| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

تقي الوزان

Wz_1950@yahoo.com

 

 

 

الأحد 5/4/ 2009

 

9 نيسان وبوصلة اللحظة التاريخية

تقي الوزان

يقول العراقيون " العافية درجات " , والتحرر من الخوف والرعب بعد ان سقط النظام الصدامي يأتي بدرجات. وفي يوم 9 نيسان 2003 كان الكل مندهش ومرتبك ويراقب , ولااحد من العراقيين يعرف : هل ان النظام الصدامي المرعب سيصمد ؟ ام ستكون هذه النهاية ؟ كان البعثيون يتجولون باسلحتهم ومفارزهم في اغلب مدن العراق , بمافيها المدن التي سقطت بطريق اندفاع الجيش الامريكي , الا ان قبضتهم تراخت , وسيطر الذعر عليهم , واخذوا يتوددون للجماهير المكتوية بنارهم . كان للخوف المتراكم في نفوس العراقيين ولعدة اجيال الاساس الذي جعل الترقب والانتظار سيد الموقف , للتأكد من نهاية النظام , وهذا هو السبب الذي كان المانع الرئيسي من ان يتعرض البعثيون الى مجزرة تقلع آخر جذورهم . كان شبح فشل انتفاضة عام 1991 هو الذي سيطر على ذاكرة العراقيين , واثار كل هذا الخوف من الانتقام الدموي الرهيب اذ تكرر الفشل مرة اخرى .

لم تكن هنك فضائيات تلفزيونية , ولم يكن ( الستلايت) موجودا عند العراقيين ليطمئنوا من عملية اقتلاع النظام الصدامي والى الابد , بعكس الذين في الخارج ويتابعون الحدث دقيقة بدقيقة . كم ذرف العراقيون الحقيقيون من الدموع وهم يشاهدون ابو تحسين وهو يتلو البيان الاول , ويحدد السبب الحقيقي للمأساة . كان سماع رنين اصطدام نعله بصورة صدام يسمو بنفوس العراقيين الى ذرى لاتستطيع ارقى السفونيات من ايصالهم اليها . ابو تحسين وصوته المتهدج كثف عمق المأساة , وكثف الاصرار المتحفز للنهوض من جديد . في تلك اللحظة الفاصلة , في تلك اللحظة الخالدة , تفجر الامل , وطار بالعراقيين الى سهول خضراء وينابع كثيرة , وفي اليوم الثاني عرف الجميع ان ابا تحسين شيوعياً , فازدادت الثقة بخصب الارض العراقية , والثمر الذي تذوقوه من هذه الشجرة المعمرة , كان اكسير الحياة في الوطن الجريح على مر السنوات . ولكن فات الشيوعيين بعد ان شعروا بالفخر بالتاريخ المجيد وشرف الانتماء – وهذا حقهم – ان ابا تحسين كان لوحده يلقي بيانه امام الكاميرات , والجموع خلفه هرعت الى الفرهود .

استرجعت هذه الصورة بعد ان قرأت لبعض الاخوة الشيوعيين وهم يلومون حزبهم وقيادته لانه تراجع , ولم يأتي بالنتائج المرجوة في انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة , وفاتهم ان الفوز في الانتخابات لايأتي عن طريق التاريخ العريق , ولابطول فترة النضال , ولا بكثرة الشهداء والتضحيات الجسام , ولا بوضوح البرامج والاهداف , والحزب مغيب لاكثر من ثلاثين عاما , واكثر من نصف العراقيين ممن ولدوا في هذه العقود لايعرفون اسم الحزب الشيوعي . ولاشك ان الحريصين ابدو ملاحظات جادة تعالج الكثير من نواقص العمل الحزبي , الا ان احدا لم يتطرق الى الضعف الاهم الذي لازم اعادة بناء الشبكة التنظيمية في مختلف انحاء العراق , وما رافق هذه الاعادة من اشكالات قد يكون اقلها آلام الاستلاب وعقده الذي تركته مرحلة البعث الطويلة , وما احدثته من حساسيات وهشاشة فكرية لايمكن تجاوز آثارها السلبية بذات السهولة التي مارست فيها باقي الاحزاب العراقية عملها السياسي , وادعت ان منتسبيها من وكلاء الامن ومن البعثيين هم فوق الشبهات . والمتفحص سيجد حجم الدمار الحقيقي الذي لحق بالحزب , وانها مشكلة حقيقية لايمكن تجاوزها بالتنظيمات الحالية , والبحث عن وسائل غير تقليدية ضرورة لابد منها .

ولكي تكون تقديراتنا قريبة من الواقع يجب ان ندرك ماذا يعني ( الحفر في الصخر ) , ليعاد التنظيم المتين في مثل هذا الخراب الذي تعرض له المجتمع العراقي برمته . وحتى لانبقى محلقين في الفضاء , فرغم كل النواقص التي رافقت العملية الانتخابية الاخيرة , وسلبت منا – وليكن نصف اصواتنا – فسيبقى حزبنا ضعيف عددياً بين باقي الاحزاب الكبيرة في هذه المرحلة الانتقالية بالذات .

ولكي لاتغيب عنا بوصلة اللحظة التاريخية لابو تحسين , فقد كان وحده يتلو بيانه , وكان وحده يرفع رايته , كان وحده يتقدم من الكاميرا التي نقلت صورته لكل المعمورة , وعبرت عن الجوهر الحقيقي للعراقيين , وحفظت ماء وجههم من صور الجماهير التي عاكسته المسير وذهبت الى الفرهود . ومن يريد المحافظة على الجوهر عليه ان لايترك للخسارات ان تتشابك وتمنع عليه النمو بالضوء الواضح الذي لايخلق السراب .



 

free web counter