|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  1  / 11 / 2017                                أ.د. سيار الجميل                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مذكرات تحسين قدري
1894- 1986
المرافق العسكري الأقدم للملك فيصل الاول
(3)

تقديم وتحقيق
أ. د. سيّار الجَميل *
(موقع الناس)

تقديم

هذه هي مذكرات الاستاذ تحسين قدري (1894 -1986) المرافق العسكري الاقدم للملك فيصل الاول منذ التحاقه في عمليات الثورة العربية الكبرى عام 1916، و مرافقته له في الحكومة الفيصلية في سوريا، وبقائه تحت ظله على امتداد عهد فيصل في العراق ووصوله الى رئاسة دائرة التشريفات في البلاط الملكي العراقي واستمرار وجوده مرافقا وأمينا وسفيرا دبلوماسيا للعراق على عهد الملك غازي الاول 1933- 1939م، وعهد الوصاية 1939- 1953م وعهد ابنه الملك فيصل الثاني 1953- 1958م وبقي يعيش في سويسرا حتى رحيله في شهر آب / اغسطس عام 1986، وهو من اصل سوري، ولكنه تربى ودرس في العراق وشهد تاريخ العهد الملكي في العراق بطوله، فهو ذاكرة تاريخية لحياته الطويلة في القرن العشرين.

تفوق في الدروس الحربية وإصابة الهدف بالعتاد والرغبة دخول الخيّالة

المدرسة العسكرية
رغم نجاحي في مكتب عنبر وتفوقي، إلا أن والدي كان يرغب في أن يكون مستقبلي في المجال العسكري، تخليدا واستمرارا لمسلكه، ولذلك قرر إخراجي من مدرسة عنبر الملكية، وإدخالي مدرسة الرشيدية العسكرية، ولم أكن أرغب حينها في هذا القرار، وكنت أعتقد أن هذا الاختيار هو من قبيل التراجع وليس التقدم، حيث أن تفوقي في الامتحان سوف لن يؤخذ بالحسبان، وسوف أدخل الفصل المقابل لسني، لذا فقد أمضيت العام الدراسي بدون اهتمام، وكنت أراجع الدروس فقط وقت الامتحان، وكنت أقضي الليل أقرأ التاريخ العربي وبعض قصص المغامرات بشغف، ونجحت في آخر السنة نجاحا عاديا بغير تفوق كعادتي، وأذكر من هذه الفترة أستاذ اللغة العربية وأسمه المرعشلي، وكان من أصل تركي، ويلبس العمامة، ومن الجدير بالذكر أن اللغة العربية كانت تدرس وتكتب بالتركية …!

وكنت أتساءل وأنا في المدرسة الإعدادية العسكرية، عن جدوى قيامي بإهمال الدراسة،فلم أجد المبرر، لذا عكفت من جديد على قراءة المناهج العسكرية، فوجدتها شيقة، وأزداد اهتمامي وزادت قراءتي، وحققت نجاحا كبيرا في المراحل الأولى وكنت متقدما، حتى أنني قمت بإعطاء الدروس ليلا لكثير من زملائي في الفصل .

بداية التنظيمات العربية
ابتدأت الاتجاهات المتحيزة للقومية التركية تظهر من خلال الحركة الطورانية، مما دفع بالقوميات الأخرى للتكتل حفاظا على مصالحها واستقلال شخصياتها، فأنشأت النوادي والأحزاب والصحف القومية للأرمن والأرناؤوط وغيرهم . ولاقى هذا الشعور صداه بين فريق من ذوي المقامات الرفيعة، وأهل الرأي من العرب، فأنشئوا جمعية الإخاء العربي، وكانت غايتها المعلنة إعلاء شأن القومية العربية وأبنائها ثقافيا واقتصاديا، لكن بدون إظهار أي عداء للحكم القائم، ومن سياستها دعم جمعية الاتحاد والترقي في الدفاع عن الدستور، والحفاظ على وحدة القوميات تحت راية الدولة العثمانية، بدون تعصب وبالعدالة والمساواة. ولكن كان الواقع لا يشجع هذا الشعور المثالي، فمظاهر العداء السافر للقوميات غير التركية، وخصوصا للعرب، كانت منتشرة، مما حدا بالكثير من جاليات الشعوب العثمانية لإنشاء الجمعيات السرية للدفاع عن حقوقها ومصالح شعوبها. لم يدم الحال في صالح جمعية الإخاء العربي طويلا، ففي 31 مارس من عام 1909 م، قام أفراد الجيش في منطقة اسطنبول بالعصيان، وجردوا الضباط من رتبهم، وطالبوا بالرجوع إلى الأوضاع السابقة، واستعادة عبد الحميد لسلطاته، مما دفع بالجيش المرابط في الولايات العثمانية في أوربا، إلى الزحف على اسطنبول، بقيادة محمود شوكت باشا العراقي الأصل، والقضاء على الفتنة، وخلع عبد الحميد نهائيا . وبما أن معظم مؤسسي جمعية الإخاء العربي كانوا من مؤيدي العصيان، فقد انحلت الجمعية تحت هذه الظروف .

العودة إلى اسطنبول:
واستمرار لدراستي العسكرية، ذهبت إلى اسطنبول سنة 1911 م، للالتحاق بالمدرسة الحربية في القوله لي، حيث يتجمع الطلاب من جميع أنحاء البلاد عثمانية للدراسة، وقتها كان مدير المدرسة هو وهيب بك الشهير بلقب وهيب باشا، وتولد لدي الشعور بوجوب التكتل للدفاع عن القومية العربية، أمام هجمات فرقة الاتحاد والترقي، واستعلاء أفرادها وتعظيمهم للقومية التركية، وكان من مظاهر العداء للعرب منع قراءة كتب التاريخ العربي، ولكني كنت أقرأها سرا خلال ساعات الليل، ومن مظاهر التضييق التي عشتها ما حدث معي عندما استلمت بالبريد من أخي أحمد في باريس، كتابا قصصيا بسيطا بالفرنسية، رغبة منه في استمرار قراءاتي باللغة الفرنسية، لئلا أنسى ما درسته من اللغة الفرنسية، فاستدعاني المدير وأستفسر عن سبب مراسلاتي مع باريس، فأخبرته بأنني أراسل شقيقي، ولكن المدير منعني من التراسل مع أخي بدون سبب وجيه، مما زاد من مشاعر عدم ارتياحي من سياسة الاستعلاء الذي انتشر مع تعاظم قوة الاتحاد والترقي .
حادثة التنويم المغناطيسي :
كان لي ولع في الدراسة والإطلاع على الكثير من المواد مثل الفلسفة وعلم النفس والتنويم المغناطيسي، وقد نبهني أستاذ الفلسفة لأن نظراتي قوية الجاذبية، ومن الممكن أن أؤثر على الغير بالإيحاء، وحصلت لي واقعة غريبة، ففي ذات ليلة قبل العشاء، جاءني بعض الزملاء مذعورين، وطلبوا مني الإسراع بالذهاب إلى السرداب لإنقاذ حياة أحد الطلبة، الذي كان تحت تأثير التنويم المغناطيسي، ولم يستطع الذي نومه من إيقاظه، فذهبت معهم، وركزت حواسي وتفكيري عليه، فشعرت بأني قد تغلبت على أحاسيس النائم، وكان يأتمر قبل أن أطلب منه صراحة، وقلت له أن الجو بارد، فأخذ يرتجف، ثم أمرته بالجلوس ثم المشي فأطاع بدون تردد. وأخيرا طلبت منه أن يستيقظ من نومه، ويذهب لتناول العشاء فأمتثل، وهكذا أنقذته من مغبة الانزلاق في غيبوبة عميقة لا تعرف نهايتها. بعدها ذهب الجميع بما فيهم الذين قاموا بتنويم الطالب لتناول العشاء في قاعة المطعم، وكان فيها أكثر من ألف وخمسمائة طالب. ومن شدة التوتر، حصل لي شيء من التشنج، فاتكأت قليلا على الحائط، وكانت جموع الطلبة متحمسة لما حدث، وحصل شيئا من الشغب، لكني توجهت إلى محلي على طاولة الطعام بهدوء.

وصلت أخبار الحادثة إلى المدير في الليلة نفسها، فاستدعاني فورا وأودعت السجن الانفرادي في غرفة صغيرة بدون أي منفذ، وقضيت ليلة مزعجة، ثم مثلت أمام محكمة “ديوان حرب”، فاعترضت على معاملتي معاملة المذنب، في حين كنت الذي أنقذ الطالب، ويبدو أن المحكمة اقتنعت بحجتي وأيقنت ببراءتي، فأطلق سراحي بعد أن أمرتني المحكمة بتجنب الانشغال في الأمور النفسانية .

