أيهما الأهم لشعوبنا ، الديموقراطية السليمة أم اللغة السليمة ؟
وئام ملا سلمان
لقد استلم بريدي الإلكتروني خلال اليومين الفائتين سبع رسائل تحمل ذات الرابط ( الثامن وصلني للتو وأنا أقوم بكتابة هذه السطور وقد كان مرفقاً ببيت من الشعر يقول : (هزلت حتى من هزالها بانت كلاها وسامها حتى كل مفلس، يضاف له عبارة فخامة رئيس وزراء لبنان، وبيت الشعر هو : لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس) وصلني ومن جهات مختلفة من الكرة الأرضية وبالتأكيد من عراقيين وعراقيات ومن دون تحديد لقومياتهم والقصد من وراء ذلك هو التندر مما يحمله الرابط ، والذي كان عبارة عن مقطع لرئيس وزراء لبنان الحالي سعد الحريري وهو يلقي كلمة له أمام البرلمان اللبناني ، وقد تم إختيار مقطع فلمي لا يتجاوز طوله الزمني دقيقة ونصف يظهر من خلاله الحريري متلكأً في قراءة بعض الكلمات وقد تم تقطيع الفلم (مونتاج) مع لقطات من واحدة من مسرحيات سعيد صالح الكوميدية والتي يظهر بها ساخراً وبطريقة فنية رخيصة ، من جانبي لم أكترث ولم أعلق على ما رأيت في الوهلة الأولى والسبب يعود إلى ما يستلمه البريد من روابط على هذه الشاكلة حد الإسفاف، ولكن بينما أنا في حوار مع صديقة لي حول هذا الرابط وسواه وبعد أن دعوتها وبإلحاح مني لمشاهدته من كومبيوتري حيث أنها لا تمتلك هذا الجهاز ولا تريد أن تمتلكه وبقناعة تامة تعلن عن عدم حاجتها له وهي تصر على أن تبقى كما ولو ان هذا الجهاز لم يدخل البيوت تتبع ما يهمها شأنه عبر التلفاز وأن تظل قارئة للكتاب بالبصيرة لا بالبصر ، إستجابت لدعوتي وشاهدت الرابط ،ومن بعده دخلنا حيز النقاش حول هذه الدعاية التي تحمل غايات شتى تروم إيصالها جهات معينة إلى الناس ولكن لا فائدة من ذلك في زمن تسعى به الشعوب صوب لغة الحرية والديموقراطية ، لا لسواها من اللغات .
وبقينا نتجاذب أطراف الحوار وتصورنا حال أولادنا وما أكثرهم عدداً من الذين كبروا في بلدان الشتات وحصلوا على شهادات عالية في العلوم السياسية وحقوق الانسان والعلاقات الدولية والطب والهندسة وكل صنوف العلوم والمعارف ،ومن هؤلاء ممن لديهم كفاءات رفيعة ورغبات قوية في العودة إلى العراق والعمل فيه ، وقد تربوا في أحضان الديموقراطية والذين اضحت اللغة الانكليزية أو السويدية وربما الفرنسية أو الألمانية أو أية لغة أخرى هي لغتهم الأم وربما هناك من يتقن ثلاث لغات وبطلاقة تامة ولكنه لا يجيد العربية قراءة وكتابة كمن تربى ودرس وتعلم في العراق ،فهل يحق لهم العودة والحضور في بلدانهم وخوض المعترك السياسي والحصول على درجات مهمة على صعيد الدولة والحكومة والعمل ؟ وأيهما افضل للعراق والعراقيين هل الشاب العراقي الذي لا يجيد العربية ممن تشرب بالديموقراطية و كبر في بلدان تؤمن بالحرية وبحقوق الإنسان وتصون كرامته فاستقام عوده على ذلك أم آخر يتكلم بعربية سليمة ويحمل تحت جلده دكتاتوراً صغيراً يعمل على تسمينه وإعداده لحين حاجته له ويذهب بالوطن والمواطنين صوب الصمت والتخلف والإنصياع وصولاً إلى الخراب ، ومن خلال الحوار لم ننسَ ممن كبر أو عاش في إيران ، ليتكلم بعربية تفضحها اللكنة الفارسية ، وعاد للعراق ليكون له صولات وجولات وهل يمكن لأحد من التعليق عليه إذا إستدعى الأمر جدلاً! .
ليس سعد الحريري الوحيد من بين القادة أو السياسيين العرب ممن لا يجيد اللغة العربية بل سبقه في ذلك الملوك العرب الشباب وخير مثال على ذلك هو العاهل المغربي وملك الأردن في بداية تسنمهما مهاميهما ، ولو أنصت من يهمه أمر اللغة إلى خطب قادة وزعماء ينطقون من قلب جزيرة العرب لندب حظه على ما تستلمه أذناه من نشاز نحوي ولغوي كارثي حتى انني أتذكر في يوم ما كان هناك حديث عبر واحدة من نشرات الاخبار مع واحد من الوزراء الخليجيين وقد كانت ردوده بالعربية الفصحى ويا لها من عربية كسيحة! وفي نفس الوقت كان هناك لقاء آخر لوزير الخارجية العراقي الكوردي هوشيار زيباري وكانت ردوده بالعربية الفصحى أيضاً ولكنها كانت لغة رصينة خالية من الهنات والعثرات وكان يومها يجلس معي أبني الكبير فقال لي بلهجة عراقية مملحة بخصوصيتها ( اسمعي يمه منو الُعربي ومنو الكردي من هذوله الثنين)، ولكن لماذا حين وصل الأمر إلى سعد الحريري أخذ مأخذاً من نوع آخر ، هل هي إيماءات مدسوسة من تيارات وجبهات سياسية وفكرية محددة يهددها ويخيفها ظهور أجيال شابة جديدة تقوم بمهمة التطوير والبناء تحت مظلة الليبرالية والديموقراطية ، فتسعى إلى كسر مساعيهم بشتى السبل والوسائل وللأسف أن العقل العربي القطيعي يستـأنس على هذه القفشات ويعتبرها مدعاة للسخرية وكأن اللغة السليمة متمثلة بالأقوال لا الأفعال والتي هي معيار الكفاءة السياسية ، وأن من شروط القائد أن يكون خطيب منبر وشاعر محفل وسجّاع مقامة سياسية يدبج الخطب الرنانة ليشد له الرعية .
لا أعتقد أنا والكثير ممن يشاركني الرأي من أن خطابات وكلمات القادة الخالية من الأخطاء هي من تقود الأمم للنجاح والتطور ولو كان الأمر كذلك فسيكون قصب السبق حصة الدول العربية حيث لغة القول هي من تتسيد ، ولسنا بحاجة إلى هؤلاء ولا إلى لغتهم السليمة ، وأنا مع كل زعيم يرفع الشعب بعد حرف الجر فقد سئمنا الشعوب المجرورة ولكن أين هو هذا الزعيم ؟؟
المستقبل سيثبت للجميع من أن لغة الفعل لا لغة القول هي من توجه البوصلة صوب مسارات الديموقراطية وتعمل على تطوير الوطن والإنسان معاً ، وليتعظ من هذا قوم يسعون إلى الأخذ بيد المواطن والوطن إلى قرون من التخلف والتجهيل المتعمد بشتى أنواعه ، والحر تكفيه الإشارة.....
لم أضع الرابط ولكن بإمكان الذي يرغب مشاهدته من البحث عنه في اليوتوب