الأثنين 11/12/ 2006
الشاعر كاظم جواد العارضي - شاعر من الناصرية - قصمت قصائده ظهر الاعداء
د. صدام فهد الاسدي
عام 1928 ولد الشاعر في مدينة تضوع منها رائحة الحب والشعر والكفاح - الناصرية - في قرية حالمة بالحرية ومتمردة على الانجليز القابعين على قلبها بالقوة ,وكانت قصيدته الاولى في الغزل تنطلق لفتاة جميلة :
وقفت امامها خجلا وطرفي حائر شحب
وانفاس مولولة على شفتي تصطخب
ونهل من المدينة الجرأة والطيبة وعدم المحاباة والنفاق, من هنا اختط درسه الرجولي, وهو يقرأ قصيدته في ثانوية الناصرية ويشنف الاسماع بصوته الهادر, خطيبا وشاعرا- وبعد تخرجه فيها عمل موظفا ثم انطلق الى معهد الفنون في بغداد وهناك تغيرت محطات الشاعردارسا ومفكرا ومنافسا للمبدعين انذاك - كان هذا عام 1949م وانتهى به المطاف في كلية الحقوق وتخرج فيها 1953 ولم يتوقف عشقه للدراسة ابدا ,وقد رأى امامه المتنبي الكبير رائدا للفحولة الشعرية واحب التوحيدي كاتبا وسجل اعجابه بالشاعر السوري عمر ابي ريشة شاعرا رومانسيا مفرطا بالوجدان ,وفي بغداد مسرحه الكبير بدأ قارئا نهما بتواصل ونشر في الصحف والمجلات وقد تعرف على العمالقة من ادباء العراق السياب / البياتي/ الشواف/ رشدي العامل/ حسين مردان/ لميعة عباس عمارة, وازحم نفسه بالعمل والشعر ولم ينس اللحظات العصيبة في الناصرية وهو يرى فيها الطائرات تقصف الناصرية بوحشية ورأى الجثث الممزقة فزج نفسه متمردا على الاعداء المحتلين, وفي قناة السويس كان صوته مدويا (يا يسقط العملاء والمستعمرون) وكبرت لافتات شعره (معركة الحرية / من اغاني الحرية / نشيد الثوار) وهو القائل :
اعصفي يارياح وابرقي يا رعود بعد فجر الكفاح ليلنا لايعود
وكان حسه العربي مدويا (تونس المناضلة / قصائد للجزائر/ على جبل تل الزعتر) وصوته الانساني يرفرف على اصداء النسيان (وداعا غرناطة / اغنية الى اسيا ) حتى ولدت هذه الصرخات ديوانه / من اغاني الحرية 1960م وعندما تفجرت ثورة 14تموز1958م قال :
( ماذا سأكتب عن شوارعك المضاءة من دماء/ ودموع شعبي الكادح المحزون في ليل العراق/ ماذا سأكتب يا مدينة / بغداد اني ظامى لازلت مشبوب اللهيب / مدي الي بكأس حبك او بأقداح الغروب / تموز فجر الف ينبوع على الافق الخصيب )
ثم يمر الزمن وهو يعمل في الاعلام وبعدها التحق الى لندن ملحقا صحفيا وكأنه قد وجد ضالته في ذاك العالم المتحرروعمل في الهند واتقن اللغة الانجليزية وبدأ يواصل القراءات للشعر الغربي وترجم أعمال الشاعر الاسباني لوركا ( قيثارة غرناطة) واكثر من نشر المقالات عن اسبانيا وتأثر جدا بغوركي وناظم حكمت ومايكوفسكي زد الى هذا تعلقه بالأدب العباسي والموروث القديم ولم يترك مشاكساته الفكرية مع البياتي ونازك وحتى صاحبه السياب وصلاح عبد الصبور ومحمود العالم وكان الاختلاف على اولية الشعر الحر وريادته ومنها اعتراضه على البياتي بأخذ افكار المتنبي وعلى سوداوية نازك ,وكانت المجلات مسرحا للمعارك الادبية ( الادب / الاسبوع ) ولكنه رجع من كل هذه المعارك بخفي حنين, لم تسمعه الناس وظل لوحده يحمل مصباح ديوجين باحثا عن انسان ولم يجده حتى اطل نجم زوجه (سلافة حجاوي ) التي قال فيها :
