| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

محمد علي الشبيبي

Alshibiby45@hotmail.com

 

 

 

الخميس 18/11/ 2010

 

من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)

محمد علي الشبيبي

مقدمة ألناشر
"الدرب الطويل" هذا عنوان القسم الثاني من "ذكريات معلم". ففي القسم الأول "معلم في القرية" تناول والدي حياته التعليمية في قرى الفرات الأوسط منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وكان حينها غير مرتبط بأي حزب أو تنظيم سياسي، وإنما كان يحمل فكراً وطنياً تحررياً متأثراً بما يحمله من تربية دينية متحررة.
كتب والدي في القسم السابق "معلم في القرية/السياسة والأدب" كيف كان يفكر قبل أن يتفتح فكره بانتمائه السياسي. فكتب (هكذا كنا نخوض السياسة بفهم خليط بين الطائفية والوطنية بل وحتى الإقليمية أحياناً. ونتعصب للملك وهو آلة أختارها الإنكليز، ووطنيته ليست أكثر من لافتة، يحافظ بواسطتها على تاجه، بين الذين جاؤا به لينفذ مطامعهم، وبين مطامح رعيته. هكذا كنا نعتقد إن مهدي المنتفكي ورستم حيدر شيعيان ووطنيان في آن واحد، ولا نفهم مركزهما الطبقي. ولم نفكر ما عوامل مجيئهما إلى الحكم وذهابهما عنه).
وفي "الدرب الطويل" يتناول والدي ذكرياته التعليمية بعد أن أرتبط تنظيمياً بالحزب الشيوعي العراقي، وأحدث هذا الارتباط في حياته وتفكيره تغييراً جذرياً. نعم أنه "الدرب الطويل"، فالطريق الذي سار عليه الوالد بعد ارتباطه التنظيمي طويل وشاق. كله أشواك، وتجوب فيه ضواري بشرية نهمة، لا تعرف حدودا للاكتفاء ولا أي معنى للإنسانية، وكل ما يهمها الدفاع عن مصالحها الطبقية الأنانية وزيادة أرباحها بمزيد من الاستغلال للطبقات الكادحة. ومن يختار هذا الطريق عليه أن يكون صبورا وشجاعاً، وأن تكون طاقته على التحمل ومقارعة الظلم والإصرار خيالية مع علم بالمصير - كما يقول -. ويشير والدي بكل تواضع إلى إمكانياته وقدرته، ويقارن ذلك بإمكانيات وقدرة شقيقه الشهيد حسين "صارم*" وفي موضوعة "أحلام اليقظة مع ذكريات عن بلدي" يكتب: (الحق إني غير أخي "صارم" ذلك الصلب العنود، الذي وضع رقبته على راحة يده. وهو يؤكد لي دائماً، إن الطريق طويـــل جداً يا علي إنه أطــول من "وادي الأحلام"!؟ ربما لا أستطيع تحديده لك مطلقاً. ربما لا يرى الفجر الذي ننتظره إلا أحفادك، أو بنوهم. أما نحن فمهمتنا أن نعبد الطريق - ما استطعنا - من أجلهم!. هي منه دعابة معي، فـ "وادي الأحلام" إحدى قصصي التي كنت أنحو بها منحى كتابات جبران الرمزية وقد نشرت في مجلة العرفان العدد .... صحيح إني أملك طاقة من الصبر ليست بالعادية، ولكن الذي أختلف فيه عن أخي الشهيد حسين "صارم" هو ليس الصبر وحده، انه الصبر والإصرار مع علم بالمصير!؟)
جذور الوالد الاجتماعية وتربيته العائلية وتأثره بالمواقف الوطنية لرجال العائلة من آل الشبيبي كالشيخ الكبير جواد الشبيبي وأبنائه العلامة الجليل محمد رضا الشبيبي وشاعر ثورة العشرين محمد باقر الشبيبي. إضافة إلى دور بعض الأساتذة في مدارس النجف من كان لهم دورا في نشر الوعي الوطني، أمثال: ذو النون أيوب، كامل القزانجي، وجعفر الخليلي وآخرون، تركت تأثيرها عليه، فكان يحمل في ذاته خامة أصيلة من الإخلاص والوطنية وخدمة شعبه بعيدا عن المنافع الذاتية والأنانية. ولهذا رفض مقترح عميد الأسرة "محمد رضا الشبيبي" للعمل كقاضي وفضل العمل في التعليم. فكتب: (كنت أنزع إلى أن أزج بنفسي في معترك الخدمة الأساسية، ضد الجهل الآفة المدمرة، التي تسبب العقم، وتحد من قابلية الأمة في مضمار التطور واللحاق بركب الأمم المتحررة من الجهل والمرض والفقر. وما أجد في وظيفة القضاء؟ غير أن أتورط في حكم باطل، في أمر طلاق! أو مسألة ميراث، أو مشاكل المتزوجين في حياتهم التي هي عمومها لم تبن على أساس الخيار، بل الاضطرار وأحياناً كثيرة الجبر والإكراه. /معلم في القرية/ مع المعلم).
لهذا كله كان المربي الراحل ينظر إلى التعليم باعتباره رسالة إنسانية سامية لمكافحة الأمية ونشر الوعي الوطني، فيكتب: (... معلم يحمل رسالة، يعرف أن أمامه العقبات الصعاب، والمخاطر التي قد تؤدي به إلى الهلاك. إنه يدرك إن الجهل عدو، له حلفاء يسندونه، هما المرض والفقر. فلا مناص إذن لهذا المعلم من التنبيه خلال عملية التعليم إلى هذين العدوين في حلفهم البغيض. المعلم الذي ينشئ أحراراً، لا ليصيروا له عبيداً، المعلم الذي يجعل الحرف مضيئاً ينير السبيل للسارين، لا ليؤلف كلمة ميتة، أو جملة خاوية لا معنى لها..... هذا هو المعلم الذي أعجبني أن أكونه، لا في المدرسة وعلى أسماع الصغار، بل في كل مجال تسمح به المناسبة./ معلم في القرية/ مع المعلم)
