الجمعة 7/1/ 2011
على قارعة الطريق
تقي الوزان
عفت كل الناس بس بيك التهيت
من هواك شحصلت آني شحويت
غير بس هم وأذية
ولوم عذالي عليّ
قسمة اعو فك يا حبيبي لو قدر
كله منك كله منك زاد همي وكثر
ارتفع صوته مباشرة بعد انتهاء اللعبة التي انتهت بفوز هولندا على فريق لم اعد أتذكره في تصفيات بطولة كاس العالم التي جرت في الأرجنتين عام 1978, كان صوت احد الجالسين الذي ينتظر انتهاء اللعبة كي لا يسرق الآخرين لذة متابعتهم للأداء الفني العالي لفرق المقدمة العالمية , وهي تتصافى في نهائي كاس العالم .
آني ما ظنيت بالحب هلمرار
جفني ما يغمظله ليل ولا نهار
حتى روحي عذبته
ومن غرامك ظوكَته
قسمة اعو فك يا حبيبي لو قدر
كله منك كله منك زاد همي اوكثر
لم يكن صوته برخامة صوت مطربها سعدي الحلي , ولم يكن صوته بالجميل أيضا . إلا ان عمقه , وكثافة الإحساس , وغصات العبرة التي تكسرت بالدفق الطاغي لكل مفردة من مفردات الأغنية , منحت أدائه السيطرة المطلقة على جميع الجالسين في الحديقة الخلفية لبار سرجون , الذي يقع في نهاية احد منعطفات شارع السعدون على أبي نؤاس . هذا الأداء الفني العالي منحني الثقة للقول : بان الكثير من ألاغاني العاطفية يمكن ان تثير أحاسيس سياسية أكثر من أغاني كتبت بشكل مباشر خصيصا للسياسة والوطنية , أي حسب الزاوية التي تتلقى بها الأغنية . وضربت مثلا آخر بأغنية فيروز " ع هدير البوسطة " , ويا الهي , كم لوعتني هذه الأغنية وأنا اشتعل بالحنين لمدينتي الصغيرة .
راهنت صباح على ان صاحب الصوت الذي غنى أغنية سعدي بهذا الصدق , بعد ان صفق له الجميع عند انتهائها شيوعي . كانت الهجمة الدموية من قبل النظام على الشيوعيين قد أخذت مديات واسعة في المحافظات والمدن الصغيرة . وكان لكبر بغداد والشخص فيها غير معروف مثلما في مدينة صغيرة, فقد قدم إليها الكثير من أبناء المحافظات , طالب , معلم , مهندس , كاسب ..الخ , عسى ان يجد ملاذا لبعض الوقت , واغلبهم لا يمتلك مهنة , فيذهب الى المسطر كعامل بناء , وكان قسم غير قليل منهم يلتقي في بار سرجون .
صباح وبألم قال : ما نعرف شوكت يجي سرانه . صباح جمعة كان عامل طباعة في مطبعة الحزب " دار الرواد " , وعضو اللجنة النقابية فيها , كان قصيرا ووسيما , وافتراق محبب بين سنيّ مقدمة فكه الأعلى يزيد من سعة ابتسامته . كان صباح من عائلة طباعين , واخيه الصغير فؤاد طباع ماهر أيضا ويعمل في صحيفة " التآخي " . في احد الأيام كان فؤاد هو الخفر , وغاب خفر التحرير , وكان العنوان الرئيسي في الصحيفة : رئيس الجمهورية السيد احمد حسن البكر يفتتح احد المعامل المهمة . وسقط الباء من البكر , لتطبع احمد حسن الكر . وانتبه لها في توزيع أول دفعة , وجمعت على عجل , وقبض على فؤاد , وخضع لكل صنوف التعذيب في الأمن العامة . وفي وقتها كان المرحوم عامر عبد الله وزيرا للدولة , وبعد تدخلات كثيرة أطلق سراح فؤاد بعد أربعة اشهر وهو بين الموت والحياة .
كان النظام في أوج قوته , والشيوعيين لا يمتلكون ابسط مقومات الدفاع عن النفس , حتى ولا خطة انسحاب . كانت قيادة البعث , وقبل توقيعها على ميثاق العمل الوطني وإقرار الجبهة الوطنية عام 1973, تعمل بحمية للغدر بالشيوعيين, وتحلم بهذا اليوم الذي توفرت فيه الظروف لإنهاء الحزب الشيوعي . وكانت هناك مؤشرات كثيرة في هذا الاتجاه , كان من أبرزها عزل هيئات الجبهة عن العمل السياسي والشعبي المشترك , وتحويلها إلى ديكورات ولافتات للتعاون , يلهث داخلها الشيوعيون لإطلاق سراح منتسبيهم من السجون , ورفع الحيف نتيجة الاتهامات الباطلة التي أوجدتها أدوات النظام لملاحقتهم . وكذلك انفراد قيادة النظام بجميع القرارات السياسية المتعلقة بتوجهات الدولة بما فيها اتفاقية الجزائر بين الشاه وصدام , والتي لم تعرف تفاصيلها إلا بعد ما أنزلته بالعراق من كوارث .
استمر صباح في مواصلة العمل في مطبعة الرواد , كواحد من أواخر العمال بعد أن صرف الحزب اغلبهم نتيجة اشتداد حملة النظام الدموية . اعتقل صباح صباح احد الأيام عند خروجه من المطبعة بعد ان قضى الليل لطبع احد آخر بيانات الحزب . استمر اعتقاله لأكثر من شهرين , وعند خروجه لم يكن منكسرا مثل الكثيرين الذين اذلوا واجبروا على توقيع التعهدات بعدم العمل مع الحزب الشيوعي , أو الاستشهاد بدوافع فردية تتعلق بالكرامة الشخصية , حيث لم يبقى إلا القليل من الأسرار بعد ان تمكن النظام من كشف اغلب النسيج التنظيمي , سواء بالخروقات الكبيرة التي عمل عليها منذ سنوات , أو بإشاعة الخوف والرعب من أساليب التعذيب التي دفعت البعض للانهيار وكشف ما بجعبتهم . لم يكن يشعر بالذل مثل الآخرين , وكان مرفوع الرأس , وهذا لا يعني انه أزاح عبئ استمرار العمل مع الشيوعيين وتخلص من رعب الموت الذي أصبح طابع هذا الطريق , والا كان قد وقع التعهد في اليوم الأول وأنهى المشكلة , وهو لا يعني أيضا انه تعاون مع النظام بشكل مجاني وأصبح مثل بعض الحثالات التي مسخها البعث , وجعل منها أخبث أدواته في التنكيل بمن حافظ على شرفه ولم ينجرف في قذارات النظام . كان هناك احتمال واحد , وهو الأرجح . عندما وقع التعهد أراد كسب الوقت ليعاود المسير في دروب الحرية التي حولها النظام الى دروب موحشة .
" عكَد النصارى " الزقاق الذي يلي الشورجة على جهة اليسار من شارع الرشيد , عند مدخل صيدلية رمزي ويمتد الى شارع الجمهورية , كان بجميع فروعه اكبر سوق لبيع الأدوات الكهربائية ومعداتها في العراق , ويعمل فيه مجموعة من الرفاق . في فرعه الأول على اليسار بناية حديثة من طابقين تحوي على عدد من المتاجر , وفي مقدمتها مكتب الأخوين شاكر حسين وشقيقه شكر للمقاولات الكهربائية , وكان من قسمين الاول مكتب والثاني المواجه للزقاق معرض للأدوات الكهربائية , وفوقوهما مدت " بسطة " من الخشب استخدمت كمخزن .
كان المكتب ملتقى لبعض الشيوعيين , من بينهم مرشح اللجنة المركزية وسكرتير الوزير عامر عبد الله المرحوم عبد الصاحب ألحميري ( أبو زمان ) , وعضو المكتب السياسي الحالي محمد جاسم اللبان الذي استخدم المكتب كملجأ ينام في مخزنه , وعندما اعتقلت في بداية الشهر الخامس عام 1979 تركه في نفس اليوم , لأني مع شاكر فقط الذي بقى وحده لإدارة المكتب بعد سفر شكر إلى الخارج نعرف بوجوده , وبعد إطلاق سراحي اثر ( العفو ) الذي أصدره صدام بعد اغتصابه لرئاسة الجمهورية , التقيته يعمل في احد أفران الصمون في الاعظمية .
لم يتمكن صباح جمعة من الحصول على عمل في المطابع بعد إغلاق صحافة لحزب , خاصة وانه كان من الوجوه النقابية المعروفة . اخذ يتدرب على يد شاكر في إدارة بعض أعمال المكتب , وعندما سحبت مواليد شاكر 1949 لخدمة الاحتياط عند قيام الحرب العراقية الإيرانية , كان صباح قد تمكن من إدارة المكتب واخذ يسير أعماله .
