| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 6 / 8 / 2026 د. سالم رموضه كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
شخصيات أكاديمية مرّت على جامعة حضرموت (6)
الدكتور علي أحمد حسن الربيعد. سالم رموضه *
(موقع الناس)في ظنّي أن جامعة حضرموت في السنوات الأولى من إنشائها حَظِيت بطائفة متنوّعة من أعضاء هيئة التدريس العرب, منهم من أتى بموجب اتفاقيات مُبرمة مع جامعاتهم أو مع وزارة التعليم العالي في بلدانهم كما حصل مع السودان والعراق ومصر والبعض الآخر أتى بطرقٍ فردية أو بمعرفة أحد الشخصيات القريبة من دوائر القرار في الجامعة أو عبر مراسلة الجامعة مباشرة للحصول على وظيفة عضو هيئة تدريس في إحدى كليات الجامعة. ولهذا مرّ على جامعة حضرموت أفراد أخيار من سورية والأردن والعراق وليبيا والجزائر والصومال وغيرها.
والشخصية الأكاديمية التي نحن بصدد أن نتناول جزءً يسيراً من مسيرتها العلمية في جامعة حضرموت هو الدكتور علي أحمد حسن الربيع من مواليد 1957م من شهباء الشام مدينة حلب في سورية الجميلة, ومن سورية كذلك مرّ على الجامعة أساتذة كرام في العلوم البحتة: الدكتور سهيل عيد في علوم الكيمياء والمرحوم الدكتور شاكر الشاطر في علوم الفيزياء والاثنان من مدينة حمص التي بها مرقد أبي سليمان أسد الله المسلول خالد بن الوليد. كما إن لسورية وشعب سورية معزة خاصة في خواطرنا نحن جيل الخمسينيات والستينيات عندما كانت سورية توصف بأنها قلب العروبة النابض, إذ دخلت في وحدة اندماجية مع مصر وشعب مصر خير شعوب وأجناد الأرض, ولكن ذلك المشروع الحضاري لم يُكتب له النجاح للأسف المرير. وفي جانبٍ آخر أثناء دراسة الدكتوراه في مدينة تولوز الوردية والجميلة جنوب فرنسا بين عام 1983 وعام 1987م, كان لنا أصدقاء أعزّاء من سورية: بسّام حنّا قدّس الله روحه من حمص ومحمد صفّو وفؤاد بيلوني من حلب وجورج صهيوني من اللاذقية وربما كان هناك آخرون غيرهم لم تسعفني الذاكرة على تبيانهم. جاء الأخ علي الربيع إلى اليمن مشفوعاً بإجازة في الآداب عام 1980م من جامعة دمشق, وحطّ به الرحال أولاً في صنعاء ليعمل مدرساً وموجهاً تربوياً في وزارة التربية لمدارس ومعاهد المعلّمين للأعوام 1982- 1995م حيث تحصّل في السنة الأخيرة من عمله على دبلوم عام تربية عام1995م من جامعة صنعاء, الأمر الذي شجّعه على استكمال دراساته العليا في السودان وحصوله على الماجستير والدكتوراه من كلية التربية بحنتوب, جامعة الجزيرة في عام 1997م وفي عام 1999م على التوالي. ومن المصادفات العجيبة إن هذه الكلية كانت أصلاً مدرسة ثانوية افتتحت في سبتمبر1946م واتخذت الهدهد شعاراً لها وكان تلاميذ حنتوب مزيجاً قومياً أو تدامجاً وطنياً فريداً إذ يؤمّها التلاميذ من دارفور وكردفان وكسلا وكوستي والدويم وسنجة والروصيرص, كما التحق بها تلاميذ من حضرموت والصومال البريطاني وكان (لويس براون) أول ناظر لحنتوب والذي سنّ بها أنظمة تعليمية وتربوية صارمة أشبه بتلك الأنظمة في المؤسسات التعليمية البريطانية وبالذات في أكسفورد وكامبريدج. عند انتقال حنتوب في سبتمبر1946م إلى مقرها في قرية حنتوب على الشاطئ الشرقي من مجرى النيل الأزرق مقابلة لمدينة واد مدني التي تقع في الجهة الغربية من النهر المتدفّق من بحيرة