| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

د. صادق البلادي

 

 

 

 

 

الأحد 5/ 4 / 2009



هوية العراق بين الدستور والمالكي

صادق البلادي

انتهت قمة الدوحة للدول العربية قبل أقل من أسبوع لكنها باتت تبدو وكأنها ليست أكثر من رقم يضاف الى ما سبقها من رقم يضاف الى تسلسل ما سبقه من أرقام . وفي عراقنا اثارت المشاركة اجتهادات بين الطالباني والمالكي حول بعض صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور العراقي ، مما يدخل في خانة الصراع على المصالح وتوزيعها بما يحقق النصيب الأدسم منها بين شخصيات وأحزاب الفئة الحاكمة ، بينما تركت قضية هوية العراق التي طرحها المالكي في القمة بشكل لا يتفق مع ما ورد في الدستور ، المتناقض في كثير من مواده ، والذي هو بحاجة الى تعديل ، حدد الدستور نفسه أجراءات ذلك.

كانت جريدة الحياة قد نشرت مقالا بعنوان " قمة الدوحة وهوية العراق " تناول الخلافات حول المسؤوليات بين الرئيسين و نظرة العرب المتباينة الى العراق الجديد ، واستشهد كاتب المقال بالدستور العراقي كما يريد هو، وليس بالنص الدستوري كما هو.
فقد ذكر المقال أن الدستور ينص على أن "العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية". وهذا غير صحيح فيما يخص علاقة العراق بالعرب ، ومسؤولية هذا الخطا يتحملها الكاتب وسكرتارية التحرير. فالمادة الثالثة تنص على أن :
" العراق بلدٌ متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو جزءٌ من العالم الاسلامي، وعضوٌ مؤسسٌ وفعالٌ في جامعة الدول العربية، وملتزمٌ بميثاقها." وتحاشى بذلك حتى تحديد هوية جزء من شعبها .

ليست هوية الدولة حلية أو صفة تمنح حسب الرغبات والمطامح السياسية وانما تتشكل الهوية تاريخيا وبها تتحدد وجهة تحالفاتها وعلاقاتها في هذا العالم المتصارعة مصالحه ، من أجل ضمان تحقيق مصالح شعبها وتجنيبه الكوارث والتضحيات الجسام ، بينما تسعى القوى الطامعة الى تفتيت الهويات الوطنية - القومية لتتمكن من تحقيق أطماعها في تلك الدول ، أطماع الاستحواذ على ثرواتها و الاستفادة من موقعها الستراتيجي.

المحافظون الجدد هم الذين كانوا يدفعون الى احتلال العراق ، وكانوا وراء إصدار قانون تحرير العراق لاستكمال تدميره ، وعلاقتهم بالصهيونية ودولتها إسرائيل لم يحاولوا حتى سترها بغربال . بيرل وولفوفيتز مثال لهم ، وهم يعلمون بالتجربة أن ضمان تفوق اسرائيل واستمرار فرض سياستها العنصرية رهن بضعف التضامن العربي وتفككه ، وإقامة شرق أوسط جديد تتفكك فيه الدول العربية الى دويلات إثنية ومذهبية ، وكان في تخطيطهم عزل العراق عن محيطه العربي تفكيكا وإضعافا للتضامن العربي وطرحت هذه الفكرة في واشنطن على الكوادر العراقية التي تدربت في أمريكا لتدخل مع المحتلين ، وكان كنعان مكية من بين من روّجوا لهذه الفكرة.