في هذا القسم "الدرب الطويل" يتحدث المربي الراحل عن بداية اكتشافه الطريق الصائب في تحقيق الاستقلال الوطني والتحرر الاقتصادي والقضاء على الاستغلال بكل أنواعه، ولماذا سار في هذا الدرب الوعر. فيكتب: (إني أكره الاستغلال. أحب أن أتحرر فكرياً. كم تمردت على بعض العادات. كم أطلقت لنفسي العنان في مجال اللهو. وتهربت من كثير من الالتزامات. كم شاركت بالحركات الوطنية، وأحببت أفكاراً خلتها هي السبيل الصائب إلى تحرير نفسي، وتحرير بلدي وأمتي. ولكن ما هي القاعدة الأساسية والعلمية إلى تلك المنطلقات؟/الدرب الطويل/ بداية الطريق). ويواصل الكتابة ليؤكد اهتدائه - عبر شقيقه الشهيد حسين "صارم"
(*) - للإجابة على تساؤلاته لمعرفة الأسس والمنطلقات العلمية لتحرير البشرية من العبودية والاستغلال. فقد حدث تطور هام وحاسم في حياة شقيقه الشهيد حسين. أنعكس هذا التطور إيجابيا أيضا على فكر ومنهج والدي في الحياة التعليمية والاجتماعية.
في أيار/حزيران
(1) من عام 1941 نشر الشهيد مجموعة من المقالات السياسية والاجتماعية في مجلة "المجلة" لصاحبها ذو النون أيوب. وقد أعجبت هذه المقالات هيأة تحرير مجلة "المجلة" ووجدت في الشهيد حسين وكتاباته وعياً طبقياً فطرياً، وقدرة جيدة على التحليل، إضافة لتمتعه بصلابة واستعداد للتضحية. وبناء على هذا التشخيص استدعته هيأة تحرير مجلة "المجلة" لمقابلتها. واعتقد أن هذا الاستدعاء حدث في تموز/آب (1) 1941. وسافر الشهيد لمقابلة هيأة تحرير "المجلة"، وهناك ولأول مرة قابل الشهيد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي "فهد " (*) . فيكتب والدي واصفا مشاعر شقيقه حسين بعد عودته من أول لقاء بالشهيد الخالد "فهد": (عاد بعدها وعلى وجهه شعاع مبهج، وبين جوانحه عزم يكاد يطير به. أسرّ إليّ أمراً. علمت أن "المجلة" لسان فئة نذرت نفسها لتحرير الفكر، وتحرير الوطن. إنها تنهج في سلوكها منهجاً علمياً. وفق أحدث نظرية أثبتت علمياً إنها هي ولا غيرها الطريق إلى تحرير الإنسانية من العبودية بكل أشكالها./ الدرب الطويل/ بداية الطريق)
وهكذا بدأ والدي، في بداية النصف الثاني
(1) من عام 1941، عبر شقيقه الشهيد حسين العمل التنظيمي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. وقد صادف بداية انتظامه فترة الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها على الطبقات الفقيرة والمسحوقة وما سببته من ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد الإداري والمالي وانعكاسه على الشعب. وكان من باكورة نضالهم في مدينة النجف المبادرة لكشف الفساد، والمفسدين من المسؤولين الإداريين. مما سبب نقمة السلطات السياسية عليهم ومحاربتهم من خلال النقل الإداري والفصل والاعتقال.
كان لانتمائه للحزب الشيوعي تأثيره الايجابي في طريقة تفكير الوالد في إداء رسالته التعليمية، فيكتب : (الواقع إني غيرت كثيراً من نظراتي في مواد دروس العربية، في الأمثلة، ومواضيع النحو، في الإنشاء، والمحفوظات. سخرتها جميعاً لبث الوعي، ولكن بحكمة، وأسلوب لا يثير./الدرب الطويل/ مدرستي)
وبحكم جذور الوالد الدينية، حيث كانت دراسته ذات أساس ديني، كما خطط له والده، نجده دائم الاستشهاد والمقارنة بآيات قرآنية أو أحاديث شريفة. فهو ينتقد بشدة المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتشددين الروحانيين، ويفضح التناقضات الصارخة في سلوكيات البعض. كما يفضح أساليب التضليل وتخدير المجتمع من قبل المسيطرين على المؤسسة الدينية من رجعيين ومتخلفين، من خلال نشرهم المفاهيم والمقولات المخدرة فيكتب (كان الوعاظ يعينون الطبقات المتنفذة، بما يبثونه من فكرة بين أوساط الكادحين والمستغَلين، كقولهم: "الفقراء عيالي والأغنياء وكلائي. وخير وكلائي أبرّهم بعيالي!"/الدرب الطويل/ بداية الطريق)
خلال تنقله بين مختلف المدارس المنتشرة في مناطق الفرات الأوسط، واحتكاكه بمعلمين بمختلف المستويات والانحدارات الاجتماعية والقومية والمذهبية، تعرف من خلال ذلك على الأفكار الطائفية والقومية المتطرفة وتأثيرها على الوحدة الوطنية والوعي الوطني، فاكتشف في الفكر الاشتراكي العلمي العلاج الوحيد والأنجع لمرض الطائفية والتطرف القومي. لذلك لم يكن تبنيه للفكر الثوري عبثياً أو مزاجيا وإنما عن قناعة مطلقة بصواب هذا الفكر، فكتب: (وإذا اختَرتُ طريق الاشتراكية العلمية، فذلك لأني أدرك أن رجال المال من أية قومية، عرباً أو فرساً أو أكراداً إلى آخره، هم الذين عملوا ويعملون لإثارة النعرات القومية والطائفية ليلهوا الجماهير عن معرفة أسباب بؤسهم وشقائهم. ليبقوهم عبيداً يشيدون الجنان ويوفرون بكدحهم كل أسباب الرفاه لأولئك الأسياد./ الدرب الطويل/ المعلم النطاح)
ويتحدث الراحل باختصار عن نشاطه الحزبي الذي استمر فقط لست سنوات تقريبا (1941- 1947). ساهم خلالها مع بعض رفاقه وبأشراف شقيقه "حسين" على وضع الأساس المتين في بناء وتطوير تنظيم الحزب في النجف. فبعد أن تخلى بهدوء عن قيادة المحلية المعلم إسماعيل الجواهري، أصبح الراحل مسؤولا عن محلية النجف منذ أواخر عام 1943. كما ساهم بحضور الكونفرنس الحزبي الأول ومؤتمر الحزب الأول. للأسف يتجنب الوالد الحديث عن هذه الأحداث المهمة بالتفصيل، وذلك خوفا من وقوع مخطوطته بيد أجهزة الأمن في العهد الملكي والعهود التي تلته، إضافة إلى ضياع الكثير من مدوناته المهمة بسبب سوء الأوضاع السياسية، كما هو يشير إلى ذلك.
ولا يتهرب الوالد من الحديث عن الصراع الذاتي الذي عاشه قبل أن يتخلى عن العمل الحزبي المنظم. ففي موضوعة "أتق شر من أحسنت إليه" يكتب بشجاعة وصراحة نادرة: (أحس في نفسي صراعاً حاداً، هل أستمر، أم أضع للأمر حداً؟ .... إني في صراع عنيف مع نفسي، أشعر بضعف ينتابني، بل يسيطر عليّ. ومن الخير أن أتنحى كيلا أخسر شرف الكلمة، وأجني على سواي، بلطمة من شرطي، أو تعذيب في ضربات خيزرانته فينهار بناء، وأكون مثلا ولطخة عار). ويواصل الكتابة ليثبت تأريخ أعتزاله العمل الحزبي، ورفضه طلب مرجعه الحزبي "مالك سيف" للانتقال إلى جانبه للعمل الحزبي في بغداد وإصراره على قرار التنحي من المسؤولية والحزب، فيكتب (وأجبت، أصر على ذلك . كان ذلك في 12/10/1947، ولم ألتحق بعد هذا بأي جماعة).
ويؤكد الراحل بألم من خلال كتاباته عما أصابه من إجحاف وتشويه من قبل أحد أصدقائه بعد أن ترك المسؤولية الحزبية لهذا الصديق. لذلك يكتب عن هذا ببعض التفصيل والألم. وهي قصص كنت أسمعها من الوالد والوالدة عن موقف هذا الصديق. فكتب ما يلي: (لم أكن مطلقاً أفكر بأي احتمال، فقد ألقيت عن عاتقي عبئ كل مسؤولية، وطلقت العمل الحزبي، وخرجت من العهدة، دون أن أكون آثماً بحق أحد، وعلى علم من صديقي "م" والذي ألتزم المسؤولية بعدي! أليس هو رفيق الشباب، وأيام جامع الهندي، وأندية النجف الأدبية. ومنه تعرفت على المجلات التي تعني بالفكر التقدمي!؟/ الدرب الطويل/ ليد القدر).
ويؤكد المربي الراحل دائما أن السبب الذي دفعه لاعتزال العمل الحزبي شعوره وتقديره بأنه غير قادر على تحمل تبعات ومسؤوليات العمل الحزبي، والتوفيق بين مسؤولياته الحزبية وواجباته العائلية. لكنه يشير في أكثر من مرة في مذكراته، أن تركه للعمل الحزبي لم يعفيه من هذه التبعات والمسؤوليات ولم يبعده عن النضال بصلابة من أجل القضية الوطنية. واستمرت الأجهزة الأمنية دائما بالتعامل معه وكأنه أحد قادة المنظمات الحزبية، وأحياناً يرون في سلوكه وعلاقاته الاجتماعية أكثر خطورة من أي مسؤول حزبي!؟
وبالرغم من اعتزاله العمل الحزبي منذ أواخر تشرن أول 1947، لكنه يصر على مواصلة النضال والإخلاص لرسالته التعليمية السامية كما آمن بها. فيكتب رسالة لصديقه ورفيقه السابق "جواد كاظم شبيل" جاء فيها: (... ولكني أفهم إني واحد من ملايين في بلادي تكرع كؤوس الشقاء. وعلينا أن نواصل المسير في توعية الذين يبنون الحياة بسواعدهم./ الدرب الطويل/ رسالة إلى الكبائش). وبقي الراحل مخلصا لمفاهيمه التربوية والوطنية إلى آخر أيامه. لذلك فإن الأجهزة الأمنية في كل العهود كانت تضايقه وتضعه في رأس قوائمها وتنشر حوله هالة من المسؤولية الحزبية لتبرر ملاحقاتها ومضايقاتها له!.
في بعض الأحداث تطرق الراحل لبعض الشخصيات فتجنب ذكر أسمائهم الصريحة، وأحيانا كان يشير إليها بالحرف الأول، ومرات أخرى يشير إلى الاسم بنقاط -فراغ- لكنه يذكر الاسم كاملا في هوامشه. فكتب في أحد هوامشه تحت عنوان "مدرستي": (لم أصرح بأسماء بعض الذين أذكر عنهم شيئاً، خصوصاً إذا كان ما فعلوه غير مستساغ، فقد انتهت حياة أكثرهم. المهم ذكر ما فعلوه، ولهم الرحمة). لذلك وجدت أن التزم بما انتهجه الوالد في تجنب ذكر بعض الأسماء.

