| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 6 / 4 / 2024 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الأصولية اليهوديةد. سالم رموضه *
(موقع الناس)هذا عنوان كتاب صدر في فرنسا للكاتب الفرنسي اليهودي " إيمانويل هيمان" وترجمه للعربية سعد الطويل وصدر عن دار الهيئة المصرية العامة للكتاب في طبعته الأولى في يناير 1996م, قام بالتعليق عليه الدكتور جمال الرفاعي من خلال عمل بعض الهوامش التفسيرية. يُعتبر مفهوم الأصولية هو الرؤية التي تتخذ من الأصل الديني أو السياسي أو العرقي مرجعاً أساسياً ونهائياً, ويشرح القاموس الفرنسي لاروس الصغير الأصولية بأنها تعبّر عن موقف أولئك اللذين يرفضون تكييف عقيدتهم مع الظروف الجديدة, الأمر الذي يجعل الأصولية ترتبط بصفات سلبية ملازمة لها مثل الجمود والانغلاق والتحجّر المذهبي والمحافظة على الأمور التراثية والتعصّب للماضي مما يعيق كل مظاهر النمو والتطوّر. يُعتبر العنف من أهم صفات الأصوليين لاعتقادهم بأنهم يحملون رسالة إلهية يجب فرضها على الآخرين, الأمر الذي يجعلهم يجدون صعوبة في التعايش مع أي مجتمع أو بيئة تخالف قناعاتهم.
تتمثّل الأصولية المعاصرة في إسرائيل في منظمة " جوش أمونيم" التي تضم عشرات الآلاف من العناصر المتعصبّة التي تسعى لضم الضفّة الغربية وقطاع غزة وفرض الطابع اليهودي على الحكم بدلاً من النموذج الغربي. وللأصولية اليهودية منبعان أساسيان, منبع قديم يرتبط بيهود " الدياسبورا" وهم من يختارون أسماء تذكّرهم بمرحلة الشتات مثل موسى ويوسف وهارون ومنبع وطني آخر ظهر مع قيام دولة إسرائيل ويختار أصحاب هذا الفريق أسماء تذكّرهم بالتاريخ الحربي الحديث مثل عساف وباراك وشمعون.
في فصل كامل أفرده الكاتب لتطرّف "حملة الخناجر", حيث يعود بنا تاريخياً إلى ما قبل الميلاد وتكوين أولى الجماعات الأصولية في تاريخ البشرية. فبعد عودة اليهود من سبي بابل سنة 539 ق.م, انقسموا إلى فريقين أولهما يجنح إلى التغيير والمعاصرة وثانيهما تكوّن من جماعة من المتشدّدين المتمسكين بالشريعة اليهودية. ومن بين المتحمّسين تميّزت " فرقة السيكارين" الذين كانوا يتسلّحون بالخناجر الرومانية المسماة " السيكا" وكانوا يغتالون كل من يظنون أنه خان القضية الوطنية, وهكذا اُعتبروا من أكثر الأشكال الأصولية تطرّفاً لأنهم لا يغتالون الأعداء فقط ولكنهم يوجهون ضرباتهم إلى اليهود المتهاونين في تطبيق الشريعة اليهودية أو المتزوجين من أجنبيات أو من يتزيّنون بالزي الروماني. وفي عام 1989م عادت السيكارية للظهور من جديد بغرض إحياء الحرب الأهلية اليهودية وذلك بتهديد كل من يوافقون على إجراء مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية مع تبنّيها شعارات بفرض ديانة دموية وهي ليست إلا غطاء للهدف الحقيقي وهو أن يفرض على دولة إسرائيل ذلك النموذج البشع والمشوّه لليهودية. وما محاولتها بطرد العرب إلا من أجل أن تخضع اليهود لسلطانها بعد ذلك ولتفرض عليهم جميعاً اضطهاد وقسوة أنبيائها.