وكنت اذا الشعراوفى علي ظلالا ودفئا وصبحا نضير
وحبا وملحمة في فمي ارددها للنضال الكبير
ولم يحصد من نضاله شيئا وامست عنده لغة الحب حلما ضائعا وبدأت لغة السياسة تفجر فكره وتشعل اعصابه :
( حين يغدو قلبي المشتعل المذبوح زهرة سوف اهديها الى ارض الصغارالتائهين/لترويها دماء الاخرين ) وتعددت المحطات في قصائده بين وصف وحزن وخاصة على المدن فقد اهتم بالمدن دالة التحضروالعراق وطنا حين يفارقه :
انا في لقاء والشعوب/انا سارحل للعراق
ولم ينس بغداد ( تبخترت بالعز دار الرشيد ) ولم ينس اسبانيا ( في ليلي اسشباني عبر الجنائن الذاوية) ومدريد ( مدريد ايتها المستوحدة الحزينة ) وهانوي ( بالامس كانت تلتظي هانوي في افئدة البشر) وهيروشيما ( في هيروشيما حيث ارغت نطفة الطاعون فانتشر) وكانت الاعلام تاخذ مساحة من شعره منها هابيل (هابيل قابيل وكان الغدر والهلاك والحذر) وابن زيدون ( زيدون هل لمعت روحه) وولادة الحبيبة لزيدون (وحلم ولادة حيث الشاعر اشرأب فانتحر) وغيرها,وقد حملت لغته الواضحة والمباشرة روحا واقعية يسودها العنفوان والكبرياءوالغضب مركزا على الفكر والموضوع ثم اغلق قلبه الشاعري 13 عاما وصار سياسيا واجتماعيا حتى ظنوا به قد اعتزل الشعروكان يكر عبارته (سيأتي اليوم الذي انشر فيه شعري)) ولم ينشر شعره فقد ظل على رفوف النسيان الا قصائد نشرت في صحف عراقية وكان القلب فاصلا بيننا وبينه فقد رحل في 7/6/1984م وهو يوم نكسة حزيران التي طالما وصرخ لها بصوت عربي فقد كره النكسة ورحل عنها تاركا لنا تداعياتها وكانت زوجه اول من رثاه حيث قالت :
فأرتحل ان شئت او شاء الرحيل//// هي غصة في القلب باقية يعذبها الحنين
وبكاه الشاعر حميد سعيد وبكى على الناصرية التي خسرته شاعرا حين قال :
( في الطريق الى قرطبة / تركض الناصرية في الطرق الجبلية / في سحرها الخردلي )
وخير ما وصف به الشاعر العارضي قول الشاعر حارث الراوي :
يا شاعرا للنار في شعره تشب لايدركها الانطفاء
وهكذا سكت الجسد العارضي ولم تسكت روحه التي طالما جسدت سوكا شاعريا اصيلافما زالت طريق الشعب تحمل نزفاته شاعرا ديمقراطيا لاينتمي الا للارض والوطن والناس, وقد ترك ثلاثة للوطن ( سلافة الزوج / والولد مصعب اوالبنت شعلة ) ليتني اعرف بهم الان اين دارت بهم الايام , وقد قال بعظمة لسانه :
لمصعب يستام بين الدروس كتاب الغد المشرق الزاهر
لشعلة حلم الصبايا الملاح وشدو الضحى العابق الباكر
اين الغد الذي وعدتنا به ثلاثين عاما من الضياع والموت وطوبى للاديب الرائع خالص عزمي وهو يسجل سيرة للشاعر العارضي عام 1989 ( كاظم جواد حياته واثاره ) وبعد الايستحق الشاعر دراسة اكاديمية تدرس شعره ؟ اينكم يااهل الناصرية؟كيف تنسون اعلامكم ؟؟؟ وفي مسك الختام اقول وبعهدة باحث جامعي ( اذا كان السياب ميناء البصرة فان العارضي كاظم قيثارتها الحزينة ) .