| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 25 / 6 / 2026 صبيح الزهيري كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
افكار اولية حول مشروع اليسار العراقي
لا مستقبل لليسار في العراق بدون دولة علمانية ديمقراطية حديثة
صبيح الزهيري
(موقع الناس)المقدمة :
ظهر مصطلح اليسار في العالم بعد الثورة الفرنسية وتطور بعد ثورة اكتوبر في روسيا بعد انقسام الحزب الاشتراكي الروسي الى بلشفيك ومنشفيك و اعتبر البلشفيك ممثليين لليسار الجذري- الشيوعي والمنشفيك لليسار الاصلاحي, و ظهرالمصطلح في العراق منذ بدايات القرن العشرين وتجلى بشكل واضح بعد ثورة 14 تموز 1958 حيث برز العراق كأحد دول الشرق الاوسط الساعية لبناء دولة المؤسسات المدنية الديمقراطية ثم تراجع هذا الزخم بعد انتكاسة ثورة تموز واستمر التراجع الى يومنا هذا.
اذن, ما هو اليسار؟
اذا استعملنا التعريف الماركسي فهو يعني الانحياز لجبهة الفقراء و منتجي الخيرات المادية - اي الطبقة العاملة وعموم الكادحين والفلاحين وجمهور المبدعين واصحاب الكفاءات العلمية - وهذا لن يتم الا بوجود دولة يقودها حزب شيوعي اواشتراكي ويفضي الى بناء دولة اشتراكية في نهاية المطاف .
كما يوجد يساراصلاحي ذو طبيعة لبرالية وتتبناه غالبا الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية والطبقات البرجوازية الصغيرة غالبا وهو يخفف فقط من شراسة الاستغلال الرأسمالي ولكنه لن يبني نظاما اشتراكيا في حين انه يشارك احزاب الرأسمالية الكلاسيكية في الحفاظ على النظام الراسمالي في دعم الاستغلال الطبقي وشن الحروب على الشعوب الاخرى مثل حزب العمال الاسرائيلي والبريطاني .
اما في العراق الحالي فان مفاهيم اليسار والديمقراطية والعلمانية تراجعت تماما عن المستوى الذي وصلت اليه الحضارة العالمية بسبب الانقلابات العسكرية المتعاقبة ونظام البعث الفاشي ونظام الاسلام السياسي المتخلف والذي يطمح باعادة العراق الى زمن القرون الوسطى مستعملا سلاح الفكر الايديوجيا الثيوقراطية.
ولذلك على القوى المدنية والديمقراطية تفكيك هذا الفكر وهذه الايديوجيا بواسطة اعلام علمي رصين وصبور واثبات للقارئ العراقي ان الدين و الطائفية والعشائرية صارت ادوات بيد القوى الرجعية والامبريالية و الصهيونية لغرض فرض هيمنتها وتنفيذ مشاريعها المشبوهة والتي اوصلت العراق الى هذه الحالة المزرية.
ذلك ان الاسلام السياسيلا يؤمن لا سياسيا ولا فقهيا ولا اجتماعيا بحقوق الانسان ولا بالعدالة الاجتماعية و لا بالاشتراكية ولا بالديمقراطية ولا بالقوانين الوضعية ولا بحق الشعب في ثرواته المكتنزة في الارض و لذلك فهو يصنف موضوعيا في اقصى اليمين وبذلك فان هذا الفك يقدم اكبر خدمة مجانية للامبريالية والصهيونية و الرجعية.
شعار التغيير
تطبيقا لقرار المؤتمرالحادي عشر للحزب الشيوعي العراقي والمسمى (بالتغيير الشامل) فقد تحركت قيادة الحزب مشكورة لرفع شعار(من اجل لملمة واستنهاض قوى اليسار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية) كبداية علمية وموضوعية لبناء نظام العدالة الاجتماعية ومن ثم الاشتراكية.