وفي فصل آخر من الكتاب يعود الكاتب إلى تأصيل حديث للظاهرة تحت مُسمّى "الجيتو", إذ بنهاية القرن 14م طُرد اليهود من فرنسا وهي حلقة من حلقات الشتات التي يتكوّن منها تاريخهم, ولم تستطع الطائفة اليهودية الفرنسية أن تتكون ثانية إلا بعد الثورة الفرنسية عندما حاول نابليون أن يستغل رغبتهم في الاندماج في الوطن الفرنسي الأم, فأنشأ معابد يهودية جديدة لمحاربة الخزعبلات القديمة ولكنهم أصرّوا على الفصل بين الرجال والنساء في الصلاة, ودون تخطيط مسبق وجدت اليهودية الفرنسية نفسها في نهاية القرن ما تصوّرت أنه غايتها المفقودة وهو العودة للجذور, جذور الاتجاهات المتطرّفة. وممّا ساعد على نمو هذا التطرّف أن غالبية اليهود السيفاردين وهم النازحون من شمال أفريقيا قد اندفعوا بقوة إلى المرجعية الدينية فغالوا في تقديس الطقوس وجنحوا للانعزال والتقوقع وهي دعوة صريحة للعودة إلى " الجيتو", والجيتو هذه المرة ليس هو ذلك الحي المظلم الذي كان مخصصاً لسكن اليهود في العصور الوسطى في بلدان أوروبا والذي لم يكن لليهود الحق في الخروج منه إلا بإذن خاص من الكنيسة, ولكنها العودة إلى الجيتو الفكري المتطرّف المنغلق.
وفي فقرات فصل جديد كشف الكاتب على أن موقف حاخامات فرنسا من أفكار " تيودور هرتزل" كان فاتراً فقد زاد اعتقادهم بأن زمن احتقار اليهود قد ولّى وأن أبواب المدينة قد انفتحت لهم. ترسّخ هذا المعتقد في أذهان اليهود الفرنسيين وأصبحت دولة إسرائيل تُمثّل لهم المستقبل بعد أن نجوا من فخ الحل النهائي النازي, وهو تعبير يعني إبادة اليهود في معسكراتهم. وظهر موقف صراعي بين المحافظين الأرثوذكس والعلمانيين المجدّدين, إذ يعتقد المحافظون أن تعاليم اليهودية هو إقامة دولة دينية وليست دولة علمانية.
وفي ما تبقّى من أبواب في هذا الفصل, يتناول الكاتب رؤى متعدّدة لمواقف الأصولية اليهودية تحت عنوان لافت "أبواق صهيون" يشرح فيه المجتمع الأصولي المعاصر في إسرائيل حيث يصبح من المشاهد المألوفة صورة المراهق الذي يلبس الطاقية الصغيرة ويطلق لحيته. وهذا الشباب هو مظهر لتيار كبير من اليهود ممن يخفون انخراطهم في سلك الحاخامات ويكوّن اتجاهاً قوياً ضاغطاً يطالب بإضفاء الطابع اليهودي الأصيل على كل مظاهر الحياة. وبين طرفي الصراع يوجد اتجاه وسطي يُطلق عليه " الصهيونيون الدينيون" ويضع الكاتب فكرهم تحت عنوان " على طريق أبراهام". هناك اليهودي الديني الذي يرتبط بالوعد الإلهي والذي يؤمن بأن الرب قد قاد إبراهيم إلى أرض كنعان ويستشهد بالنصوص المقدّسة, وهناك اليهود الصهاينة الذين كانوا يحلمون بإقامة دولة ومجتمع اشتراكيين ويسخرون من المتدينين الذين تقوقعوا داخل جيتو فلكلوري. ويرى أتباع الاتجاه الصهيوني الديني أن اليسار واليمين متشابهان, الأول يمكن أن يدمر إسرائيل في ثلاث سنوات والثاني يمكن أن يدمرها في عشر سنوات مستشهداً بالتوراة التي تقول إن الفاسق والقاتل متساويان في الذنب وبإسقاط واقعي حديث فإن رابين كان قاتلاً أما نتنياهو فهو رجل فاسق, مع أن هذا الأخير ليس فاسقاً وحسب ولكنه فاسداً ومجرم حرب.
وتطرق الكاتب في الفصل السابع والأخير لليهود الأمريكيين وربما يكون الثقل الأساس يعتمد على هؤلاء اليهود وعلى رأسهم عائلة روتشيلد واللوبي المؤثّر من الأذرع السياسية والمالية والإعلامية في أمريكا وما أحداث غزة منذ 7 أكتوبر 2023م وما تبعها من حرب إبادة جماعية بشعة يرتكبها الجيش الصهيوني في حق المواطنين الأبرياء العزّل إلا ترجمة صريحة لسلوك هذا اليمين اليهودي المتطرّف المُساند من قبل الأصوليين اليهود وتفسيراتهم التلمودية المشوّهة.
المكلا في 4 أبريل 2024م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق