| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

رفعت نافع الكناني
 refaat_alkinani@yahoo.com

 

 

 

الأثنين 8/12/ 2008



لا حرية لشعب يضطهد المرأة ويسلب حقوقها

رفعت نافع الكناني
Refaat_alkinani@yahoo.com

نود ان نبدأ الموضوع بطرح السؤال التالي، هل يمكن لنا ان نطالب بوجوب اقرار واحترام الحريات الشخصية للأنسان ونناضل من اجل دعم مسيرة التحرر والديمقراطية في العراق ؟ وعلى الجانب الآخر من المعادلة، هناك ما يقض مضاجعنا من اعمال عنف وممارسات عدوانية شرسة تتعرض لها المرأة في مجتمعنا والتي تشكل نسبتها اكثر من نصف مجموع المجتمع، وتتمثل بالعنف بمختلف انواعه، واضطهادا لشخصها وكرامتها ، وتهميش لدورها وكيانها في المساهمة الفاعلة مع اخيها الرجل في بناء المجتمع الحضاري المتمدن الذي نحلم به. ان معالجة هذه الظاهرة هي مسؤولية الجميع دون استثناء، والمساهمة الفاعلة وعدم ترك المرأة وحيدة تصارع في الميدان لنيل حقوقها .

المرحلة الجديدة، مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ العراق الجديد، تفرض علينا وعلى الحركة النسوية اساليب عمل مستحدثة ومواقف صلبة وذهنية متفتحة وطرق عمل تنظيمية مبتكرة، لغرض المشاركة وفرض ارادتها على مسرح الاحداث، في الحصول على مواقع متقدمة في الهرم الوظيفي في الدولة والمجتمع جنبا لجنب مع اخيها الرجل. حيث يجب النظر للمرأة وقضاياها برؤية مستقبلية تتسم بالتحرر والانطلاق بعيدا عن مظاهر التخلف والتعصب والانغلاق، والعمل على ازالة تركة الماضي الثقيل وأفكاره، التي تقول وتصرح بأن الكلام عن حقوق وحرية المرأة، ما هو ألا شعار يراد منه الخروج على الاعراف والتقاليد الموروثة ومعارضة ما تفرضه الاديان من التزام يستوجب على المرأة التمسك به من دون جدال، فالخروج على هذه القيم والتقاليد الموروثة عن الاباء والاجداد في نظر تلك الافكار يؤدي ويوصل المجتمع الى حالة من التفكك الاسري والتحلل الاخلاقي !!

يضاف الى ذلك، الى ان هناك مشكلة كبرى يتميز بها مجتمعنا، وهو التمايز الطبقي الموجود داخل المجتمع نفسه من خلال القهر والحرمان والظلم التي تعيشه المرأة وما يوجه لها من ضغوط تتمثل بثقافة العنف والكراهية التي يتحلى بها الرجل وما يملكه من نرجسية، تفقد المرأة شعورها بالامان والاستقرار والطمأنينة، والذي يؤدي الى ان يتولد ويتراكم في داخلها تراث طويل حافل بالخوف والكبت والضغوط الكبيرة من المجتمع والبيت الذي تعيش فيه على حد السواء .

كما ان الاسباب التاريخية تلعب دورا خطيرا في ذلك، حيث ان الرجل قد لقن المرأة منذ البداية وعلى مر الزمن على انها تختلف عنه فلا يصح ان تطالب بالمساواة او تطالب الرجل بما له من سلطات، فاستغلال المرأة واستعبادها والسيطرة على كيانها متغلغل في النفوس منذ اجيال طويلة حتى اصبح استعبادها وتهميشها عادة وتقليدا تحظى بالقبول ، فضلا على ان اغلب القوانين والنظم السياسية على مر التاريخ كانت تسبغ صفة الشرعية والقبول على تلك الاوضاع المزرية ويباركها الفرد والمجتمع. فالقوانين اليونانية والرومانية القديمة وما حوته تشريعات حمورابي، كلها كانت تنظر الى المرأة على انها سلعة تباع وتشترى وتفرض عليها فروض الطاعة والعبودية من خلال العمل الشاق والخدمة المذلة والمهينة، بل وصل الامر في تلك الازمان، ان تدفن المرأة مع الزوج عند وفاته. ومن المهم ذكره اضافة لذلك، ما للأعراف والتقاليد القبلية والعشائرية في الوقت الحاضر من سنن وقوانين تفرض على المرأة والمجتمع الأخذ بها مثل النهوة والفصل والقتل لغسل العار والتأديب والزواج المبكر للفتيات القاصرات، وما تتعرض له الأناث في قرى كردستان العراق من عمليات الختان الجائرة والزواج المتبادل او ما يعرف بالعامية ( زواج الكصة بكصة ) حيث تقدم المرأة على انها عبارة عن ( جسد ) لخدمة الرجل جنسيا وتنفيذ ما يطلبه منها من رغبات وخدمات كتربية الاطفال وكافة الاعمال الصعبة والشاقة، مما يولد لها أثارا نفسية عميقة قد تكون في بعض الاحيان أشًد من العنف الجسدي نفسه. حيث ان الاثار النفسية ونتائجها تترسخ عند الضحية لفترات طويلة وتؤثر على سلوكها وصحتها وكرامتها نتيجة هذا الاذى والاذلال والحرمان.

