د. صدام فهد الأسدي

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء 26 /12/ 2006

 

 

الشاعر الدكتور هادي الحمداني
الشاعر الناصري الذي غنى للحمامة السجية


د. صدام فهد الاسدي

لا ادري هل اكتب عن الشاعر الكبير هادي الحمداني خلاصة في صفحات؟ وأقول انتهيت ؟أو أطوف طواف عجلان بدون تمعن في شفافية وبكائية شاعر عاش في ظلال الروح المسجونة في قفص الحرمان وقدم قلبه قربانا على مذبح الصداقة,وبحث عن الحرية قائلا(ان مفهومي عن الحرية ان تفعل شيئا لاتحاسب عليه))وخاطب الحمام السجي كما خاطبه قبله أبو فراس(أيا: جارتا هل تشعرين بحالي).
في مدينة الشطرة الرائعة بالادب والفكر وعمالقة القول في العراق,المدينة السابحة بالعطاء,المدينة التي مثلت الموقف الفكري والسياسي في العصر الحديث,ولد الحمداني فيها عام 1931م وتخرج في معهد المعلمين عام 1956موكتب الشعر مبكراوكان ديوانه الاول(ديوان الحمداني))عام 1965م باكورة العمل وانطلاقة الحس الشعري المهذب,وقد سبحت سيرته الذاتية في فضاءات متنوعة من صداقةوالقاء شعري مميز,فقد قرأ معي يوما في تربية الكوفة قصيدة اقولها بصراحة ولااجامل فيها (ان القاعة بكت كلها عندما رثى الدكتور علي جواد الطاهر في قصيدة عصماء.
اكمل دراسته الماجستير والدكتوراه والاخيرة كانت في (روميات ابي فراس الحمداني)من جامعة مانجستر,وبعد عودته درس في جامعة بغداد وله مؤلف في الخط العربي عنوانه(مهارات الخط العربي)وله ثقافة متنوعة وقد ترجم سيرته الاستاذ الكبير عبد الحميد العلوجي في مؤلفه اعلام العراق في القرن العشرين.
وحمل الشاعر لوعات ولا اقول واحدة لضياع الفكر ابان الثمانينات وهو يحس بان اقدام النسيان سوف تسحق شعره ولكن لا والف لا,,, فالشاعر الناصري العراقي خالد في ذاكرة الشرفاء وحسبي اراه بريكان بغداد مادام للبصرة بريكانها الخاص بالصمت الذي حرك المعجزات,ويرى الشاعر الحمداني إن الأيام وقحة وعصية لا ترجع ثانية :
      حفيرتان حياة كلها تعب                    وحفرة بعد هذا العمر في التعب
      ونحن فيها كما شاءت طبيعتها            شيء من الحلم في لوح من الخشب

ولذلك دق الكلمات بقلم جريء ونسج الحرية بصرخة ثائر لايخشى سوط الحاكم,وهذا الفيض الحساس وجدناه قناديل مشتعلة في شعره وهو يرسم الحياة بواقعيتها دون رتوش وزخرفة ويقول هذا ابيض وهذا اسود وهو يخفي في كلاسيكيته المعتمةابوة للحداثة التي استهلكت الاعصاب وخدرت المفردات بلا سبيل معروف وهنا سجل الحمداني واقعية الرفض وهو يغرز اصابع الشعراء في التراب ليقولوا شعرا لابعرا,
وكره النظر الى يوتبيا الحلم البعيد ,ورسم اشخاصه كالصلبان يحصرهم بين اقواسوهو يطلق صوته عاليا للصداقة النظيفةويرفض الزيف والنفاق والثعلبةوالتملق ,,وهو بريء لحين البسمة التي تحصدها من شفتيه وفيا وهو يبث الرموز ويبني الثوابت(هكذا الحياة عشناها سجالانمتلك فيها قلوبا صافية وحرية وتعبيراعندما كانت حياتنا بسيطة لامقاصد مادية تذبحها))ان الحمداني يسرب ذائقة شعرية جديدةفي جادة مشى عليها التيار الجديد ,,,واستثمر الاخوانيات لا لانها شعر مناسبات بل ليقول كلمته الفصل ناقدا ومؤشرا مزالق الخطأ ,,بعيدا عن المساجلات التي لبسها القرن المنصرم 1900م في تناول التاريخ الشعري والوصف التقليدي مثلا فهو متعدد الاغراض(الوجدان الدافيء-الصداقة النبيلة-الذكريات المريرة-الامس المحترق-الشعر العمودي الضائع في قوالب العولمة)لو رأيتم الحمداني كيف يلقي القصيدة وماذا يعمل؟ يضرب على يديه ويبكي ويتوقف من البكاء ,,انه شاعر منصة رائع حقا,ومن المحطات التي بكاها الناصرية :
        اذا مال نحو الناصرية ركبه          فقلب الى بغداد منه يميل
وهذه الشطرة تجلس على ربيع احلامه  :
        لولاهم ما اتيت الربع اقصده        ولازهت بالربيع الحلو شطراء
والغراف لم تخرج من دائرة الذكرى :
         نحط على الغراف عصرا وليلة      رحالا ليمضي القلب فيهن حاديا
وهذه مويجات الغراف تسبح في قوافيه :
       عروسة الشعر والغراف مابرحت           فيه المويجات للعشاق صهباء
انها خمرته الروحية وهو يبتعد جدا جدا عن الخمرة الجسدية,ومن مرافئه الدافئة امه :
       ذكرناك اما تورد الطفل عينها            اذا لم يكن للطفل من مائه ورد
وهذا العراق حبيبه بعد الناصرية وربما قبلهاولكن أي عراق :
        انا الغريب وقد امسيت في بلدي       لا الدار داري ولا الاهلون اهلونا
وحينما فرشت الغربة خيمتها على عينيه وهو يفارق العراق قال :
       عن العراق اما قد جئت من خبر      عنه نساءل زوارا وركبانا
ولم تغب بابل عن ذاكرته :
     وبابل قبلة التاريخ نرسمها         في بابها اسد لااسد تصرعه
ومن رموزه المباشرة السيد المسيح المفكر الزمني الخالد :
    الست انت الذي اسرى باحمده       عبر السماء وضاءت منه اجواء
ولم ينس الاصل اليعربي" :
       ومالي سكونا اماجدي يعرب      كاني الى الاسلام قد جئت داعيا
وقد رثى الشاعر عبد القادر الناصري الذي مر البحث عنه :
      كيما يصوغ فكانت من سبائكه          قصيدة من عيون الشعر غراء
ولم ينس معلم الاجيال الخالد :
             انت المعلم شعلة قدسية              قد نورت للعالمين دياجرا
وللموروث مكان خصب في قصائده الكثيرةومنه الشاعر الفحل عنترة :
      وانكرت ليلى كافرا بوجوده      (وان كان لولا الليل ماطلع الفجر
وهذا تناص رائع واضح ,وفي قول اخر يتناص به مع الحمداني الاول :
            اذا ذكرت بغداد هجت تشوقا      واذللت دمعا في خلائقه الكبر
ونهل من جرير قوله :
    قد كنت واسطة للعقد فانتبذت      عنا مكانا باقصى الغرب موضعه
ونهل من ابن الجهم قوله :
     تذكرت فيها ما اهاج بي الهوى             عيون المها بين الرصافة والجسر
ولم ينس المثل الشائع :
        لملم بقاياك ماهذي باخرها                  فاول الغيث قطر ثم ينهمر
ومن التقابلات الرائعة في شعره  :
          هذي النصوص لكم غناك طائرها       عند الصباح وكم ابكتك ورقاء
ويبدو التضاد واضحا وفي قوله :
         الا البلابل ماحطت على غصن       الا وكان لها لحن واصداء
وهنا يظهر التقابل المقعي بين البلبل والغصن وفي قوله :
       ومالك الا الشعر تشدو لحونه              وتقرع في الانغام منه طبول,
اما البلاغة تستقر في شعره وتاخذ ابعادها كقوله :
       وحواليه قلوب ترتمي             تحت رجليك كومض الشهب
ومن رد العجز على الصدر قوله :
             وتذبل اوراقي بعز ربيعها              ولو شئت لم يعلق بهن ذبول
ولم تخط عدسته الشعرية اللون في قوله :
             خفت الكون فالقى فوقه                 بردة قد نسجت من ذهب
وللحمداني الشاعر جديد وهو المشاكلة التي تتعلق في البيت ومابعده كقوله :
         الست انت الذي اسرى باحمده            عبر السماءوضاءت منه اجواء
         فلست اعجب ان تسري مواكبنا           وان يكون لها في الليل اسراء

وقوله :
      يصارعه امران اهل وصحبة             فلم يدر أي الصاحبين خليل
      اذا مال نحو الناصرية ركبه              فقلت الى بغداد منه يميل

اما المرأة فقد جاءت في شعره ولم يفصح ابدا عن اسم محدد فهذا ليس من خلقه ابدا ولكن اطلق كنية (عزيزة)
              نسيت بها الاوطان وهي عزيزة     وما كنت لولا ان نسيت بلاديا
              لاشهد قد كانت الى الروح ظلة      ودفئا وايمانا ولست مغاليا
              اذا رزق الانسان صنوا لروحه      فقد هان ان يلقى هناك الدواهيا

ولعل الشاعرقد وجد صنو روحه ولكنه لم يجد استقرار شعره وجمهوره القلق الذي لايفهم الكثير مما يقول,وهكذا اخصب الحقل الشعري للحمداني المبدع ولكن لم تخصب البذور التي زرعها بعد ونحن بشوق لانتظار القطاف .