و لكن هنا يطرح سؤال مهم جدا هو :
هل المقصود من الشعار هو لاغراض انتخابية موسمية وحسب الواقع الموجودة حاليا ؟
اذن اسمحوا لي بالقول بملئ فمي - ان لا فائدة تُرجى من هذا المسعى -
ذلك ان النتيجة محسومة لصالح بقاء شكل النظام القائم بسبب عدم وجود مقومات دولة بالمفهوم العلمي ويكفي ان نذكر بتشخيص مؤسسات عالمية مرموقة حيث اعتبرت العراق دولة فاشلة وانها واحدة من افسد ثلاث دول في العالم .
فلا اقتصاد ناتج عن جهد بشري و تبادل ولا طبقات اجتماعية واضحة المعالم ولا احزاب سياسية تمتلك برامج سياسية واجتماعية واضحة اوانظمة عمل داخلية او ضوابط تنظيمية. وانما هو مجرد مجاميع سائبة توحدها مصالح أنية ضيقة وغالبا ما تضع نفسها في سوق البازار السياسي وهي بالضبط مثل كثبان رمال الصحراء قد تتجمع اليوم و تنفرط غدا وبأول عاصفة.
ناهيك عن سوء قانون الانتخابات الحالي وقانون تاسيس الاحزاب و مفوضية الانتخابات الحالية وافرازات المال السياسي والتدخلات الاجنبية والمال السياسي المسروق من (الدولة)
ولعل ظهور اكثر من 300 (حزب) قبيل كل دورة انتخابية دليل واضح على ما ذهبتُ اليه.
و اخيرا اقول انا مع مسعى الحزب لسعيه الى لملمة القوى المدنية و الديمقراطية و اليسارية و لكن فقط باتجاه رفع مستواها السياسي و الفكري و التنظيمي بامل ان تتوحد في تنظيم واحد او اكثر ثم بعد ذلك يجري التحالف معها مستقبلا وفق برنامج واضح و محدد يناسب المرحلة.
اما اذا كان هدف التحرك هو لغرض تغيير النظام نفسه ببديل جديد اي اقامة دولة حديثة تنفي ذكما جاء في المؤتمر الحادي عشر للحزب فاهلا و سهلا بالمشروع و الى الامام.
و هنا ارى من واجبي المساهمة في طرح بعض الاليات الموصلة للهدف وحسب اجتهادي وخبرتي المتواضعة:
فالمقترح الرئيسي لي هو الاقلاع نهائيا عن النهج الاصلاحي التجريبي الذي مارسه الحزب منذ عام 2003 و الانتقال الى النهج الثوري في العمل السياسي والفكري والتنظيمي مع تحديد هدف ستراتيجي له هو استلام السلطة اما بشكل فردي او عن طريق تحالف وطني ديمقراطي يكون لليسار فيه صوت مسموع .
واليكم اهم المقترحات و الخطوات الاولية الموصلة لهذا الهدف قبل طرح برنامج اشتراكي.
واعتقد ان ما ساذكره قد يزعج البعض و لكن كما يقول المثل (مشرط الطبيب الجراح مؤذي و لكن بدونه لا يمكن اجتثاث الورم)
المقترحات
1- بما ان التجربة العملية للنظام البرلماني في العراق والتي امتدت لاكثر من عقدين اثبتت فشل هذا النوع من الانظمة وبنسبة مئة بالمئة و بسبب خصوصية العراق المتخلفة والمتمثلة في (اقتصاد ريعي ووعي اجتماعي متدهور ومتبني الطائفية ولاثنية والقبلية بدلا من الوطنية العراقية)
اذن يجب التراجع خطوة الى الخلف وذلك بتبني النظام الرئاسي المقيد مع الاحتفاط بالفدرالية .
فالمعروف في علم السياسة هو ان النظام البرلماني اكثر رقيا من النظام الرئاسي ولذلك فهو يحتاج الى مستوى وعي سياسي و اجتماعي موازي له وهذا غير موجود بالعراق في الوقت الحاضر ولذلك يبقى خيار النظام الرئاسي المقيد هو الخيار الافضل في هذه المرحلة من وجهة نظري .