بعض التنظيمات السياسية على الساحة العربية
تسبب جو الاضطهاد في إنشاء التجمعات العربية، وأولها ” المنتدى العربي ” الذي شاركت في نشاطاته، وساهم في تأسيسه أخي أحمد عام 1909م بالاشتراك مع يوسف مخيبر وسيف الدين الخطيب ورفيق رزق سلوم وعبد الكريم قاسم الخليل وجميل الحسيني وأحمد عزت الأعظمي الذي قام بإصدار مجلة المنتدى. قام هذا التنظيم العلني بمساندة الطلاب الوافدين، وتعزيز شعورهم القومي العربي، وحاز على مكانة اجتماعية واحترام السلطات سواء من الزعماء العرب أو الاتحاديين، وخصوصا بعد عقد مؤتمر باريس عام 1913م، وكانت شخصية رئيس المنتدى عبد الكريم قاسم الخليل الطموحة والمعتدلة، من أهم العوامل التي ساعدت في رفعة شأن هذا التنظيم، وقد دام نشاط المنتدى إلى بداية الحرب العالمية الأولى حيث أغلق في أوائل عام 1915 م . وكانت السرية في العمل السياسي هي النتيجة الطبيعية للظروف السائدة آنذاك، وكنت على اتصال دائم بالحركة العربية، وخصوصا المنتدى العربي، ومن أعضاء الجمعية اللامركزية عزيز علي المصري وعبد الحميد الزهراوي، ولكني كنت كثير الحذر والكتمان، وساعدني على إخفاء عواطفي الجياشة وتطلعاتي الثائرة، إتقاني للغة وإجادتي الأدبية، حتى أنني كنت أنظم الشعر باللغة التركية .

جمعية العربية الفتاة:
أما جمعية العربية الفتاة التي بدأها أخي أحمد، و كان بمثابة المفكر الأيديولوجي للجمعية بالاشتراك مع عوني عبد الهادي ومحمد رستم حيدر في أسطنبول، فقد انتقلت إلى باريس قبل رحيلي من دمشق، وكانت أوضح مثال على سرية العمل المنظم، فالانتساب يتم بالتزكية من عضوين، بحيث لا يتعرف العضو الجديد إلا على شخصيات عضوين فقط، والاتصالات الحذرة وغيرها الكثير من الانضباط لحماية سرية العمل .

نشطت جمعية العربية الفتاة واتسعت بعد بداية نشاطها في باريس سنة 1911م، وكان هدفها النهضة والتقدم بالعرب إلى مستوى الدول الحديثة، وضمت أول هيئة إدارية بالإضافة للمذكورين رفيق التميمي، محمد محمصاني، عبد الغني العريسي، صبري الخوجة، وتوفيق الناطور، ثم أنضم إليهم جميل مردم بك، صبحي الحسيبي، الأمير مصطفى الشهابي، توفيق فايد، وإبراهيم حيدر . وقد ارتبطت العربية الفتاة في باريس بالمنتدى الأدبي، بعد أن أنضم للمنظمة سيف الدين الخطيب ورزق سلوم ويوسف مخيبر، وهم من أعضاء المنتدى في أسطنبول .

ومن أهم أعمال الجمعية القيام بدور رئيسي في تنظيم مؤتمر باريس الذي ضم ممثلين من المسيحيين العرب والجاليات العربية في دول المهجر، ومن عدة تجمعات عربية، مثل حزب اللامركزية المصري الذي يسعى إلى حصول البلاد العربية على شـــــكل الإدارة اللامركزية من الحكم العثماني، والجمعية الإصلاحية في بيروت ذات الأهداف المشابهة . أنعقد مؤتمر باريس في 18 إبريل 1913م، وكانت غايته الاتفاق على مطالب محددة للمفاوضة مع الحكم العثماني باسم العرب جميعا، وتّم هذا، وأرسلت الحكومة العثمانية على أثر صدور قرارات المؤتمر مندوبها إلى باريس، للاتفاق على صيغة مقبولة، وقد تم هذا بالفعل، لكن الأحداث أظهرت سوء نية الأتراك على الإيفاء بوعودهم .

حياتي في المدرسة العسكرية:
مصاريفي الشهرية كانت لا تعدو الجنيه الذهب، وكان والدي يرسله لي بواسطة وكيل أعماله في اسطنبول، و كنت في أيام الجمع وهي إجازتنا الأسبوعية، أشتري الكثير من الحلويات والوجبات وأغطي مصاريفي والنثريات، وبعد كل ذلك يتبقى بعض الفائض من المال. فجعت بوفاة والدتي قبل تخرجي من المدرسة الحربية بعد إصابتها بالكوليرا، وأوجعني ذلك كثيرا، وزاد من آلامي عدم تمكنها من رؤيتي بملابسي العسكرية، عندما تخرجت ضابطا، حيث كنت أعرف أنها كانت تلك أمنيتها، لقد زادني فقدان والدتي الأليم، تصميما على التفوق واجتهادا في متابعة الدروس في مسلك الجندية. أما أخوتي فكان أخي زكي قد عين قائم مقام قضاء قطنة، في حين أتمّ أحمد دراسة التخصص الطبي، وفتح عيادة لعلاج الأمراض الجلدية والزهري، في موقع ملاصق لدار والدي في “الشابكلية “، في ضاحية القنوات المحاذية لسوق الحميدية الشهير في دمشق.

