| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

لطيف حسن

 

 

 

السبت 13/11/ 2010



في موضوع ازمة الوعي والعقل المنطقي في العراق
(3)

لطيف حسن

(اللجوء الى الخرافة)
عندما نتناول في هذه الدراسة السريعة، العقل العراقي وطريقة تفكيره لاندرس في الواقع ظاهرة فريده خاصة بالعراق وحده فحسب ، يقدر ماهي دراسة تخص العقل الشرقي العاجز وعقل كل المجتمعات التابعة التي لم تنموا اقتصاديا - اجتماعيا بشكل منسجم مع النمو والتطور التكنولوجي في العالم بعد الثوره الصناعية ، وبقيت منعزلة محرومة لفترة طويلة ( الفترة العثمانية ) من استخدام هذه الانجازات واستعمالها في حياتها اليومية التي من شأنها ديالكتيكيا ان تطور ايضا عقلنا وطريقة تفكيرنا بما ينسجم مع تطور عملية أدوات الانتاج التي نستخدمها ، وصلتنا منجزات العلوم الانسانية الحديثة في بداية القرن الماظي ، اي بعد عقود من اختراعها واستخدامها في اوربا ، مما خلقت هوة وتناقض بين ما وصلنا متأخرا من منجزات متقدمة ، وبين نمط تفكيرنا الذي بقي مرتبطا ولحد الان بنمط تشكيلة اجتماعية قديمه تكاد تكون بائدة اليوم في المجتمعات المتقدمة في العالم .

اقصد بالعقل عموما ، اينما وردت في هذه الدراسة ، هي مجموعة القدرات (العقلية – المعرفية ) ، من مثل: القدرة على الادراك والتصور والتخيل والتذكر والاسترجاع والتفكير بانواعه المختلفة..الخ

وهي تلك القدرات التي يستخدمها الانسان لاكتساب المعرفة وبلوغ الحقيقة في حياته وهو يواجه تعقيداتها بالنضال والكدح من اجل ان يعيش بظروف وآفاق افضل .

ان الانسان بصورة عامة ، بغض النظر عن مستواه التعليمي والثقافي والفكري ، وحتى عند الفئات الغير متدينة منهم ، يحمل في اعماقه دائما آ لهه صغيرة متوارية ومختفية في الاحوال العادية لانشعر بها ، تلجأ اليها من دون ارادتنا في حالات اليأس والانكسار والعجز (كمنقذ زائف قادم من الوهم ) ،

ان المتتبع لتطور الفكر البشري يلاحظ انه ظهر على الدوام فئة من الانبياء والحكماء والفلاسفة حاولت ان تتصدى لهذه المسألة ، و توصلت الى ان عقل الانسان محدود و قاصر عن اكتشاف الكثير من اسرار الطبيعة ، وعاجز عن حل الكثير من المشكلات التي يواجهها الناس في المجتمع ، ويعود سبب ذلك من وجهة نظرهم الى ان العقل بطبيعته عاجز وقاصر امام طلاسم الطبيعة المعقدة ، ولهذا دعوا الى البحث عن قوة اخرى غير قوة العقل البشري يعتمد عليها ويتم الركون اليها في الاستقصاء والتفسير والاستنتاج، وتوصلوا بعد ان عرفوا الدين الى ان هذه القوة هو العقل الكوني ، او الروح المطلقه كما سماها هيغل ، أي الله .

مما لاشك فيه ان للعقل الانساني على الرغم من قوته له حدودا يقف عندها ، ولكن مع ذلك يمكن القول ان هذه الحدود واسعة ، شاسعة وغنية ، ومعقدة جدا وغير مستنفذة كلها ، ويبدوا ذلك واضحا من خلال اجراء مقارنه سريعة بين الحال التي كانت عليه المعرفة البشرية منذ خمسين عام ليس اكثر مثلا ، بالمستوى الذي وصلت اليه الان ،فلقد تمكن الانسان اعتمادا على قوة عقله من تحقيق انجازات كبرى والتوصل الى كشوف رائعة في مختلف المجالات الاقنصادية والاجتماعية والفنية والعلمية وفي الاتصالات والتكنولوجية ، فنحن نعيش الان في ما اتفق على تسميته عصر المعلومات او عصر الثورة العلمية التي نشارك في تقنبتها ، التقنية المتسارعة التي تأخذ بيدنا الى الامام بدون توقف .

واذا ماواصل العقل مسيرته التطورية وفق هذه الوتيرة العالمية السريعة جدا ، وعراقنا بالذات بعد ازالة المعوقات المشار اليها من امام طريقه ، لامكننا ان نتصور كم هو صعب التنبؤبالحال الذي سيكون علية العراق من تقدم وتطور هائلين بعد عقد او اكثر من الزمن لااكثر .

فاذا صح ان العقل مازال يجهل الكثير ، ويعجز عن تحقيق كل ما يطمح اليه ،فان الصحيح ايضا ان العقل البشري المتطور نشط غير مستسلم لقيود الماضي والذي يجسده نهج التفكير العلمي المبدع للمجتمع ، الذي يجب ان نناضل لنتواكب معه في حالة عراقنا بكل الامكانيات المتاحة ،لانه الرافعة المنقذة لنا من حفرة التخلف التي نحن فيها ، وتتعمق فينا يوما بعد يوم ، أنه الاداة الجباره الوحيدة التي نستطيع بواسطتها أختراق اعماق الحقيقة كما هي عليها والتصدي لمختلف المشكلات الحالية التي تواجهنا ، والوصول الى ايجاد الحلول الصحيحة لها والتمكن من السيطرة عليها ، وبالتالي لايمكن العثور على قوة اخرى بديلة للعقل تحل محله وتؤدي وظائفه، حتى لو كانت هذه القوة هي الفكرة المطلقة.

التفكير الاسطوري هو تفكير الأنسان في عصور لم يكن قد ظهر فيها التفكير العلمي المنطقي ، تلك العصور التي يطلق عليها عصور الطفولة البشرية، حيث كانت الاسطورة تقوم آنذاك بوظيفة مماثلة للوظيفة التي يقوم بها العلم حاليا ، انها كانت الوسيلة الوحيدة امام الانسان لتفسير الظواهر والحوادث في العصورالأولى التي تسبق عصور ماقبل العلم .

اما التفكير الخرافي فهو التفكير الذي اساسه الوهم والزيف و يتنكر بالمطلق للعلم ويرفض مناهجه ومايتمخض عنه من نتائج وانجازات ، و على الرغم من التفريق بين التفكير الاسطوري والخرافي فانهما يستخدمان في معظم الاحيان بمعنى واحد او بمعنيين متقاربين .

ان اهم مبدأ ترتكز عليه الاسطورة هو مايطلق عليها عادة اسم ( مبدأ حيوية الطبيعة) ويقصد بهذا المبدأ ان التفكير الاسطوري يضفي على الظواهر الطبيعية غير الحية، صفة الحياة والفعل . أي ينظر الى هذه الظواهر على انها كائنات حية تحس وتنفعل وتتحرك وتتعاطف او تتنافر تحب وتكره كما الانسان ، أي اسقاط خبرة وتجارب البشر على حركة الطبيعه الازلية في محاولة لفهمها .

لقد اصبح واضحا الان ان العلم يناقض هذا المبدأ ، فالعلم يسعى في تناول ظواهر الحياة على اختلافها الى تفسيرات ملموسة ومجربة ان كانت بالتجربة الكيميائية اوالفيزيائية اوالاقتصادية اوالاجتماعية...الخ.

بمعنى ان الخرافة تسعى لتفسير ماهو حي عن طريق ما هو غير حي او غير موجود في الطبيعة وهو في هذا عكس التفكير الاسطوري تماما ، فاذا كان التفكير الاسطوري قد تلاشى بزوال عصر الاسطورة في العالم وأرتقاء العقل وتجاوزها بتقدم العلم ، فان أسلوب التفكير الخرافي مازال يسيطر على عقول الكثيرين من الناس في بقاع عديدة من العالم الشرقي الذي نعيش فيه ، ومنها عراق مابعد الاحتلال وبشكل مرضي ضار.

وقد يكون وراء شيوع التفكير الخرافي ومحاولات ترسيخه واستمراره عندنا مؤسسات دينية وتعليمية مسيسة تحكم اليوم سيطرتها على مقاليد الحكم ، مستغلة مكانتها القدسية وجذورها التاريخية في نفوس الضعفاء من الناس البسطاء (الذين هم ايضا ضحية آفات الامية والجهل والبطالة ) والمنقطعين عن الرجاء من بزوغ أي ضوء من الامل ، يؤمنون بسهولة في ظهور منقذ من الغيب يخلصهم من وضعهم المزري الحالي ، ويحقق لهم على الارض الحلم بالعدل المفقود ،

من الطبيعي جدا ان نرى في عصر العلم والتكنولوجيا وعصر ثورة المعلومات ، ميل الناس الشديد عندنا الى تقبل الخرافة ، وعدم التوقف عن الرجاء والتوسل الى الشفعاء الموتى منذ أكثر من الف واربعمائة عام ، املا في الحصول على اجابات لتساؤلاتم المستعصية كالمستحيل ، لما هم فيه من شعور واحساس بالعجز والضعف والنقص والمظلومية وهم في داخل حلقة الكارثة المتصلة التي لا يعرفون ان يجدوا لهم منفذا منها الى الخارج ،

اضافة الى ان التفكير الخرافي التضليلي سهل وبسيط تمريره على هكذا ناس من مستخدمي هذا النوع من الوعي ، لايحتاج الى جهد عقلي كبير منهم لتقبله ، غير قليل من الخيال عند المتلقي المظلوم ، المخدر بالوعود الربانية في تعويض النفوس الصابرة على الحرمان ، بالحياة السرمدية التي تتحقق فيها كل الاحلام والرغبات الارضية التي لم تتحقق ،

والخيال التعويضي عادة نشط عند الذين لا امل لهم في شيء و يسحقهم اليأس بشدة على الدوام ،

ولا يحتاج هذا النمط من التفكير الى امكانات متميزة ، ودعامات معرفية قوية واكتساب قاعدة معلوماتية قوية الجذور تمكن وتفسح في المجال امام أستخدام التفكير العلمي المنطقي .

ان عملية التصدي لآسلوب التفكير الخرافي الذي يقوم به الناس ، عملية حساسة جزء منها يتعلق ويمس المعتقد الشخصي ، والمناسك المقدسة المكفوله بالقانون والحق ، ومن هنا التعقيد وما سيترتب عليها من ردود فعل عنيفة على الاغلب ، والحذر والدقة في الهدف عند التصدي .

لذا يجب العمل على التفريق بين اداء الشعائر والمناسك الدينية العقلانبة المتفق عليها بالاجماع في الدين ، ونحترم دائماعلاقة الفرد العادية بربه ودينه عن طريق عقائده الشخصية وطفوسه ،

وبين الشعوذات المضرة بنسيج المجتمع التي دخلت على الطقوس الاصلية في وقت لاحق ،والتي يجب علينا مواجهتها بشجاعه وكشف خدعها ومضارها وتعرية اهدافها على الدوام ، كمسيرات الحج الغير معقولة مشيا على الاقدام الى اضرحة الاولياء عادة الشيعة الاخيرة على سبيل المثال ، ومواكب اللطم الدموية العنيفة بالزناجيل وتطبير الرأس الوحشية بالقامات ، وما يجري في حلقات الذكر عند متصوفي السنه واصحاب الطريقة من فعاليات استعراضية يجري فيها ايذاء الجسد بالاسياخ والخناجر والمشي على الجمر ولحس المحمي لحد الاحمرار ، و غيرها الكثير من الشعوذات الجماعية الحديثة المعروفة التي تقام وتؤجج باسم الدين ، لا يستفيد منها في النتيجة الا الطائفيين ويستغلها ذوي المآرب السياسيه لتوتير المجتمع وخلق نتائج اجتماعية ضاره تصب في تحقيق اهدافهم ،

الواضح من الهدف هو تكريس اللاعقلانية في طرق العباده للأمعان في تجهيل الناس ومواصلة تضليلهم للحيلولة دون اكتشافهم الأسباب الحقيقة لعللهم المأزومه (الاستغلال) وتوجيه عقلهم الجماعي باتجاه بعيد عن أساليب التفكير العلمي .

لاحل بدون مواجهة اجتماعية واسعة لهذه الظواهر وكشف زيفها ، باعتبارها من التراث المتخلف و المعرقل للتقدم والواجب مراجعته مراجعة عقلية ، وعدم السكوت على المشعوذين وكشف اكاذيبهم دوما بالحجج والاقناع والمنطق

في نفس الوقت نعمل على الدفع من اجل اعادة النظر بالدستور ، ليكون دستورا مدنيا ديمقراطيا ، وتعديله بما يتناسب ليكون دستورا علمانيا عصريا ، دستور كتشريع بحد ذاته ، يضمن حقوق كل الديانات في العراق وينهل منها بالتساوي . ونعمل بكل قوانا من اجل فصل تام للدين عن الدولة ، من شأن ذلك وضع حد حاسم لتدخل الدين ومؤساساتها في الشؤون الشخصية العامة للمجتمع ، وتخليص فكر الفرد من براثن وقيود المشعوذين بأسم الدين،

وهي معالجات ، حالها حال معالجات معضلات العراق الاخرى ، تبدو طوباوية الحلول ، لتعقدها وترابطها مع بعضها ، وستأخذ حتما وقتا طويلا وجهودا كبيرة ومثابرة من الجميع . ولكن لابديل عندنا من ان نرفع اصواتنا بشجاعة اليوم ونواجه بقدراتنا الجبارة التي نمتلكها ( العقل والعلم ) ، لنعيش عصرنا ، السكوت عنها يعمق الشعور عند الاخر بانهم على حق ، ولعبتهم قد مرت او ما تزال تمر على القطيع .


( للموضوع بقية)



* في موضوع ازمة الوعي والعقل المنطقي في العراق (2)
* في موضوع ازمة الوعي والعقل المنطقي في العراق (1)






 


 

free web counter