متطلبات الانتقال الى النظام الرئاسي
1- تشريع دستور علماني ديمقراطي بفصل الدين عن السياسة ، ويمكن الاستفادة من الدستورالمعمول به حاليا اذا ما تم حذف منه ما يلي :
أ- (الاسلام دين الدولة)
فهذا التعبير غريب حقا فالدولة خيمة لكل المواطنين من مختلف الاديان والمعتقدات فكيف يكون لها دين وخاصة ان العراق المتعدد الاديان والطوائف والنِحل والثقافات, كما ان حجة الكثرة في العددية للدين الواحد فهي فكرة سخيفة و رجعية وتسلطية ذلك ان الفكر لا يقاس بالكثرة و القلة العددية لانه بناء نفسي عقائدي مثل العقائد الفلسفية .
ب- حذف عبارة (ان لا تُشرع قوانين تتناقض مع الشريعة الاسلامية) ولعل احد اسباب ضرورة حذف تلك المادة هي ان الدين يتكون من قواعد ثابتة جامدة ليس لها علاقة بتغير الظروف والتطورالحضاري والمعرفي للبشرية ,وهذا المفهوم يتناقض مع واقع التطورالحضاري المتجدد على الدوام. ذلك ان الحياة المتغيرة دوما .
ج- كذلك حذف (الدولة تتكون من مكونات اجتماعية)
د- لان المصطلح يزرع و يفجر النعرات الانفصالية و نزعات الفساد المتنوعة والتي تهدم كيان الدولة والمجتمع و يٌستغل من قبل الاعداء (فرق تسد) وحاصة في مجتمع يعاني من التخلف والتجهيل المبرمج كالمجتمع العراقي في الوقت الحاضر.
هـ- كذلك يجب الغاء قانون الاحوال الشخصية الجعفري و العودة لقانون رقم 188 كونه قانون طائفي يمزق اللحِمة الاجتماعية و يحط من قيمة المراة العراقية وهو منافي لمبدا حقوق الانسان.
كما يجب الغاء العٌرف المعمول به حاليا (رئيس الجمهورية كردي – رئيس الوزراء شيعي – رئيس البرلمالن سني) ويثبت بدله مبدا التحصيل العلمي و الكفاءة والنزاهة والخبرة وينتخب من عموم الشعب حصرا.
كذلك ينتخب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة ويمنح لقب القائد العام للقوات المسلحة وله حق تعيين رئيس مجلس الوزراء او اقالته بالتشاور مع البرلمان والمحكمة العليا او باستفتاء شعبي مباشر كما ان له الحق في اختيار وزرائه من داخل البرلمان او من خارجة مستندا الى مقاسات الخبرة و الكفاءة و التحصيل العلمي و النزاهة.
- في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية لسبب ما يحل رئيس المحكة العليا محلة مؤقتا
- فليس للدين او القومية او الطائفة علاقة بتنصيب رئيس الجمهورة ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان و رئيس المحكة العليا حيث يكون التحصيل العلمي والكفاءة و النزاهة والخبرة هي التي تقررالتعيين .
كذلك يجب ان يكون للدولة جيش وطني واحد و علم وطني واحد ونشيد وطني واحد
كذلك يجب ان يشرع قانون جديد للانتخابات يعتبر العراق وحدة سياسية و جعرافية و اجتماعية واحدة و يمنع تأسيس الميليشيات والمجاميع المسلحة او تأسيس احزاب سياسية ذات اذرع مسلحة اوتوجهات شوفينية او طائفية.
كذلك يمكن تحديد مدة الدورة الانتخابية بخمس سنوات على ان يجري انتخاب رئيس الجمهورية بشكل منفصل عن مجلس النواب .
اما في المجال الاقتصادي و الاجتماعي فاني ساذكر ما يلي:
1- صب كل الجهود والامكانيات من اجل الاسراع بتصنيع البلد تخفيض نسب الاعتماد على واردات النفط وبقية مردودات الاقتصاد الريعي.
يجب اصلاح البنى التحية للدولة العراقية
ا- الطرق الجسور وكل المواصلات والاتصالات
ب- حماية البيئة ومكافحة التصحر
ج- التوسع في انشاء المستشفيات والمراكز الطبية
د- بناء اكبرعدد من المدارس وجعل التعليم في خدم التنمية
هـ - غلق التعليم الاهلي تماما باعتباره مفسدة للعلم وحاضنة للغش والتزوير و الفساد المالي و الاداري
و- تشريع قوانين خاصة للعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان وقوانين تحمي الابداع الفني والثقافي والرياضي
باعتقادي هذا هو المدخل العلمي والطبيعي لمشروع اليسار المقترح فهذه الخطوات هي مفاتيح الدخول عمليا الى برنامج الاصلاح المنشود وبدونها لن يحدث اي شيئ مهم في اي مجال اخر قبل اسقاط هذا النظام لذلك فالمهمة الانية و الرئيسة هو اسقاط هذا النظام الفاسد.
اذن فالخطوة الاولى التي تسبق الدخول الى برنامج التغيير المنشود هو العمل الجاد و السريع على تسريع و انضاج ازمة النظام الحالي وبالتالي اسقاطة و بدون اسقاطة لن يتغير اي شيئ .
و قد لا نحتاج الى اثبات وجود ازمة نظام حكم بالعراق فهي موجودة اخذة بالتسارع و التعقيد وهنا ياتي دور الحزب و القوى الديمقراطية في انضاجها و الاستعداد لقطف ثمارها قبل ما تفلت الامور من يد الحزب و القوى الديمقراطية.
وهنا لدي ثلاثة سيناريوهات محتملة :
1- الاول الفوضى العارمة
2- الحرب الاهلية
3- تقسيم العراق الى دويلات واعتقد احد هذه السيناريوات سيحدث في المستقبل المنظور
لذلك علينا مسابقة الزمن في الاستعداد و لعل اهم ما يجب القيام به الان هو :
4- تفعيل الجهد الايديولوجي والتنويري باقصى ما يمكن بسبب هول التخلف الفكري المريع الذي تعانية جمهرة واسعة جدا من العراقيين والذي كان بسبب الدكتاتورية الصدامية و الاسلام السياسي و لذلك يجب التركيز على هذا المحور بقوة و بكل صراحة واعتقد ان لدى الحزب والقوى الديمقراطية الامكانية الجيدة بسبب الثورة العلمية و التكنولوجية السائدة في العالم .
فلقد وصلت التناقضات بين اجنحة النظام الى حافة الصدام المباشر
وسيكون لمنظمات الحزب في خارج الوطن جهد فاعل في الجانب الاعلامي لانها تمتلك الحرية في الكتابة و النشر
التوجه السريع لايجاد قيادة لقوى التغيير تتزعم النضالات الجماهيرية اليومية وابراز دور الحزب فيها وتنشيط دور الشبيبة و النقابات العمالية و منظمات المجتمع المدني و محافل البحث العلمي و الاكاديمي على اوسع ما يمكن وسيكون على الحزب ان ينفذ مقولة الرفيق فهد (عائلة الرفيق قاعدة نضاله الاساسية) اي الزام كل رفيق بالتحرك على تنوير عائلته وكسبها لصالح شعار الحزب - التغيير الشامل -
5- تقوية الجانب الاعلامي وفضح كل عيوب النظام الفكرية و السياسية و الاجتماعية بكل جرأة و بدون تردد و لنرفع شعار (لا مجاملة في الحقائق العلمية)
6- انغماس الشيوعيين بين التجمعات السكانية بشكل علني واشراك القوى الديمقراطية في الفعاليات وتنشيط العمل التطوعي للشيوعيين بين الناس .
الخلاصة ان مشكلة العراق غاية بالعقيد وتحتاج الى عقلية علمية ثورية صبورة ذات افق استراتيجية بسبب ما مر به البلد من كوارث نتيجة تخلفه المريع و اطماع الاخرين.
16-6-2026