من شنطتي معظم الايام ولا اجدها. في هذه السنة كان لصفنا الثاني ب حياة خاصة نعيشها خلال درس الانشاء والمحفوظات حين يطلب المعلم من زميلانا كريم ان يحملنا معه في زورق حكاياته عن الاكيرع ومغامراته. يبدأ كريم الاكريع كما اصبحت تسميته، وهو ثبي أبيض البشرة ، مرح ، دائم الابتسام ، يسكن محلة الجامعين في "عكد الجياييل" مسترسلا بخياله راسما لنا حكايا عن فارسه الذي يشرب دبس التمر كما نشرب الماء، فهذا الاكيرع يشرب طاسة دبس بجرة واحدة كل يوم ، وللتخلص من عشرات من ذباب يحوم حوله حين يشرب يستخدم سيفه لقتلها، ثم يخرج الى الشارع ويحدث الناس بانه قتل عشرة ، وقتل خمسين، وقتل مئة، وحين يسأله المارة ما قتلت؟ يجيب أكيد قتلت رجالا.. وفي فورة الكذب يصدق المسكين انه قتل بشرا، فتأخذه النشوة ويدعو من يتحداه للمبارزة، وحين تحين ساعتها لن يطل صموده دقائق حتى يضع ذيل دشداشته في فمه ويدفع رجليه هربا بما يستطع من سرعة، وفي كل مرة كانت لديه معركة مشابهة حسب مايرد في مخيلة كريم. ولما قرأت قصة دون كيشوت بعد سنوات، ظننت الاكيرع نسخته الحلية . كانت الحكايا تسلينا، اذ لم يكن عرض افلام كارتون في التلفزيون يتجاوز الربع او نصف ساعة لاتكفي لاشباع حاجتنا الطفولية. لكن حكايات الكارتون الحقيقية السارحة في خيال المغامرة والبراءة الطفولية عشناها في السنة الثالثة مع زميلناعلي وناس.
آب 2013