تانا في جبال الحبشة, كانت هناك أربع داخليات: المك نمر والزبير وعثمان دقنة وأبو عنجة. وعندما التحقنا بها نحن المُبتعثون من السلطنة القعيطية في المكلا عام1966م, زاد عدد الداخليات إلى عشر, فأضيفت داخليات النجومي وعدلان وضيف الله ودينار وجمّاع وأبو لكيلك. درس في حنتوب الثانوية معظم الشخصيات الحضرمية البارزة ومنهم: الوزراء محمد عبد القادر بافقيه وفيصل عثمان بن شملان وفرج سعيد بن غانم (رئيس وزراء) وعبدالرحمن عبدالقادر بافضل, ونائب الوزير طالب جعفر بن شملان, والعمداء عبدالحافظ عبدالرب الحوثري ومحمد عبدالله بن ثعلب وعمر محمد باسباع وعبدالله صالح بابقي, والشخصية الوطنية والنقابية علي سالم الغرابي وكبير المحاسبين في هيئة ميناء عدن علي عمر الصافي وآخرون والمذكورون جميعهم قد انتقلوا لرحاب الله. كما إن مجموعة كبيرة من خريجي مدرسة حنتوب الثانوية على قيد الحياة أطال الله أعمارهم ومنهم سالم محمد الأشولي محافظ البنك المركزي الأسبق ومدير عام مستشفى عدن الأسبق عبدالله سالم عميّر ومدير عام المؤسسة العامة للإنشاءات في المكلا سابقاً صالح عبدالله العسّاني وكاتب هذا المقال الذي درس في هذه المدرسة النموذجية خلال الأعوام 1966م حتى عام1970م وكانت دفعته هي آخر دفعة بعثتها إدارة المعارف في السلطنة القعيطية, إذ جاءت بعدها حقبة الاستقلال عن بريطانيا في 30 نوفمبر1967م وتوقفت تلك البعثات المباركة.
جاء الدكتور علي الربيع المكلا في ديسمبر عام 2000م وبرفقته شخصية سورية ظريفة يُكنّى بأبي عمر, بدا لي أنه مهتم بقضايا الجالية السورية في صنعاء وغالبيتهم مدرّسون. أحال إليّ المرحوم الأستاذ الدكتور علي هود باعبّاد ملفه العلمي وكان متفاهما للغاية معي في مثل هذه القضايا بأن ترك لي هامشاً كبيرا لاتخاذ القرار المناسب, فجزاه الله عني وعن كل من استفاد من هذه الأريحية التي اتّسم بها الأخ رئيس الجامعة, ولهذا فقد أحلتُ مباشرة ملف الدكتور السوري القادم من صنعاء لعمادة كلية التربية بالمكلا لمباشرة عمله هناك رغم أن الفصل الدراسي الأول كان على وشك الانتهاء وليس هناك أي عبء تدريسي يمكنه القيام به, وربما لَمّح لي الأخ العميد بهذه الملاحظة. استمر الدكتور علي الربيع في عمله في كلية التربية بالمكلا ثم انتقل بعدها لكلية البنات في مجمّع الكليات بفوّة لتدريس المقررات التربوية والبحثية, وكان موفقاً للغاية في مهامه التدريسية والإدارية ومتعاوناً مع زملائه في الكليتين ومحبّاً لحضرموت ولليمن حتى إنه سمّى ابنه البكر أيمن أقرب بأحرفه لليمن. وفي عام 2006م غادر جامعة حضرموت طواعية للعمل في جامعة نجران إحدى الجامعات السعودية الحديثة, ولكن رغم مغادرته حضرموت مع عائلته الكريمة ظلّت علاقته بجامعة حضرموت ومعي على وجه الخصوص طيبة فقد شهدنا معا مواقف جميلة, فالرجل كان كريما للغاية لا سيما في مواسم شهر رمضان, إذ سرعان ما يكون بيته مقصداً لضيوف كثيرين ومنهم الأخ محافظ المحافظة في تلك الفترة المرحوم عبدالقادر علي هلال والذي يأتي إلى بيته ملبيا دعوة الإفطار منفرداً دون حراسة وهي سمة بارزة اتّسم بها الأخ الشهيد المحافظ وشهدتُ شخصياً عليها, فقد كنتُ على رأس المدعوين في هذه المناسبات المباركة.
المكلا في 6 أغسطس 2026م
* نائب رئيس جامعة حضرموت السابق