مزهر بن مدلول

 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

الخميس 29/4/ 2010

 

محاولة في الرمال

مزهر بن مدلول

لامجال للتراجع ، رغم ان الحرارة اللاهبة تلسع الجلد وتثقب العيون ، لكنه بحاجة لأن يصل ، يريد ان يكتشف ذلك النوع من البشر، الذين يعيشون بطمانينة وسلام دون خوف او قلق ..
الطريق طويلة وخالية من الظلال .. شمس معلقة في قلب السماء ، تفرض سيطرتها المطلقة ، وتندحر امامها اي رطوبة .. رمال مصبوغة بلون الدم ، وتنبعث منها رائحة موت مدفون .. سراب هائل ، يشبه جيوشا غائرة تحاصره من جميع الجهات ، ويمارس معه لعبة الخديعة ، يتجسم باشكال عديدة ، تارة على شكل جبال شاهقة مخيفة ، واخرى يراه بحرا هائجا يزحف نحوه..
لا توجد في هذا المكان مضارب للبدو ولا كلاب تنبح ، لا غدير ماء يستطيع ان يصمد امام هذا الحريق الواسع ، ليس هناك عشب ولا ارنب ولا شئ سوى الضمأ ..
في داخله يندفع بعنف نهر من الخواطر والاحلام والذكريات ، ذكريات بدتْ وكأنها اطول من سنوات العمر كلها ، اصوات صبايا مثل غناء العصافير في صباحات مشرقة ، نوافذ الازقة ، التي تستقبل بعضها بالهمس والابتسامة ، ثرثرة العجائز التي لا تنتهي عن الموت الذي بات قريبا ، عيون الحبيبة السمراء ، تلك هي زهرته البعيدة ، جسدها المجنون في لحظة غياب العقل ..
راودته فكرة ان يصرخ باعلى صوته ، ان يستغيث بحضن امه ، التي لم تفرح لحظة واحدة في حياتها ، يستنجد بدفئه من هذا التيه الرهيب ، وان ينبش الرمل باظافره ، لعلّ في ذلك اختصارا للمسافة ..
غطى جسده الغبار الثقيل بعد ان امتزج مع العرق الغزير ، ودب العطش في خلاياه ، دخل الجفاف الى جوف احشاءه ، كأن الصحراء تريد ان تثأر لضمئها منه ، تحسس الماء في قربته ، كان يغلي ، بلل شفتيه بقليل منه فانبعثت رائحة لحم مشوي ضاعفت من ضمئه ..
الى اي مكان يقصد صاحب القلب الابيض ذو الخفقات الناعمة ..في اي اتجاه تسير ايها النسيم دون بوصلة.. ما الذي يدعوك للهروب من الموت الى الموت .. انت سليل القرى والانهار والافياء ، اي مغامرة قذفت بك بين انياب هذا الوحش العتيد ..اهو الغضب الذي يهدر في الاعماق ، ذلك الذي كان الشرارة الاولى لاندلاع الهمجية والطغيان!؟ ..
شتم في سره اولئك الفلاسفة والشعراء ، الذين كان شعارهم في الحياة دائما (لا ادري) ، لقد قدموا لنا افكارا والحانا وكلماتا جميلة ، لكنهم لم يقدموا لنا حلا للخلاص من الاهوال التي تصادفنا كل يوم ، تركونا وحدنا امام امتحان الذات ..
الزمن في هذه الصحراء المستبدة العاتية لا اسم له ولا عنوان ، وهو مازال يحلم بلحظة مفاجئة ، يحملها له ملاك جميل ، ملاك يخرج من العالم السفلي المكتظ بالاسرار والعجائب .. لحظة يستريح فيها على عشب طري كما لو انه امرأة لعوب انتظرها من عصور سحيقة ، نامت في حضنه وصفعته في الصباح دون حياء ..
مالتْ الشمس الى اقصى الغرب ، عرف ذلك من ظله الذي اخذ يطول ، لمح نسرا يحلق في كبد السماء ، هبّ نسيم يوحي بقدوم طقس اخر، فبدأت آماله تتصاعد وعاد النشاط الى عروقه ، يجب ان يصل الى المكان الذي تتاح له فيه حرية العبادة قبل ان يحل ظلام الصحراء الذي يثير الفزع في النفوس ..
صمت عظيم ،لامتناهي ، يدل على مدى تفاهة المخلوقات امام هذا العالم الغامض المفجع الملئ بالاسرار والحرائق ..
شعر بوخزة حزن شديدة تخترق العظام ، حين تراءى له ، انه سيكون جزءا مضافا الى هذا اللغز الكبير ..
ترى ماذا سيحدث لو انه لم يصل الى المكان الذي يقصده ؟!.. داهمتْ رأسه اسئلة كثيرة ليس هناك من يجيب عنها سوى شفقة الالهة ..
هده التعب ، جفت مياه جسده ، قدمان غارقتين في النوم ..عينان تحملقان في الافق البعيد ، يتوسلان نخلة او جمل ضائع .. النهار تحتضر بقاياه .. ساعات رملية طويلة مشاها ، ومازالت هناك ملايين من الخطى المتبقية اغلبها يؤدي الى الفناء ..
راح الظلام يدحر اخر الخيوط الحمراء ..استيقظت كوابيس التاريخ كلها في اللحظة المعتمة ..كل شئ ينقرض وكل شئ يختفي في الظلمة المأهولة بالغياب ..
تهالك منخور الاعماق على كثيّب رملي صغير .. تسللتْ نظراته الحالمة الى السماء .. نجوم تتلألأ صافية وبعيدة ، متشابكة بفوضى عارمة لم يألفها من قبل ..
النار سيدة الليل في هذا المكان كما يقولون ، هي التي تحميه من الذئاب التي بدأت تعوي ..تتنادى ، مبتهجة لهذه الوليمة القادمة ، فمن اين يأتي بالنار وكيف ؟!..
اخذته دوامة من اعاصير الخوف والعطش والارهاق الجسدي ، هجمتْ مرة واحدة وألقتْ برأسه في غيبوبة عميقة ..
في ذلك الفجر كانت نجمة وحيدة باقية .. مجموعة من رجال حرس الحدود يسحلون جثته على صفيح بارد لسيارة مكشوفة

 

 

Counters