انتشر البعث كالسرطان في جسم المجتمع العراقي , وكان اشد فتكا في الوسط الفني نتيجة الاغراءآت الكثيرة كالشهرة والأضواء والعطاءات المادية الكبيرة , والتركيز عليه باستخدام كل وسائل الاغراء او التنكيل من قبل جلاوزة النظام بشكل مبكر . كان النظام يعتقد ان الفنان يمكن ان يصور الحياة كما يريدونها مثل أية حرفة أخرى , وقد نجح في سحب البعض لساحة ارتزاقه بشكل مذل , وبعضهم من الأسماء المعروفة , حيث انزلقوا لتمجيد صدام وقادسيته , وتعاموا عن كل الكوارث التي حلت بالعراق . وفي المقابل ترك الساحة الفنية الكثير من الفنانين الحقيقيين , ورفضوا الانجراف في هذا الانحدار الآسن , البعض اضطر للسفر الى الخارج , وآخرين التحقوا إلى أولى المفارز في كردستان , وقسم آخر اختفوا عن أعين الشرطة والأمن والعمل في مهن أخرى , ومنهم الفنان المسرحي دريد إبراهيم الصفار .
كلنا نذكر مسرحية " الخان " التي قدمتها فرقة المسرح الفني الحديث , وقد اختار الأستاذ يوسف العاني دريد الوسيم لمثيل الشخصية الرئيسية في المسرحية , وهي شخصية يوسف العاني ذاته , وكان الأداء موفقا والنجاح حليف العمل . دريد منع من العمل في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون لكونه شيوعي , واخذ يعمل في التلفزيون التربوي التابع للنشاط الفني في وزارة التربية . اضطر للاختفاء عن أعين النظام والتحق بصباح للعمل في مكتب شاكر , كان يخرج مع الكهربائي لإنجاز المقاولات التي يأخذها المكتب سواء في بغداد او باقي المحافظات , وعند عدم توافر العمل يكون مع صباح في المكتب .
دريد من عائلة كادحة , أعطت ثلاثة شهداء في مقاومة الفاشية البعثية , الأول شقيقه الأكبر قيس , وكان خطاطا , اعتقل في مكتبه في الكرادة زوية , وبعد أكثر من عام بلغ بإعدامه وترك زوجة وطفلين . والآخر شقيقه الأصغر قصي , وكان طالب مدرسة إعدادية لا يتجاوز عمره السادسة عشر , قبض عليه في بيتهم الصغير في الكرادة وتلقت العائلة خبر إعدامه أيضا . وقبض على دريد وصباح سوية في مكتب شاكر , ولم يعرف عنهما شئ لحد الآن. ولدريد شقيقة متزوجة من الفنان المسرحي عبد الحسن سميسم قبض عليها أيضا .
عبد الحسن سميسم ( ابو سلام ) ذلك النجفي الطويل الذي دخل عامة الثلاثين في 1979 , كان يبحث عن أي شئ يربطه بأسطورة النضال الوطني الشهيد سلام عادل , خريج أكاديمية الفنون الجميلة قسم المسرح , ويعمل في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون , وعزل في السنتين الأخيرتين ومنع من ممارسة أي عمل فني , وعمله الوحيد كان الاستماع للإذاعة الإيرانية ومراقبة ما تتحدث به عن العراق . ترك العمل عند اشتداد الهجمة واخذ يعمل في احد معامل النجارة , وكلف للاحتفاظ بحقيبة بريد محلية الناصرية وبعض من وثائقها , وتم كبسها في بيته واعتقال زوجته . عند عودته الى البيت عرف ما جرى في غيابه , وكان من الصعب عليه ان يترك زوجته لوحدها . كان لا يستطيع أن يسلم نفسه الى شرطة الأمن لإخراج زوجتهخوفا من ان يفسرها البعض ويتقول : بأنه ذهب بنفسه إلى الأمن , ويوضع في خانة من وقع في السيارة قبل ان يصل إلى مديرية الأمن , ومن جهة أخرى كي لا يفهمها الأوباش في الأمن على انه جبن . انتظر في البيت لغاية كبسه مرة أخرى , واعترف لهم بمسئوليته عن الحقيبة , ليطلق سراح زوجته ويغيب إلى الأبد .
عاد شاكر في آخر إجازة عسكرية , ودخل الى مكتبه , تفاجأ لعدم وجود صباح , نظر الى الخلف عله يرى صباح قادما بأقداح الشاي , ونظر باستفسار الى الشخص الجالس خلف المكتب والذي قطع اتصاله الهاتفي واستفسر : ها اخي تريد شي ؟ أجابه شاكر : أريد شي شنو؟! هذا المحل مالي . يا اهلا وسهلا بسيد شاكر , صار شكَد واحنه ننتظرك . وفي الأمن , ورغم كل وسائل التعذيب تمكن شاكر من الإصرار على إفادته بأنه لا يعرف بصباح ودريد شيوعيين . ومع ذلك أحيل إلى محكمة الثورة التي حكمت عليه بسبع سنوات سجن ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة . ويعتقد شاكر ان صباح ودريد استشهدا تحت التعذيب في الأيام الأولى من اعتقالهم , لأنهم لم يواجهوه معهم رغم ان الأمن ادعا بانهما اعترفا عليه .