|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  9 / 8 / 2021                                 د. سالم رموضه                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



منظومة القيم الاجتماعية في بلدتي الديس الشرقية
عامل تعاقب الأجيال

د. سالم رموضه *
(موقع الناس)

ترتسم دائماً أمامنا صور ناصعة للزمن الماضي القريب لمدينة الديس الشرقية والتي تعكس منظومة قيم جميلة وعفوية لسلوك الناس وعاداتهم ونهج حياتهم ومعيشتهم البسيط. ومدينة الديس الشرقية هي أحد المدن المهمة في محافظة حضرموت كبرى محافظات الجمهورية اليمنية. وكما هو معروف فإن ضوابط السلوك وآدابه تعكس ثقافة الإنسان وشخصيته وبيئته وبأي حال فهي لا تعيق تصرف العقل بحرية وعفوية بل تنظم وتهذب نشاطه الاجتماعي ومبادراته. وآداب السلوك ليست مجموعة قواعد اجتماعية مصطنعة تفرضها حاجات التطور أو التقاليد لكنها قواعد تحتمها القيم الإنسانية والروحية وتستمد جذورها من الدين ومن دستور الحقوق والواجبات المتبادلة للناس في أية بيئة كانت. وتلعب التربية وأساليبها دوراً مؤثراً في بلورة تلك القواعد السلوكية وآدابها. صحيح إنه من الصعب إيجاد فواصل محددة عند الحديث عن تعاقب أجيال في مدينة ما أو في تجمع سكاني كان ذلك ريفياً أو حضرياً. وإذا سلّمنا جدلاً أن مدينة الديس الشرقية هي منطقة استيطان حضري ومدني سيما في مركز المدينة ووسطها منذ أجيال عدّة متعاقبة انصرمت, والدليل على ذلك أن نسبة كبيرة من ناسها اعتادت الأسفار ومن تلك الأسفار ما هو لمناطق جوار في الخليج العربي أو دول القرن الأفريقي بل منهم من قطع المحيطات لدول شرق آسيا والهند. كما اُمتهنت حرفة الصيد بأنواعها المختلفة لدى عدد لا بأس به من السكان بمن في ذلك ربابنة السفن وملّاحيها. ويشكل قطاع الزراعة والفلاحة البسيطة والحرث مهن أساسية عند عدد آخر ليس باليسير, إضافة إلى بقية المهن النمطية الأخرى من حرفيين وبنّائين وتجّار صغار ومعلّمين وموظّفين. ومع كل ذلك التنوع المهني والنشاط الاجتماعي إلا إن مجموع السكان في مدينة الديس الشرقية في ذلك الزمن الجميل شكّل تجانسا حضرياً ومدنياً اتّسم بقيم التكافل الاجتماعي ضمن منظومة قيم حدّد إطارها العام التشابك الممّيز في وشائجها الأسرية ربما قلّ نظيرها في مدن وبلدات مجاورة. وصحيح أيضاً في هذا السياق إن ثقافة أي مدينة هي نابعة من ماضيها وما تركه لها الآباء والأجداد من عادات وتقاليد وموروثات ثقافية واجتماعية وسلوكية أوشك بعضها أن يُنسى وأصبح البعض الآخر مهدّداً بالطمس والاندثار مع تعاقب الأجيال. ولا مندوحة أن نقرّ اليوم بأن مظاهر التطور التقني وأساليب التكنولوجيا العصرية ووسائلها المتيسّرة وأدواتها الجديدة أضفت على حياة الناس وسلوكياتهم في الديس الشرقية وضواحيها نزعات مستحدثة لم تكن ترد على بال في الزمن القديم وهذا هو ناموس الكون وأبجديات قوانين التطوّر والتجديد.

ماذا تغيّر في الديس الشرقية وضواحيها التي أصبحت ضمن نسيجها الحضري والمدني, في عادات الناس ومنظومة قيمهم ومفاهيمهم ؟ لا شك أنه قد طرأ عليها تغيّر دراماتيكي ملحوظ. لا شك إن كثيراً من الآباء والأجداد لا زالوا يتذكّرون تلك الصورة الجميلة التي كانت تفتخر بها الديس الشرقية في الزمن المبارك الجميل وهو من معالم تراثها وهو موسم الخريف, كان له وقع خاص في حياة الناس وعكس مضامين التكافل الاجتماعي في أنصع صورة. فقد كان يفد للديس الشرقية من مناطق الشحر وشحير وبعض البلدات المجاورة أناس تحت مسمّى قضاء فترة الخريف, ومنهم من كان يبيع السمك المالح كمهنة مؤقتة لتلك الفترة. كانت مدينة الديس الشرقية مُحاطة بأشجار النخيل من كل ناحية ويُطعم الناس الخريف دون استثناء طوال ذلك الموسم الجميل الممتع.

أما إذا تطرقنا إلى جانب آخر من المقارنة, وهي ثقافة التربية مع تعاقب الأجيال, فالحديث ربما يكون ذا شجون. إن أجيال سابقة رغم قساوة العيش وشظفه وبساطة الحياة وقتها, إلا إنه كان يُنظر إلى التربية ومناهجها بثقافة صافية ومغايرة لما هو حاصل اليوم. تربّى الأبناء على حب العمل وعدم التواكل والاتّكالية والتفكير في النجاح وفق قواعد التنافس الشريف, ولهذا برز منهم الكثير. كانت منظومة القيم الاجتماعية وقتذاك هي قيم التفوّق والكد والجد والجهد والاتقان والوفاء بالوعد والصدق واحترام الوقت ولكن هذه القيم للأسف قد تفوّقت عليها في ثقافة اليوم وقطعاً دون تعميم مطلق, قيم المظهريّة والاعتماد على الحظ والفهلوة بمختلف أنماطها. للمدرس على سبيل المثال حرمته ووقاره وتوقيره منذ مراحل التعليم الابتدائية وهي التي كانت سائدة رغم محدودية المدارس في ذلك الوقت الجميل. كان من المستحيل أن يمر المدرّس بمكان ما ويصادف أن يكون بذلك المكان بعض التلاميذ دون أن يقفوا له احتراماً وتوقيراً, بل وصل الأمر حدّاً أنه إذا مرَّ المدرّس بزقاقٍ من أزقّة البلدة فعلى التلميذ أن يمرَّ بزقاقٍ آخر مخافة أن تقع عينا المدرّس عليه. وكان من المستحيل كذلك أن يخرج التلميذ من بيته قبل الساعة الرابعة عصراً ناهيكم أن يسهر لأوقاتٍ متأخرة من الليل كما هو حاصل اليوم, فطوبى لمدرّسي تلك المرحلة دون استثناء.

كيف كانت الأسرة تعتمد على المرأة في تدبير كثير من أمورها الحياتية والمعيشية, فهي التي تجلب الماء (بالقربة) ربما من أماكن بعيدة, وهي التي تجلب الحطب لإشعال مواقد الطبخ و(تنانير) أفران الخبز والسمك. وهي التي تطحن البر والذرة منذ سويعات الفجر على ضوء فوانيس الكيروسين. تلك جهود شاقة ومضنية كانت تقوم بها ربة الأسرة دون تبرّم وضجر وكأن ذلك كان قدرها وواجبها. فألف رحمة على أولئك الأمهات والجدّات اللاتي تعرّقت أصابعهنّ وتيبّست من لهيب النار الذي يواجهن كل يوم. هذا فضلا عن المشاركة في ترميم بيوتهنّ الطينية من (محضة) لياسة الجدران وخلافها في توقيت ومواسم معروفة. لم تنقطع مواسم الأمطار وما يصحبها من تدفّق السيول في وديان البلدة كل سنة. وعندما تخف حدّة السيل وجريانه يستفيد الأهالي منه في تغسيل فرش البيت و(سلقات) الجلوس المصنوعة من الخوص. تغيّر الحال اليوم ودون شك نحو الأفضل ولكن صاحب ذلك نوع من الكسل والتكاسل ولم يعرفن جملة التضحيات الجسيمة التي قامت به المرأة في ذلك الزمن الجميل.

هذه بعض من أمثلة المقارنة التي نمت مع تعاقب الأجيال, في ظني يستحسن الاستناد عليها كمنصات انطلاق نحو الأفضل دون التطرّق لحالات وجوانب أخرى ربما تم إغفالها دون قصد متعمّد, منصات انطلاق نحو مجتمع واعد في الديس الشرقية وربما ينطبق الحال على مدن وبلدات أخرى مشابهة نحو مجتمعات الترابط الأسري والتكافل الاجتماعي المنشود.
 


*
نائب رئيس جامعة حكومية سابق
ورئيس جامعة أهلية سابق


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter