الأربعاء 12/5/ 2010
كلمات -309-أزمة تشكيل الحكومة..إلى أين!؟
طارق حربي
أفرزت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 آذار الماضي، واقعا جديدا ربما أكثر تعقيدا عما أفرزته الانتخابات الماضية، سواء مجالس المحافظات أو البرلمانية، ووضعت الكتل السياسية أمام تعقيدات لاتنتهي إلا بالقضاء على خلافاتها، التي يبدو أنها تكبر يوما بعد يوم حسب تقسيم السلطة والنفوذ والمال ومايؤدي من تناحر وخصومة، وبرزت نتائج ذلك باستحالة تشكيل الحكومة، بعد مضي أكثر من شهرين على انتهاء الانتخابات، التي لم يصدق أحد على استحقاقاتها لحد الآن، كما لم يحترم إرادة الناخبين العراقيين، ورغم أن زعماء دولة القانون يؤكدون على الدول الاقليمية، بعدم التدخل في قضية تشكيل الحكومة القادمة، بدا أن القرار أبعد من أن يكون قرارا عراقيا خالصا، وإرادة وطنية تستند إلى صندوق الاقتراع، الذي توافقت على مايفرزه من نتائج كل الكتل السياسية.
وفي إطار حمى الصراع على السلطة تهاونت الحكومة عن هيبة البلد، وجعلت حتى إمارة صغيرة كانت تابعة للعراق في الماضي، تسجن موظفيها في لندن!، وتعتدي على صياديها في عرض البحر وتحتجزهم مع قورابهم، وتحارب العراق بمصدر رزقه عبر مشروع خبيث وإجرامي بالتعاون مع النظام السوري الفاشي، بتحويل مجرى نهر دجلة إلى داخل الأراضي السورية لتحرم العراق من أهم موارده المائية!
وفيما تستسهل قوى الارهاب والظلام طريق الخلافات بين الكتل السياسية، ويعود عنصر المبادأة من جديد لأيديها القذرة، فتضرب في عدد من المدن العراقية في وقت واحد كما حدث يوم أمس في بغداد وبابل والبصرة وواسط والأنبار، في تحد جديد لقدرات القوات الأمنية، التي أثبتت تراخيا بسبب اعتقاد بعض قياداتها، بأن مصيرها سيكون مجهولا بعد تشكيل الحكومة، لأنهم أصلا لم يتم توظيفهم في الأجهزة الأمنية لمهنيتهم أو كفاءتهم، بل عن طريق الرشاوى الدولارية والمحاصصة الطائفية بما يسمى (ضباط الدمج)، يزهد الزعماء المتشبثون بالسلطة والطامحون إلى ركوبها، بلقاء سريع لحلحلة الأوضاع واحترام مبدأ الانتقال السلمي للسلطة، بما يفوت الفرصة على المتربصين لإرجاع العملية السياسية إلى المربع الأول.
تجدد دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي يوميا تمسكها بمرشحها الوحيد (الباقي!) في السلطة، وكأن رحم العراق لايلد سياسيا بعد المالكي!، وفي طرف النزاع الآخر حول المغانم، نرى القائمة العراقية وعلى لسان زعمائها متمسكة بـ”استحقاقها الدستوري” لتشكيل الحكومة، رافضة عددا من (المغريات!) بينها عرض منصب رئيس الجمهورية على زعيم القائمة!، مجددة موقفها بحسب بيانها الصادر يوم أمس “ بأنها تمثل بحق الشعب العراقي بكل أديانه وقومياته، وانها المعبرّ الاساسي عن المشروع الوطني العراقي، وعليه فان أي استهداف للكتلة يعتبر استهدافاً للمشروع الوطني”. ولنرى بعد استلامها للسلطة إن كان حقا ماتدعيه، من أن لديها مشروع وطني عراقي يسير بالبلد إلى بر الأمان، وليس نهب ثروات العراق، وفتح الباب واسعا أمام الأنظمة العربية لتنفيذ أجنداتها واستعادة ماأنفقته على العراقية من دعم وتمويل فكل شيء له ثمن!، وعودة البعثيين نكاية بالأحزاب الشيعية، كما حدث بعد استلام زعيمها لمنصب رئاسة الوزراء سنة 2004 ..والأيام بيننا..!!
وبين الطرفين المتخاصمين يتساقط العراقيون بالعمليات الارهابية بالجملة ويقضون بالسرطان، تقل مفردات البطاقة التموينية وتتصاعد نسب البطالة، تتدهور الخدمات في مجالات الكهرباء والماء وتعلو تلال النفايات وغيرها، ولاأحد من الساسة - وكلهم لايستحقون حكم العراق - يطرف له جفن ويصحو ضمير، ويتنازل هو وقائمته ويفك عقدة استعصاء تشكيل الحكومة، فكل كتلة متمسكة بمرشحها سعيا للحصول على الوزارات السيادية والمناصب المهمة بلاضمير ولاوازع أخلاقي، في ظل غياب شبه كامل للوطنية العراقية اللهم إلا لدى البعض وهم قليل قليلة، ولاتحسب لهم حساب الكتل الكبرى المتحكمة بمصير العراق.
مطلوب من الجميع في هذه المرحلة العصيبة من تأريخ العراق، التحلي بروح المسؤولية الوطنية والأخلاقية، نبذ الخلافات وتوحيد الصفوف والقبول بنتائج الانتخابات والعد والفرز، كما ستعلنها مفوضية الانتخبات منتصف الأسبوع القادم، ليتم التصديق عليها ثم تعقد أول جلسة للبرلمان الجديد لاختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن، حتى يتم تفويت الفرصة على الإرهابيين وأعداء العراق الطامعين.
11/5/2010