ان هذه النظرة الدونية للمرأة في نظر هذه الاعراف والتقاليد يراد بها ايصال رسالة يفهم منها على ان المرأة ناقصة عقل وأهلية ولا يمكن ان تكون مساوية للرجل فكرا وكفاءة، وأخذت في الآونة الاخيرة بعض من مواقع الانترنيت تشن حملة شرسة ضد المرأة، تسوغ لهذه الافكار من قبل بعض الكتاب المقيمين في دول الجوار تنظَر وتروج لثقافة العنف والكراهية لشخصية المرأة من خلال مقالات عديدة تدعو للحط من كرامتها وقيمتها وكيل التهم الفارغة وتخمين ما يدور في خلدها بطريقة افتراضية بعيدة عن الواقع، وبأسلوب قبيح وفج يتسم بما تحمله افكارهم وعقولهم من انفصام مزدوج في العقل والشخصية !! ماذا يريد هذا البعض من ( الكًتبة ) الوصول اليه من خلال كتاباتهم المتوحشة هذه، وما تحمله من سيل التهم الباطلة والاكاذيب الملفقة ضد اجمل وأرق مخلوق في هذا الكون ؟

في حين نرى في الجانب الآخر المضيئ والمتفائل ، ان اعظم العلماء وادَقهم بحثا يرون ويؤكدون على ان المرأة مساوية للرجل في القوى العقلية وتفوقه في الاحساس والعوطف !! وهناك شواهد كثيرة تثبت ان لها الريادة والصدارة في بعض الاحيان وفي اكثر من مضمار وكمثال على ذلك نورد نموذجين الاولى لجيل الرواد في القرن الماضي والثانية للجيل المعاصر في القرن الواحد والعشرين ... وكمثال للنموذج الاول ، المرحومة الدكتورة نزيهة الدليمي والتي كانت اول وزيرة في تاريخ العراق واول امرأة تعين وزيرة في العالم العربي. وقد اسهمت بشكل فعال في دعم وتشريع قانون الاحوال الشخصية الرقم (188) لسنة 1959 والذي نص على الكثير من المكتسبات للمرأة العراقية، وتم الغاءه من قبل مجلس الحكم في عهد بول برايمر واستعيض عنه بقانون جديد للاحوال الشخصية ينظر بخصوصية كل طائفة في العراق، والذي يثير كثير من الجدل حوله في الوقت الحاضر . اما النموذج الثاني فتمثله بجدارة المهندسة المعمارية زها حبيب والتي تعتبر من اشهر معماريي العالم حيث ان هذه المهندسة العراقية قد حصلت على المرتبة (68) من اقوى نساء العالم حسب التصنيف السنوي الذي تعلنه مجلة الاعمال فوربس (
Forbes ). والثالثة من اشهر واغنى النساء في بريطانيا. ولها مساهمات معمارية فريدة في ابداعها في اغلب دول العالم، وتم مؤخرا اختيارها من ضمن اشهر واكفأ المهندسين المعماريين في العالم، للمساهمة في مشروع توسعة الحرم المكي ليصل الى طاقة استيعابية لنحو ثلاثة ملايين حاج في موسم الحج .

اضافة للعدد الهائل من الشخصيات النسوية العراقية التي فرضت نفسها وبجدارة على الواقع العراقي وخاصة بعد ثورة 14 تموز 1958 من خلال المساهمة الجادة والفعالة في قطاع التعليم والصحة والهندسة والعلوم والاداب والفنون...الخ اضافة لمشاركاتها ومساهماتها الفاعلة في تنظيمات الحركات السياسية بمختلف اطيافها ، وقيادتها للحركات النسوية ومنظمات المجتمع المدني بكل جدارة واقتدار .

مما تقدم يتوجب على كافة اطياف المجتمع العراقي، بقيادة مثقفيه وكوادره العلمية وحركاته السياسية، ان ترفع شعار للمرحلة الجديدة القادمة ( لا لظاهرة العنف ضد المرأة... ونعم لمنحها حقوقها المدنية والسياسية ). وذلك من خلال العمل الجاد والفعال لمنحها مزيدا من الحقوق المدنية والسياسية والدستورية، والعمل على تطوير وتحديث قانون الاحوال الشخصية ليساير العصر وقوانين التطور التي تنظم حركة المجتمع. والعمل على ترسيخ أسس وقيم جديدة لثقافة المجتمع، والاسهام في احداث نقلة نوعية في نظرته للمرأة، فالتشريعات والقوانين وحدها لا تكفي لضمان حقوقها، والحفاظ على كرامتها وآدميتها، بل يجب ان تكون هناك برامج عمل وجهود كبيرة مكثفة لبث الوعي وتطوير الحس الثقافي والارتقاء بالسلوك الاجتماعي لمختلف قطاعات المجتمع، ومواجهة كافة الآراء والمشاريع التي تريد ان تبعد المراة عن اداء دورها المطلوب في البناء والاعمار. فلا يمكن ان نقبل بافكار يتمسك البعض فيها ، بالضد من التوجه العام لقوى المجتمع المتطلعة للارتقاء والتقدم ، واحترام حقوقها كانسان اولا ، وكشريحة تمثل اكثر من نصف المجتمع العراقي ثانيا.

كما ان النهوض الذاتي للمرأة لا يمكن ان يأتي إلا من خلال ايمانها الراسخ والثابت بأهميتها كعنصر فعال ومؤثر لا يمكن ان تتنازل عنه مهما اعطت من تضحيات ، كما أن ثقتها المطلقة بدورها الخلاق يساعد على تحقيق ذاتها في رقٌي وخدمة المجتمع، لانها تمتلك من الامكانات ما يحقق ابداعها وطموحها وتطوير قدراتها، بالرغم من ان الكثير من الرجال يعتريهم الخوف والتوجس من ابداع المرأة وتفوقها، لذلك يشيعون انها عاجزة عن مجاراة الرجل في تقلد المناصب السياسية والادارية العليا في الدولة، وبالتالي وصفها بأنها اقل منه عقلا وأدراكا للامور. صحيح ان المرأة العراقية عانت ما عانت من الانظمة الجائرة والتي اهدرت حقوقها وكرامتها وما جلبته لشعوبها من ويلات ودمار جراء الحروب العبثية المجنونة، وما ترتب عن تلك الحروب من نتائج كارثية ومآسي اثقلت كاهل شعوبها، ألا انها تحملت الجانب الاكبر من وزر تلك الحروب ، بسبب فقدانها للزوج او الاب او الولد او الاخ وما ترتب عن ذلك من ترمل ومعاناة وضياع مستقبل اطفالها وتحملها شظف العيش وما لحق بها وعائلتها من امراض وقلة فرص التعليم ، واغتيال حلمها بالعيش الآمن والحياة السعيدة.

اضافة لما عانته وتعانيه من الضغوط النفسية من ممارسات الارهابيين والعصابات الاجرامية نتيجة القتل والتهجير والخطف واعمال الاعتداء السافر والهمجي على حقوقها وحريتها والتدخل في ابسط حقوقها ، لدرجة تصل الى فرض الزي الذي يجب ان ترتديه. مما جعل المرأة العراقية تعيش حالة من اليأس والاحباط من هذا الكابوس الذي تتعرض اليه، اضافة لما ذكر سابقا من معاناة الفقر والتشرد والبطالة، التي لا يمكن ان تقف الدولة ازاءها موقف المتفرج، حيث ان هذه الضغوط والمعاناة اصبحت تفوق قدرتهن على استيعاب تلك المأساة... يجب ان تكون هناك حماية فعلية للمرأة وليست رقابة واستهداف المرأة في ابسط حقوقها. في الختام يجب بل تلزم الدولة بتطبيق (نظام ضمان اجتماعي شامل) من خلال تأمين الرعاية الصحية والاقتصادية والنفسية لمئات الالوف من الارامل والمطلقات والنساء غير المتزوجات، والالتفات لمعاناتهن لأنهن اولى بالرعاية من اية شريحة اخرى في المجتمع ، ويجب ان تعمل الدولة ومؤسساتها المختصة بكل طاقاتها لتحرير تلك العوائل من الحالات المذكورة اعلاه، لان العوز والحرمان ارهاب اخر يضاف لما تعانيه المرأة من هضم وسلب لحقوقها وحريتها .
 

* مقال نشر في عام  2008  وأعيد نشره في 1/12/ 2011

 

free web counter