د. ماجدة غضبان المشلب
Masaash2000@yaoo.com
الأحد 26 / 10 / 2014
بئر أبي ذر الغفاري
د. ماجدة غضبان
البئر أظلم عميق..
سمعت صراخهم..
- أتسمعون يا رفاق؟، هنالك من يصرخ..
- عاد لما كان عليه..
- أنت تسمع ما لا نسمع، و ترى ما لا نرى..
- عدت الى جنونك من جديد..
- الدليل اننا خمسة افراد، و لم نسمع شيئا..
حطمت دائرة الأذرع المغلقة، المبطنة بضحكات السخرية و الاستهجان..
- الى أين ذاهب؟
تدلت اصواتهم في الهواء كثمار مجوفة..
- الى البئر حيث يصرخون..
- دعه انه مجنون..
- لن يجد البئر، و سنكون في استقباله بنكات لاذعة..
- سيكون تسليتنا الوحيدة هذا المساء..
غادرتهم مسرعا، و انتهى لغطهم عند الخط الفاصل بين الشمس و حمرة البحر الهاديء حتى ذاب كعدم لم يكن..
الى الأمام، و على بعد بضعة خطوات انفجر بركان الصرخات..
تناثر الزعيق و كلمات الغوث كالحمم من فوهة بئر يقذف ما فيه نحوي بغضب و قوة..
بخار و دخان و عواء بشري مرعب لامس جلدي دون أن أشعر بحرقة أو ألم..
- من هناك؟..
- نحن هنا في الأسفل..
بدا التشابه بين الأصوات التي ودعتني بسخريتها قبل قليل و بين بوق الاستغاثة الجماعي واضحا..
- من انتم؟
- من سخر قبل لحظات منك..
- كيف سقطتم في البئر، و قد تركتكم خلفي؟..
- لا ندري.. هات لنا بحبل، و اربطه بصخرة لعل احدنا يخرج و يعين من بقي على الخروج أيضا..
- لا أملك حبلا..
- مد لنا يدك..
- البئر ليس عميقا..
- لكنه شديد اللزوجة..
- لا نستطيع التسلق نحو الأعلى..
تدلت ذراعي صوب عتمة شديدة..
- هل ترون يدي؟
- اني ارى سبابتك
- انا لا ارى سوى ابهام..
- لا ليس هناك سوى الخنصر..
- كلا انه بنصر فحسب
- ايها الحمقى هذا اصبع الوسطى و لكنه شديد الضخامة..
شعرت بابهامي يكاد ان يتحطم تحت ضغط يد هائلة الحجم..
- اترك ابهامي و امسك بيدي كلها..
- الظلام شديد لا ارى سوى الابهام..
- انا سأتعلق بالخنصر فهو واضح امامي جدا..
- انا سأمسك الوسطى الضخمة..
- و انا لدي السبابة..
- و هذا البنصر يبدو لي كعمود كبير..
- ايها الاغبياء اتركوا أصابعي.. انكم تسحبونني نحو الظلام، اتركوا أصابعي، ليمسك أحدكم بيدي كلها، لا يمكن ان اخرجكم جميعا..
كادت أصابعي ان تغادر أماكنها، و الايادي تطبق عليها و باصرار شديد..
أصبح نصف جسدي في عتمة الهوة..
رفست الارض بساقي و انا اقاوم السقوط..
- اتركوا يدي..
تمادت صرختي برفرة نحيلة مغتالة سكون خمد بين أرض و سماء.. الا انها كانت متأنية بموازاة سرعة التهام الهوة لي..
أحاط بي الظلام و اللزوجة معا..
سمعت قهقهة أحدهم في الأعلى حيث لم يعد بامكاني ان ارى أي شيء..
- انظر الى هذا الغبي، قد رمى نفسه في بئر عميق لا قرار له..
- قد صدق حقا ان هنالك أناسا في البئر..
- صدق الاصوات التي ضجت في رأسه..
- هذا الجنون بعينه..
- اتركوه في البئر، انه يستحق البقاء هناك..
ابتعد ضجيجهم.. ساد الصمت بعد رحيل آخر خطوة..
أحاط بي طوق هائل من أشواك الوحدة و اليأس و بدا كأنشوطة مشنقة معدة لقتلي..
لا أظنهم سيسمعون صراخي.. ، فهم لا يسمعون ما أسمع..
و إن سمعوا.. فلا أظن ان لديهم رغبة برؤيتي على وجه الارض مرة اخرى..