خدر خلات بحزاني
Khederas@hotmail.com
جمهورية الطين في سنجار.. يا للعار..!!
خدر خلات بحزاني
اتيحت لي زيارات متباعدة لسنجار.. سنجار التي يغوص اسمها عميقا في غياهب حوادث التاريخ، والتي تعد منطقة وجسرا تاريخيا هاما جدا لمرور جيوش الغرب باتجاه الشرق وبالعكس، والتي شهدت سهولها ووهادها وقائع غيّرت وجه ما نسميه اليوم بالشرق الاوسط..
سنجار، او شنكار، او شنكال، ومهما اختلف المؤرخون في تسمياتها وكل حسب انتماءه الاثني واجنداته الخاصة، لا يختلف احد على ان معاناتها واحدة، ومأساتها واحدة.
ذات مرة، سألني احد الرسامين الايزيديين عن فكرة ما، تجسد سنجار ليرسمها في لوحة، فقلت له : قد انسى كل شيء، ولكن لن انسى لقطة خزنتها ذاكرتي اثناء زيارتي لمجمع بورك (اليرموك) في صيف ما في منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ورأيت رجل سنجاري بامتياز، كان في الخمسينيات من عمره، يسير في طريق ترابي مغبّر، ويرتدي الزي التقليدي الاصيل، وبضفائر متهدلة على الوجه وجانبي الرأس، والعرق يتصبب منه، لانه كان ينوء تحت حمل حزمة كبيرة من الاغصان والاخشاب على ظهره، وكان جبل سنجار الشامخ يتسيد خلفية الصورة..
اليوم.. وبعد ربع قرن، نقلت لنا الاخبار عن تعرض سنجار لامطار غزيرة، تمنيناها كثيرا، ولكن سنجار التي لها امتدادات تاريخية عميقة، ظهرت وكأنها بلدة ساذجة وتغرق في "شبر ماء"..
لقد قتل نحو 6 او 7 اشخاص، وتهدم اكثر من 400 منزل، ناهيك عن الخسائر المادية في زخة مطر ربيعية تواصلت لاقل من يومين فقط..
انني اسأل هنا، هل تعرضت سنجار الى تسونامي كي تدفع هذه الفاتورة الكبيرة من الخسائر؟؟ انها مجرد زخة مطر قوية يتمناها الكل، ولكن لماذا يتهدم 400 بيت؟؟
الجواب ببساطة يا سادتي، هو ان سنجار هي جمهورية الطين وبلا منازع.. ونسبة كبيرة من بيوتها مبنية بالطين، نعم، بالطين السنجاري الاقرب للجص بلونه الابيض الناصع..
وبالرغم من ان معمل سمنت سنجار يعد واحدا من اكبر معامل السمنت في العراق، الا ان اهل سنجار لم يحصلوا منه سوى على وظائف قليلة جدا، مع نسبة رائعة ومذهلة من الغبار السام والمدمر.
وليست بيوت سنجار من الطين فقط، فهناك منافس اخر، وهي طرقات سنجار في القرى والمجمعات التي يتسيدها الطين ويرفض التنازل عن عرشه لاسباب عديدة، تبدأ باهمال "جميع السلطات" ولا تنتهي عند كسل وفساد "بعض" المسؤولين السابقين واللاحقين.
عجبي على الوف البيوت الطينية السنجارية التي تتناثر في قرى ما بين جبل سنجار الذي استعان به الرومان لتخليد مآثرهم على حجارته، وبين واحدا من اضخم معامل السمنت في العراق..
انها الطرافة بعينها، والمأساة المضحكة المبكية، التي تضحك بوجه المسؤولين السنجاريين الذين بيوتهم من المرمر والرخام، وتتجهم بوجه المواطن الفقير الذي شتاءه اوحال وصيفه غبار..
يا للعار..