* * * *
(1)
لابد من التأكيد من أن ارتباط الشهيد حسين "صارم" بالحزب وبالتحديد بسكرتير الحزب "فهد" كان في أواسط عام 1941. وللأسف لم يشر والدي في ذكرياته مباشرة في أي شهر بدأت هذه العلاقة. ولكن من خلال ربط وتسلسل تأريخ بعض الأحداث التي ذكرها الوالد يمكنني أن أجزم، أن الأشهر المثبتة هي الأقرب إلى الصواب والدقة.
(*) "صارم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي حسين الشيخ محمد الشبيبي. و"فهد" الاسم الحزبي لمؤسس وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف. و "حازم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي زكي محمد بسيم.

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏‏06‏/11‏/2010
alshibiby45@hotmail.com 
 

2 - الدرب الطويل
(4)


الحاضر والمستقبل
في الشهر الرابع من هذا العام 1943 في أوله ولد لي أول ابنة ، أن فرحي بها لعظيم، ومع ذلك ليتها كانت الخاتمة. كانت ثالث مولود لي، سميتها "أحلام" إذ كنا إذ ذاك نعيش بأحلام نحلم بها بانتهاء الحرب وعودة، السلام والرخاء والحريات وتبدل الحياة إلى الأحسن والأفضل. فليس بمقدور موظف صغير مثلي أن ينهض بعبئ عائلة أكثر مما لدي. نحن لاشك مقبلون على متاعب يمكن لمن يفكر أن يتصورها. أسعار مواد العيش سترتفع أكثر وأكثر، ليس هذا فقط، ستشح أو على الأصح ستختفي. منذ مدة نظمت تنظيماً بدائياً بطاقات للحصول على الشاي والسكر، والشائع إن الحكومة تعمل لتنظيم أمور التموين، الرز، الحنطة، القماش، الشاي والسكر.
وتبقى مسألة السكن. لعلهم يعتقدون إن هذه مسألة ليست مهمة. هذا البيت الذي أسكنه حالياً، تحولت إليه منذ أكثر من سنه، فقد نشب بيني وبين مالكه نزاع منذ عدة شهور، انه يطلب إخلاء الدار. لاشك انه كأي إنسان يسعى للثراء. لا يعف ولا يتردد إن وجد السبيل إلى ذلك مشروعاً أو غير مشروع. بدل الإيجار كان ثمانمائة فلس، فزدته وصار ديناراً، وهدأ شهرين، ثم عاد يلح بوجوب الإخلاء. ملاكوا الدور كلهم يفكرون برفع بدل الإيجار، ولكن لم يجرأوا لحد الآن على رفعها بشكل قفزة.

إنني أبحث عن بيت، فان بيت المالك مجاور لي، وكان لهذا السبب دائماً مصدر قلق وإزعاج لنا. عائلته، زوجه وأطفاله، يتلصصون من شرفة منزلهم على منزلنا دائماً. زوجه تسأل عن كل من يزورنا. يتحرون أثناء زياراتهم المتكررة، بحكم الجوار، لمظهر الدار في الداخل، هذا المسمار لا يصح أن يدق على هذا الجدار؟! أنكم تبذرون باستعمال الماء؟ أرموا ماء الغسيل في الشارع لا في البالوعة!. إلى كثير من أمثال هذه التحرشات. وعدت وأهلي بعد الغروب مرة، فوجدت مدخل المفتاح قد سُدّ بخشبة! وصرح أمام من طلبتهم من وجوه الجيران "لن يُفتح الباب حتى أرمي بأثاثه من السطح إلى الشارع!".
حينئذ رفعت الأمر إلى الشرطة. استجابت فأوقفته حتى الصباح، وعندما راجعتهم صباحاً، أرسلوا أثنين من الشرطة والمختار ونجاراً على حسابه لفتح الباب. فصار يصرخ أمام المراجعين والشرطة: "تريدون مساعدة الشيوعية - يقصد الشيوعيين - على سلب بيوتنا وأموالنا؟". انه صائغ وترى الجشع في عينيه، وملامح وجهه، ونبرات صوته.

ما الذي ينتظرنا في مستقبل الأيام، لم ندخر من أمسنا شيئاً للحاضر الذي بدأنا نحس بالضائقة فيه، فقد اضطررت لبيع قرطي زوجتي وخاتمها وساعتها، وخمارها! فماذا نصنع غداً؟ إن كل ما حدث ويحدث، الحرب وويلاتها وخراب المدن، سفك الدماء، إزهاق الأرواح، كل ذلك من أجل أن يظل الرأسماليون مسيطرون وممعنين في استغلال الشعوب. وتثور الحروب فيما بينهم ليفرض الأقوى منهم استعماره للشعوب الضعيفة.
خيرات بلادي كانت تفيض عن الحاجة. فكانت تصدر الحنطة والشعير إلى البلدان الأخرى. ولكننا اليوم، والجيوش البريطانية ترابط في أنحاء شتى منها، صرنا نأكل الخبز الأسود والرز المخمور التالف. ونلبس أردأ الأقمشة. وزج بخيرة شبابنا الواعي في المعتقلات والسجون. ماذا يهم المسؤولين من أمرهم لو عانى ذووهم، آباؤهم وأمهاتهم ، وزوجاتهم وأطفالهم مرارة الجوع والحرمان.

نحن نعاني ما نعاني من قلق وحرمان، و" گرملي" يتجول في قرى العمارة، يقيم له رجال الإقطاع الولائم ببذخ وتبذير، وحفلات الرقص. گرملي هذا أحد الجواسيس البريطانيين بزي عسكري مسؤول. كان يتجول في أنحاء العمارة، فتقام له الحفلات والمآدب، فيرتدي أثناءها الزي العربي "كوفية وعقال" وثوب طويل ذي أردان طويلة، ويقدم لأتباع شيوخ الإقطاع من فلاحين وخدم الخمرة، ويقف بين المحتفلين مع الراقصة ويطلب أن يردد المشاركون بهذه اللازمة، وهي في غاية البذاءة وعذراً لتسجيلها هنا، هو ينشد: "هِلستي لو بَعَدَه؟" ويرد عليه الآخرون: "سَويته لك مسطاحه!". يريد بهذا أن تشيع بين صفوف الفلاحين السفالة وينحدروا عن أخلاقهم التقليدية إلى درك الفحش والاستهتار، فتنعدم فيهم الرجولة والنخوة العربية، ويجد عند هذا من يستغله للتجسس.
ويذكر أن في جهة أخرى انكليزي آخر من نمط گرملي يدعى "بركي". الواقع إن أمورنا كلها أصبحت تحت سلطة البريطانيين، المفتشون الإداريون إنكليز، والمشاورون في كل وزارة ودائرة ومقاليد الشؤون العسكرية أيضاً إنكليز. لا بأس، هذا كله من أجل أن يدحر الحلفاء أخطر عدو للبشرية جمعاء، النازية. الغول الأشد شراسة ونهماً. ولكن هل تنتهي أمورنا إلى خير؟.

والتقيت بأخي في بغداد، جرت بيننا أحاديث عن استقرار العائلة برعايته، عن حياته كمعلم، ومتصرف اللواء الوطني المعروف سعد صالح، ومدير معارفه السيد ناجي يوسف، كلاهما من أبناء بلدتنا، وكلاهما من معارفنا.
تبسم وقال: "إفهم الأمور حسب المقاييس التي تعرفت عليها حديثاً، وراء الأكمة من وراءها؟!". قلت: "أعرف. أعرف ..."
وتطرق إلى شؤون الحركة، وقال: "الحكومة لا تنظم ملاكها فقط، فقد نظمت ملاكنا أيضاً. فقد صادف نقلي إلى العمارة بعد نقل مسؤول تنظيمنا إلى السليمانية". ضحكنا للنكتة الرائعة. نقل أخي إلى العمارة في مركز اللواء، بينما نقل منها الأستاذ نعيم بدوي. وبالطبع أنا لم أستفسر منه عن حقيقة الرجل ومكانه في الحركة فهذا في أصولنا غير صحيح. ثم أستمر يحدثنا عن نشاط الرفاق هناك بين صفوف الفلاحين "الحركة هنا تتسع، والوعي ينتشر بين الفلاحين".
هذا طبيعي، فوضع الإقطاع في لوائي العمارة والكوت، واستغلالهم البشع للفلاحين، واستبدادهم بحياتهم بأقصى درجات الاستغلال والاستبداد، يستدعي أن يتنبه الفلاحون من سباتهم. ومع ذلك فليس الأمر على حال يجعلنا نتفاءل تماماً. العبء ثقيل، والمسيرة طويلة وشاقة، وبيد الخصوم كل السلاح.

الخبز والمنصب/1
فوجئت برسول من أبي يطلب مواجهتي. وأسرعت، أمرني "أن أسرع بالسفر إلى بغداد لمقابلة أخي بعد أن أتعرف في أي معتقل هو!؟".
إن برقية وردت من العمارة، بتأريخ 9/6/1943، باسم أمي "أخذ حسين مخفوراً إلى بغداد". قبل حسين كان داود الصائغ قد أعتقل، لعل جلب أخي مخفوراً له علاقة به. وعلمت من رفيقه حازم انه موجود في موقف شرطة العبخانة. "حازم" الاسم الحركي للشهيد الخالد زكي محمد بسيم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، وقد أعدم في 14 شباط 1949. في طريقي إليه التقيت بمفوض شرطة "علي الشيخ يوسف" أعرفه، وهو من عائلة نجفية تدعى الوائلي، والده كان من أبرار الروحانيين. أرشدني المفوض إلى كيفية الوصول إليه. نقدت الشرطي الحارس مئة فلس، فسمح لي بالاتصال به من نافذة غرفة الموقف. كانت مظلمة حتى إني لم أتبين فيها أحد غير أخي وشاباً آخر لا أعرفه، وقد دس هذا بيدي ورقة خفيفة جداً، بعد السلام عليه طلب إليّ "أن أسرع بجلب الجواب على ما في الوريقة وبعض الطعام".

عدت ثانية إلى زكي محمد بسيم "حازم" حيث يعمل موظفاً في دائرة مشروع إسالة الماء قرب وزارة الدفاع. كنت حاولت قبل الوصول إليه أن أعرف محتوى الوريقة لأخذ حذري، وربما اضطراري لأتلافها. لم تزد على كلمتين: "إفادة داود!" كتبت حروفها بحروق من نار السيجارة. لذا لم أفهم شيئاً إلا بعد أن وضعتها على ورقة بيضاء.
وكتب حازم الجواب بوريقة جد خفيفة وجد صغيرة، لفّها لفّاً محكماً. واشتريت من مطعم قريب للمخفر، رز ومرق ونصف دجاجة، ودسست الوريقة ملفوفة بشريط خفيف في الرز. مئة فلس أخرى للشرطي الحارس. قدمت الطعام وهمست في أذنه "دير بالك على الرز لتطشره!"

واجهت بعض وجهاء الأقارب ليوصوا بي معاون شرطة التحقيقات الجنائية لأقوم بمعاملة إطلاق سراحه بكفالة. لقيت عناء في مواجهة هذا المعاون رفض أن أكون أنا الكفيل، طلب أن يكون نفس وسيطي إليه. كان وسيطي التاجر الوجيه جعفر الشبيبي، ابن عم أبي وهو شقيق العلامة الشيخ محمد رضا الشبيبي. تركته وعدت إليه بعد قليل، وقلت: "اتصلت تلفونياً بالبيت واُجبت انه نائم، هل ترى أن أستدعيه باسمكم؟". فصرخ بوجهي: "تريد سولي وياه مشكلة؟". ضحكت في نفسي، هذا تدبير لم أعلم بأهميته لديه.
أحالني إلى حاكم التحقيق، الموجود في إحدى غرف المديرية. وهو شخصية معروفة "توفيق الفكيكي" كان من رجال القضاء المشهورين وله مؤلفات، عمل مدة في النجف، فكانت له علاقات في الأوساط الدينية والأدبية، وتمت له علاقة مع أبي وأخي وكانت بينهم زيارات.
بعد مطالعة الطلب قال لي بلهجة المتألم، وكانت أساريره منقبضة أيضاً "هل واجهته؟". قلت: نعم. وقع على الطلب بالموافقة. وعدت مسرعاً والبهجة تغمرني لأقدم الموافقة على أطلاق سراحه. كان هذا في اليوم التالي لمواجهتي له.
لم أستطع البقاء مدة أكثر، وحاولت معرفة أسباب جلبه مخفوراً وتوقيفه. فردّ عليّ "الأحسن ألا تعرف!"، وقال "سأعود إلى العمارة غداً، أبلغ الوالد تحياتي".

في نهاية آب 1943 علمت انه أبلغ بالنقل إلى ناحية المشرح ولكنه رفض. واجه مدير المعارف "ناجي يوسف" يعلمه الرفض بإصرار وأسمعه كلاماً لم يتوقعه، ورغم انفعال المدير مما سمعه، فانه أجابه كمعتذر ومنذر بنفس الوقت وأجابه "أنا لا أضحي بخبزتي وخبز أطفالي من أجلك!". خاطبه حسين بلهجة مرة "لا أعتقد انك ترى عائلتي أوطأ من منزلة عائلتك، فتفرض علي أن تعيش في مثل المشرح ولعائلتك أن تعيش في مركز اللواء. أنا أرفض وافعل ما شئت ..."
بعد أربعة شهور من صدور أمر النقل، استلمت برقية، يرجو "أن أتوجه لإعادة العائلة إلى النجف". كان هذا في 16/12/1943 حيث أنقطع هو عن الدوام بدون تقديم استقالته، وترك العائلة خلال هذه المدة برعاية أخينا محمد علي، وكان يشتغل في دائرة ري العمارة. وتوجهت بالقطار إلى البصرة لأواصل السفر إلى العمارة. ولاح صديقي "مهدي هاشم" تعرفت عليه أواخر عام 1942. طلب مني أن أدبر له دفتر نفوس شرط أن يكون سن صاحبه لا يزيد على 40-42 سنة، شراءً، أو أية صورة أخرى. لم أتعهد له تعهد جازم، فليس الأمر سهلاً، وليس لي علم تام بحقيقة هذا الشخص رغم علمي بماضيه السياسي.

"مهدي هاشم" هو المناضل المعروف، نجفي من أم نجفية وأب هندي الأصل. كان الشائع لدى المعنيين بالشؤون التقدمية في النجف بأنه شيوعي وهو فعلاً كذلك. وقد القي عليه القبض أثناء توجهه إلى "ألشريفيه" ومعه صديقه حميد شيخ باقر من آل كاشف الغطاء ولكنهم يُدعَون "أبو البساتين" والذي شاع عندنا إذ ذاك أن الذي أوشى به هو صديقه هذا. وهذا غير مستبعد ولا مستغرب. فقد عرف حميد بالخسة وسوء السمعة، وفعلاً عمل بعد هذا في سلك الجاسوسية، وقد أشرت إليه دون ذكر أسمه أثناء الحديث عن انقلاب ياسين الهاشمي عام 1935. وقد أسقطت الجنسية عن مهدي هاشم مع من أسقطت عنهم عام 1937 وطرد من العراق. فعاش بين إيران والإتحاد السوفيتي، ثم عاد بتوجيه من حزب تودة وعمل في الأحواز. وطلب الحزب الشيوعي العراقي من حزب تودة إرسال من يعتمد عليه للعمل في شأن معين لأمد محدد. فأرسل حزب تودة مهدي هاشم أواخر عام 1942 على ما أذكر. وبعد مدة من اشتغاله، ظهر انه قد تدخل بشؤون أخرى لا تخص ما أنتدب له. فساءت العلاقة بينه وبين مسؤولي الحزب فكتبوا إلى حزب تودة باستدعائه. وهكذا عاد.
ولم يعد للعراق إلا عند ثورة 14 تموز عام 1958. وقد عمل مترجماً في الإذاعة عن الفارسية، ولكنه لم يلتحق بالحزب الشيوعي العراقي. وحين منح عبد الكريم قاسم داود الصائغ حق تأسيس حزب شيوعي عكس ما كان متوقعاً، فقد شاع أن له اليد الطولى في تشجيع داود على ذلك. وداود الشيوعي العريق -غير خفي عليه- إن زعامته تلك لا تدل على ثقة عبد الكريم بشيوعيته بقدر ما تدل على انه أتخذه آلة لشق الحركة الشيوعية وإضعاف الحزب الشيوعي، إذ ليس أهلاً للقيادة من يساوم الحاكمين من أجل حياته، وقد سبق لداود أن تنازل في العهد الملكي عن النضال. وكل من أشترك في الحركة النضالية مع الحزب الشيوعي يعرف هذا.

في القرنة حين توقفت السيارة للاستراحة، وجدت أخي وزميلاً له في مقهى، حيث يستريح ركاب السيارات الوافدة من البصرة وإليها. وحدثت أخي عن "الصديق" وما طلب. فأشار إلى زميله "أرأيت؟".
وعلمت بعد ذلك إن هذا الصديق قد خرج على جماعته، وعاد إلى مأمنه. يبدو إن أخي صمم على التفرغ لشؤون النضال، وخوض غمرات السياسة. ولكن ظل لفترة بين بغداد والعمارة، حتى وصل أمر فصله من وظيفة التعليم في 12/11/1943، فقد أستقر في بغداد، ولا يزورنا إلا لماماً.

بعد نقله قربني المسؤول أكثر من السابق، صار يعتمد عليّ في تبليغ الرفاق بما يلزم أو يجد من التعليمات. وذات مرة قرأت تذكرة صغيرة وردت من مسؤول خط الفرات "ديوانية، حله، كربلاء" فيه استغراب لوجودي واحداً من أربعة في أدارة الشؤون، جاء هذا تعليقاً على أعلام مسبق عن دعوة للحضور إلى بغداد. كان هذا المسؤول هو المحامي داود الصائغ، طبعاً عرفت من ارتباطي به وبآخر من أهالي الديوانية، ولم يصرح هو بهذا. والظاهر إن مسؤول النجف قد رشحني إلى جانبه للحضور، كنت إذ ذاك أحمل أسم "صخر" وأعقبه بعد فترة استدراك، فجاء منه بالذات على ضرورة حضوري مع المسؤول ورفيق آخر، وعني يقول: "ولا بأس بثالثة الأثافي صخر". وأخيراً اكتفى المسؤول بي وحدي للسفر وأعتذر هو، لماذا؟ إلى الآن لست أدري.

* * * *
الجو مشحون، فالحرب يتسع ميدانها، وتشتد كوارثها، ويتقارب أعداء النازية –الحلفاء والإتحاد السوفيتي- لذا عقد اجتماع مؤلف من الأقطاب الثلاثة "روزفلت، تشرشل وستالين" للتداول في شؤون هذه الحرب الطاحنة.
ألقى روزفلت خطبة، وتشرشل أخرى، وستالين ثالثاً. أشار الأولان إلى دوام الحرب هذا العام لأن العدو مازال قوياً وهو يملك الآن 400 فرقة! وأشار ستالين في خطابه إنها ستنتهي إذا عجلنا بفتح الجبهة الثانية. أعلنت هذه الخطب في 18/11/1943 بمناسبة ثورة أكتوبر.
في كل منتدى يلتقي فيه اثنان أو أكثر يكون الحديث عن هذه التكهنات، ويتساءلون صحيح إن الحرب تنتهي إذا فتحت الجبهة الثانية؟ فالعدو أصبح منهوكاً لا حول له على الحرب في جبهات متعددة، وإذا فتحت هذه الجبهة تكون هذه السنة بداية النهاية، وليس النهاية. جيوش هتلر البربرية ترمي بكل ثقلها في الميدان الأهم –بلاد السوفيت- الحلفاء في حقيقة الأمر، يودون الانتظار حتى يقضى هذان العملاقان أحدهما على الآخر.
وفرنسا ترزح تحت كابوس الاحتلال النازي. والمقاومة السرية فيها تشتد ضراوة، ولن يخفف من وطأة هذا الاحتلال غير فتح الجبهة الثانية.
لقد أعلن ستالين حل الكومنترن، فحدثت في العالم ضجة تساؤل عن هذا الحدث. فيه كثير من الهمز والغمز حول مهمات الكومنترن بعضهم يقول، انه رشوة يقدمها ستالين للحلفاء، ويعقبون إن هذا خيانة لشيوعيي البلدان المرتبطين بهذه المنظمة؟
من الصدف أن يجيء إليّ صديق، كان مغرماً بستالين وهو يتميز من الغيظ، وصاح بوجهي "آه لو صح الحلم الذي رأيت، يا للعار يا للخيانة إذا تحقق هذا؟!"
قلت: "ما الذي حدث؟".
أجاب: رأيت في الحلم إن ستالين يصلي في الصحن الحيدري خلف إمام الجماعة الشيخ جعفر البدري وعن بعد رأيت صالح شمسه ينظر إلي باسماً، ثم ناداني وقال "أنظر، هذا هو المثل الذي تقتدون به. أنظر خلف من يصلي، ومتى عرف الصلاة؟".
ضحكت لانفعاله، انه حلم. ثم قلت: "الصلاة تعني السلام والطمأنينة على قلوب المؤمنين. أفي هذا شك؟".
- ولماذا خلف هذا بالذات، وكلنا يعرف انه العدو الأكبر لحركة المشروطة؟ والنصير المتحمس لخصوم الشيخ الخراساني، ووسيط الإنكليز ضد ثورة النجف السيد كاظم اليزدي.
- قل ما تشاء ربما معناه انه يرمز للحلفاء وقد تقاربوا لمساعدة السوفيت". كان هذا قبل أن يلتقي القادة الثلاثة!
ماذا يفعل ستالين من أجل السلام إذا كان الحلفاء يخشون هذه المنظمة "الكومنترن"؟ فعل ستالين هذا، من أجل توحيد الجهود لدحر العدو المشترك. فهو الضمانة المطمأنة لهم. وهذا لن يضر وحدة الشيوعيين عالمياً.
وفي يوم 26/11/1943 أصدرت الوزارة عندنا تعليمات بالسيطرة على الأقمشة القطنية والقهوة والسكر والشاي. لابد إن هذه المواد ستصيبها الشحة، وهي حاجة الغالبية، ولم تشمل الأقمشة الحريرية والصوفية، لأنها حصة الذين يستطيعون شرائها بما تستحق.
الناس راحوا يستبشرون خيراً. روزفلت خطب في 25/12/1943 معلناً فتح الجبهة الثانية، وعين أيزنهاور قائداً لها.
ستحرر فرنسا حتماً من الاحتلال النازي. فديغول مع الجبهة الثانية، والمقاومة السرية من داخلها، وقد حشد لها الشيوعيون ما استطاعوا، ولمقاومتهم وشدة بأسهم وأساليبهم في المقاومة صدىً، يتغنى به أحرار العالم. لقد وقف أحد رجال المقاومة، الطاعن في السن، على كرسي المشنقة، وقد جمع البرابرة المحتلون كثيراً من الفرنسيين ليشاهدوا الإعدام، يريدون بهذا إرهابهم وإخافتهم. ولكن هذا الشيخ الشجاع، وقد جاوز من العمر السبعين عاماً ويدعى"فرنان غرينيه"، كان يهتف بالجماهير: لا تخافوا، قاوموا الغزاة! فلو عدت للحياة مرة ثانية لم أفعل إلا ما فعلت!.
أنا واثق إن ميزان الحرب سيتغير، وستبدأ نهاية الغزاة، ستنتهي الحرب، فهل سيحل السلام، وهل يشمل الأرض كلها؟

المثقفون والمبادئ
نحن المثقفين هل نقوى على السير قدماً والى النهاية، دون انحراف؟ أيمكن أن نعمل دائماً بدون غرور ومع نكران ذات!؟ أعتقد إن هذا أمر صعب للغاية. وخصوصاً في مثل الهدف الذي يعمل من أجله الشيوعيون. فالفكرة الاشتراكية تقرر إن الاشتراكية هي هدف ومصلحة الطبقة العاملة، التي أنصب عليها غضب الطبقة الرأسمالية والاستعمار، ولاشك إن للطبقة الرأسمالية مفكريها ومثقفيها، الذين يخططون لها، ويفلسفون أمر وجودها. ولها أيضاً مؤسساتها وجمعياتها ووسائل أعلامها من صحف ودور سينما وغيرها. وهي إلى ذلك لا تبخل بالمال من أجل نشر ما تصدره من كتب ومجلات وجرائد، وطبع الأفلام التي تستهوي الملايين بينما هي سمّ قاتل، ومدمر للأخلاق والتقاليد، ومثير لغريزة الجنس إلى حد التفسخ، وتحويل لطاقات الإنسان عن الأعمال الخيرة إلى تفنن في أساليب الأجرام في القتل والنهب.

صحيح إن أية فكرة لا تستغني عن المثقفين، ولكن أي مثقف لن يكون مخلصاً في عمله إذا لم يندمج بالفكرة، وبالطبقة التي تكون تلك الفكرة ضوءها الكشاف في طريقها الشائك البعيد، والذي تخيم عليه سحب الريب والشكوك التي يُثيرها فلاسفة الطبقات المستغلة، ويصبها أدباؤها في قصص تبدو وكأنها ترثي للإنسانية التي طبعت على الظلم والأطماع من يوم نفي أبو البشرية آدم من الجنة. كما يقول الشاعر:

"أبوكم آدم سن المعاصي وعلمكم مفارقة الجنــان"

الطبقات الرأسمالية، والإقطاعية وسائر الرتب التي هي أقرب إليها في مطامح الكسب والاستغلال وان كانت تتأرجح أحياناً، وأحياناً كثيرة تقلد الرأسمالية في أساليب حياتها وأفانين حيّلها في الاستئثار بخيرات الحياة، وتشيع شتى أساليب التخدير للفئات الكادحة المعدمة.

المتنعمون المحتكرون هم من يؤيدهم، هم الذين أشاعوا أو ابتكروا فلسفة الرهبنة، والدروشة، والزهد وما ينتظر الزهاد، والعازفين بدلاً عن لذائذ هذه الحياة، من نعيم في -جنة الخلد- ويصرفون أنظار هؤلاء عن أولئك الذين ما نعموا إلا بكدح هؤلاء. بأن لهم الجنة، بما صبروا، ولأولئك النار خالدين فيها. من أروع ما قرأت في معنى الزهد كلمة للإمام علي "ليس الزهد أن لا تملك شيئاً بل الزهد أن لا يملكك شيء".

لقد أصيب الحزب بهزات عنيفة. السبب انحرافات بعض أعضائه البارزين، ذنون أيوب، وعبد الله مسعود ألقريني، ثم داود الصائغ ، وكلهم سلّوا سيوفهم وحملوا معاولهم لا على الاستعمار، ولا الطبقات المستغلة، وإنما على الحزب. كل ذلك لأنهم يطمحون أن يستقلوا بقيادة الحزب. ولا غرابة، فهم مثقفون وليسوا بكادحين، والمثقف حين لم يكن من الجياع أو المهدد بالجوع، يكون مترفعاً. أن تكون قيادة الحزب الذي ينضم إلى صفوفه بيد كادح تعلم من حياة الكادحين نظرية وأساليب الكفاح. إنها أنانية المثقف البرجوازي!

لداود الصائغ كلمة رائعة هي "إذا رضي عني عدوي، عليّ أن أعيد النظر بسيرتي". وبانشقاقه أصدر جريدة باسم العمل لسان حال حزبه الذي سماه "رابطة الشيوعيين العراقيين" صدر العدد الأول منها في 1/11/1944. وكان هو الذي أكتشف عبد الله مسعود ألقريني بعد انشقاق ذنون أيوب "قادر" عام 1941. أما ذنون فقد كان انشقاقه أن هيأ أربعة ممن كانوا في التنظيم ، وتظاهر انه وسيط يحمل مقترحاتهم الأربعة وهي:

"1- على الحزب أن يدعو لمؤتمر ويسن النظام الداخلي والمنهاج.
2- عليه أن يوضح ويعلن رأيه في الدين؟
3- أن يوضح رأيه في المرأة!
4- يجب أن يكون سكرتير الحزب مسلماً لا مسيحياً لأن أكثرية العراقيين مسلمين".

لهذا قام فهد وجماعته بإصدار جريدة باسم "القاعدة" في كانون الأول 1943. ولداود أعمال ارتجالية يستبد بها منفرداً وبدون مشاورة، وقد سبب غلق مجلة "المثل العليا" إذ نشرت مقالات لم تعرض على "قلم الدعاية الرسمي" وكانت المجلة لشخص غير حزبي، تنشر الممكن للعلن من الآراء التثقيفية، فأغلقت.
حين أصدر الحزب صحيفة القاعدة، كتب فهد كثيراً من المقالات حول الكتل الانتهازية. وأشار إنها سوف لن تستمر لأن النضال لم يكن هدفها الأساسي. إنهم يحبون الزعامة أكثر من أي هدف آخر. وان بعضهم ليترفع أن ينظم إلى خلية يترأسها عامل.

لم يهدف فهد فيما كتب ضد المنشقين الانتهازيين شخصاً. أبدا، كان يفضح الانتهازية، والأسس التي تبنى عليها، ويكشف عن الجذور التي تدفع إليها، دون التعرض لهم خاصة. هذا بعد نظر رائع لديه. فربما انتبه بعضهم للهوة التي يقع فيها، ويعود إلى صفوف حزبه. قامت الشرطة مرة بحملة تفتيش علم بها الحزب مسبقاً، فأرسل إلى "عبد الله مسعود القريني" ينبهه لأخذ الحذر. وأجاب القريني جواباً بعيد عن اللياقة "ليس في الحقيبة غير فُتات الخبز اليابس؟!".
عدة مرات ذهبت إلى بغداد. لم أجد أخي حسين. كان اتصالي بعد داود بالرفيق حازم. ولقد اسرّ أخي إليّ انه سيكون بعيداً عنا، سيعبر الحدود، وقد تطول إقامته هناك. كان ما أسرّه إلي على أثر استقالته من التعليم. والغريب أن تذكري المفاجئ له كان بعد انشقاق داود!.

وأدركني الحنين إليه فجأة، وبدون تفكير سابق، تصاعدت زفراتي وتراءت لي الحدود التي قال عنها، تصورتها صحارى شاسعة، مترامية الأطراف، وتمثل لي شبحه بقدّه الأهيف النحيل، يقطعه بخطواته العريضة، واحسرتاه عليك يا حبيبي. هل سأراك ثانية؟ لماذا تصورت الأمر هكذا، ونقشت الصورة على هذه الكيفية؟ لست أدري. ربما غلبت عزيمته التي اعرف إنها اندماج متناه بعقيدته، فتصورته لهذا يقطع المسافات راجلاً.

لعل الدنيا بخير. نائب الوصي على العرش "الأمير زيد" خطب في 1/12/1943، يعد بعودة الحياة الديمقراطية. فتأهب نخبة من الشباب بطلب تأسيس حزب باسم "حزب الشعب". هم كل من المحامي توفيق منير، المحامي يحيى قاسم، عبد الرحيم شريف، عبد الأمير أبو تراب. ولكن الطلب لم يجب. وراحت القاعدة تساند الطلب وتحث المواطنين على تأييدهم. لقد أستمر هؤلاء الشباب بمطالبتهم. ووصل إلينا نسخة من النظام الداخلي والمنهاج للحزب المذكور. فرحنا ننسخ عليه صوراً، ونتدارسه ونبشر به.

والليالي من الزمان حبالى، كالحات يلدن كل عجيب، وكل آتٍ كما يقولون قريب.
 

يتبع


السويد ‏18‏/11‏/2010‏


من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)



 

free web counter