ولقد كانت انتخابات المجلس الوطني الانتقالي مأثرة كبيرة للشعب العراقي في وضع اللبنة الآولى لصرح الديمقراطية التي ناضلت القوى الوطنية ، خاصة التيار الديمقراطي ، طيلة عقود عديدة من أجل إقامتها. غير أن تغييب تلك القوى عن التأثير في تكوين الرأي العام ، والنكوص عن الوطنية بالتشبث بالمذهبية والقومية والأثنية والعشائرية ، واستغلال المرجعية الدينية في الانتخابات ما كان يمكن أن يأتي بمجلس يسن الدستور أفضل من ذاك المجلس الذي أقر دستورا مليئا بالتناقضات والنقائص ، ومنها تحديد الهوية العربية بالشكل الذي جاء فيه بأن العراق "عضوٌ مؤسسٌ وفعالٌ في جامعة الدول العربية ، وملتزمٌ بميثاقها." ولكن حتى في هذه الصياغة لم يستطع المعارضون تثبيت الرابطة العربية للعراق تحقيق رأيهم بالكمال والتمام ، فأقروا وإن لم يعوا كون العراق دولة عربية ، هو عضو مؤسس فيها ، وفعال و ملتزم بميثاقها. ونسى الذين ظنوا أنهم سيتقون بإضعاف صلة العراق بأشقائه العرب ، أن ضعف العراق هو ضعف لكل مكوناته ، وان القوميات والأديان والمذاهب المتعددة في العراق ستضمن حقوقها المتساوية في عراق قوي ، تزيده هويته العربية قوة لا ضعفا، إذا ما نظرنا الى التضامن العربي، لا في حالته الراهنة الواهية، بل الى ما فيه من إمكانات على العراق ، حكومة وشعبا ،أن يسهم في إستنهاض الرأي العام العربي لتحقيقها ، لا أن يكون موقفه منها فقط رد فعل على ما لقيته قوى المعارضة بالأمس من الدول والحركات العربية من صدود وجفاء ، بل ومعاداة أيضا وإسناد لحكم صدام الفاشي.

وفي ندوة مناقشة مسودة الدستور التي أقامتها المنظمة العراقية لحقوق الإنسان/ ألمانيا (أومريك) شاركتٌ في مداخلة اقترحت فيها أن تكون العبارة التي تحدد هذه الهوية هي : "وهو جزء من العالمين العربي والاسلامي."

وقد نشرت هذه المداخلة في مجلة "الثقافة الجديدة" عدد 317/ 2006
http://www.althakafaaljadeda.com/317/22.htm

وقد استخدم السيد جلال الطالباني بصفته رئيس مجلس الرئاسة عبارة " العالم العربي " عدة مرات في رسائله وتصريحاته، دون أن يكون في ذلك ما ينتقص من حقوق اقليم كردستان العراق ، واستخدم الأستاذ مفيد الجزائري رئيس لجنة الثقافة في المجلس الوطني يوم 4.4.09 عبارة " البلاد العربية "، في كلمته في اتحاد الادباء العراقيين ، احتجاجا على منع اسرائيل فعاليات القدس عاصمة للثقافة العربية ، وهذا التعبير هو الذي كان شائعا في كتابات الرفيق الخالد فهد.

والسيد المالكي يعرف نص الدستور والنقاشات حول هذه الهوية ومع ذلك استخدم عبارة أمتنا العربية ، التي لم يقرها الدستور. وهو كشخص عربي يحق له استخدام هذا المصطلح ، ولا أدري إن كان يجوز له كرئيس لحزب إسلامي أن يتحدث عن " أمتنا العربية " بديلا عن " الأمة " الإسلامية طبعا ، ولكنه كرئيس وزراء للعراق يفترض فيه التقيد بالنص الدستوري وعدم إستخدام هذا المصطلح ، وكنت أتوقع أن يكون تعليق رئيس مجلس الرئاسة السيد الطالباني ، وهو الذي من مهامه " السهر على ضمان الالتزام بالدستور" يتناول هذه النقطة أيضا وليس فقط ما يتعلق بصلاحياته.

هذه المسألة تؤكد أن محاولة التحايل على الوقائع الصلدة لا يكتب لها النجاح وأنها ليست غير محاولة وعلى من  يريد أن يوهن الصخرة بمناطحتها. وآمل أن يكون تحديد هوية العراق من المواد الدستورية التي تم الإتفاق على تعديلها بما يتماشى مع واقع كون العراق دولة عربية هي جزء من العالم العربي أو البلاد العربية ، يعمل ، كما قال الأخ المالكي في مؤتمر الدوحة ، "ليكون شريكا فاعلا ومتحملا لمسؤولياته في التضامن العربي ، وهو مصمم على بدء مرحلة جديدة من التعاون واقامة افضل العلاقات مع الدول العربية ودول الجوار الاقليمي والعالم على اساس المسؤوليات والمصالح المشتركة."

 


 

free web counter