مقررات الدراسة
كان من مقررات الدراسة في مدرسة ” القله لي ” في مقري كوي في اسطنبول آنذاك، القيام بالمناورات العملية، وأذكر أن دفعتي ذهبت إلى منطقة ” جتالجه”، وبرفقة طلاب مدرسة الحربية (بانفلاتي) لاجراء المناورات لمدة شهر، وقد أمضينا الشهر بطولة ننام في العراء ونتوسد الصخور، ونمشي باليوم الواحد ثلاثين كيلومترا، وكل واحد منا يحمل من حوائجه ما وزنه ثلاثين كيلو غراما، بالإضافة إلى بنادق الماوزر الألمانية الصنع، ومن ناحية أخرى فقد كوفئنا بعض الأوقات بالذهاب إلى قصر ” الماصلاق ” من قصور سلاطين آل عثمان، وفيه حديقة غناء،وأذكر أننا دعينا إلى حفل ختان أبن وهيب باشا .

نجحت بتفوق في الدروس الحربية، وخصوصا في إصابة الهدف بالعتاد الحي، وكنت أرغب في دخول سلك الخيالة، وحالفني الحظ وفزت بالقرعة لأختيار طلبة الخيالة، فسررت لذلك وزاد عزمي لإتمام الدراسة بتفوق، كانت حرب البلقان قد دارت رحاها، وحصلت الهزيمة الفاجعة لحكومة العثمانيين، وكان آنذاك السلطان هو رشاد آخر سلاطين بني عثمان، وحصلت الكثير من المشاكل في عهده من أجل توطيد الأمن في اسطنبول، وذلك لغياب القوات العسكرية للقتال ضد البلغار والصرب، لذا أنيط بنا محافظة السفارات في اسطنبول، وكنت رئيسا لفرقة الخيالة التي تقوم بالحراسة الليلية. كان الفصل شتاء، والبرد الشديد يؤثر فينا، ومن المعروف أن شتاء اسطنبول قارص وحادّ، لكنا وجدنا ما يخفف العناء باحتساء البونج البارد، وهو مزيج من البيرة وقدح من القونياق، وقد أثرت كارثة حرب البلقان كثيرا بالحياة اليومية في الدولة العثمانية، وخصوصا حينما وصل الصرب واليونان والبلغار إلى مشارف اسطنبول (شتالجه)،فأخذ الطلبة في المدرسة الحربية يطالبون بالالتحاق بالجبهة، ولكن القائد العسكري في اسطنبول حال دون ذلك، حيث لم تكن هنالك قوة عسكرية كافية للمحافظة على الأمن في اسطنبول ذاتها، وكان الطعام المتوفر أصبح شحيح و لا يمكن أكله.

ففي الصباح يقدم فنجان شاي مع قطعة من الخبز سوداء اللون، وظهرا فاصوليا خضراء، وذات يوم اكتشفنا وجود فارة في إناء الطبخ، فأرسلنا كتاب احتجاج إلى مدير المدرسة، وكثيرا ما كنا نكتشف الصراصير في الفاصوليا، أما الذباب فكان وجوده لا يثير التساؤل بعد الفئران والصـــراصير. وعندما راجعت ضابط الخفر للمطالبة بتحسين الأكل والنظافة العامة، كان رده أن الجندي يجب أن يتدرب للتحضير للمعارك التي فيها ظروف أقسى من هذه.. والجنود في الجبهة تأكل البقصم الناشف مع الزيتون فقط ! وأنتم تأكلون الطعام الساخن.. وهنا فضلت أن ألتزم الصمت، والصبر على هذه المشاكل، وكنت أشتري بعض المواد الغذائية الناشفة مثل الجبن والزيتون من السوق للتعويض عن طعام المدرسة الحربية، ودام هذا الحال فترة طويلة من الزمن، و أذكر من مدرسة الفروسية مدير الإدارة الفون فريزة الألماني، ورئيس المدرسة ناصر بك التركي، وكان التدريب صعب للغاية، حيث يستمر لثلاث ساعات يوميا على ظهر الجواد وبالعدة والبندقية المحمولة على الظهر، وقد ترك هذا أثره لاحقا على العمود الفقري، ولكن حيوية الشباب كانت تغطي على المشاكل الصحية التي ظهرت فيما بعد.


نشرت في جريدة الزمان ، طبعة العراق ، العدد 5872 يوم الاربعاء 1 نوفمبر / تشرين الثاني 2017 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل ومواقع أخرى
https://www.azzaman.com/wp-content/uploads/file-manager/commonfolder/qtoday/p14.pdf?p=0.6850983736669938

 

* مؤرخ عراقي
 


 


 





 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter