من فضاء الحرية إلى فضاء الدمع
وئام ملا سلمان
لله درك يا ام عامر
تالله أنكِ ما نطقتِ عن الهوى
فالشعب طول الدهر يدفع جزية ، والريع ، ما حصد المقامر
مأساتنا وبإختصار - وطن به خوت الضمائر -
بشوق عامر كنت وعراقيين من كل مكان ننتظر أم عامر ، أم عامر التي غمرت قلوبنا بمحبة فطرية صادقة وهي تظهر بلقطات قصيرة عبر برنامج المايكروفون المفتوح حتى أضحت اللازمة له والدعاية الأكثر جذباً، هذه الصورة التي لا يمكن للمشاهد أن يمل منها وهي تفضح ضجر وملل أم عامر من كل ما يدور ، بل على العكس يثني ويبتسم ويقول بلهجة عراقية (لا عاب حلكَج) بالجيم الأعجمية ، كمن يقول لا فض فوك بالفصحى .
سيدة عراقية جميلة عذبة شفيفة بهيبة نخلة بصرية تضرب بجذورها في تربة وطن أرهقته الحروب والأنظمة ، تكلمت بلغة بعيدة عن التكلف والتصنع ، تشدك إليها وهي تتحدث ممتلئة بما تقول غير مكترثة لتركيب العبارات بفخفخة فارغة ، إختزلت كل بلاغات النساء والرجال بما جاءت به فكانت صورة غير مشوهة لإمرأة رافدينية وأم عراقية تنتظر خبراً من إبنها الذي غيبه الطغاة أو طحنته رحى الحرب وهي لم تتوقف من خبز رغيف المحبة لأهل بيتها ، كنت أراها سيدة عظيمة جمعت عظام أولادها من مقبرة جماعية ، سيدة استلبت يد الإرهاب عائلها ، صور عديدة كانت تدور في مخيلتي وأنا أتابعها بشغف حينما حلت ضيفة من طراز خاص على برنامج فضاء الحرية الذي تقدمه قناة الفيحاء، ولم أضع إطاراً لهذه الصورة حتى رجعت إلى عمق التاريخ حيث قداسة عشتار وبهاء شبعاد معاً ، وللأسف باءت كل محاولاتي بالفشل للتكلم مباشرة مع هذه السيدة وقد كنت أشعر بتوجع جهاز الهاتف من إلحاحي ، وما كنت لأفعل ذلك لو كان فضاء الحرية قد إلتقى بمن تشغل كرسي نائب في البرلمان ولكن مع أم عامر الأمر مختلف تماماً.
كم أم عامر يحتاج العراق وكم قناة عراقية صافية النوايا ستعمل على إستقطاب أم عامر وشبيهاتها من النسوة اللواتي لم يدنسهن وحل السلطة والجاه ، وما وضعن مصلحتهن أمام المصلحة العامة؟ وكم أم عامر يحتاج الإعلام التوعوي لكي يصل الصوت إلى الإنسان العراقي البسيط الحريص على عراقه ، إلى الآلاف المؤلفة من النسوة بعيداً عن مقدمات برامج وإعلاميات طارئات على مهنة الأعلام ، مثقلات باكسسوارات لا تختلف عن الأصفاد ، ناهيك عن الزينة الباذخة وأصباغ الشعر ومساحيق التجميل التي تحول بعضهن إلى دمى ناطقة .
أم عامر كانت تتنقل بنا من الدمعة إلى الضحكة بسردها ورصدها لظواهر يغفل عنها قلم الصحافي وعدسة آلة تصويره ربما ، وما زاد من شجوني وأبكاني أكثر في فضاء الحرية اللقاء الذي أجرته الفيحاء مع مواطنين وعن آرائهم حول ما شخصته أم عامر من سلبيات ، سيما وانني كنت قبل ساعة من عرض برنامج فضاء الحرية في مترو الأنفاق في طريق عودتي إلى البيت وكان يجلس بقربي وقبالتي فتاتان وصبي في طريق العودة من المدرسة كما تكشف حقائبهم المدرسية ، وكان بعض من حوارهم حول أغنية يتشاركون بسماعها من هاتف الفتى ، متنقلين بسماعة الأذن فيما بينهم ، وكنت استمع إليهم وهم يتحدثون ويتمازحون بسؤال أكتبه كما سمعته :
(är du en svensk medborgare) هل أنت مواطن سويدي ؟
ولا أدري سبباً لهذا السؤال ، ربما هو سخط على ما قدمت لهم الدولة من نـِعم !!! وبقيت وجوه هؤلاء الفتية عالقة بمخيلتي حيث أنا كما في كل مرة أسافر بجناحي الحلم إلى الهناك كلما رأيت جميلاً في الهنا ، وكان الهناك هذا الفتى البصري الذي كان يعلن ظلامته أمام مرأى ومسمع مشاهدي البرنامج وبالتأكيد ليس هو الفتى الوحيد الذي يكابد في وطن الخيرات بل هناك أعداد لا حصر لها من الأطفال والفتية الذين إنتهكت حقوقهم في التعليم والصحة والأمن واختصاراً لكل الكلمات أقول : كل من إنتفت فرصتهم للعيش بكرامة . هل إنتبه مسؤول ما إلى طلب هذا الفتى العراقي ؟ قال إنه يتعرض إلى المضايقات وهو يتنقل بـ (البساطي) المفردة منها بسطية او بسطه، وقد جمعها جمعاً لم اسمعه من قبل حيث اعتدنا أن نقول بسطات او بسطيات ، هذا الفتى الذي يجلس على بساط الفقر وتلاحقه الشرطة في فقره !!! هل ستعمل جهة رسمية معينة على حل مشكلته ؟ هل سيعود هذا الفتى إلى مقعد الدراسة لينال حظه من العلم والمعرفة ؟ هل سيحمي نفسه من إنتهاك الآخرين له وهو في هذا العمر ؟ هل ستتوفر لعائلته التي يعيلها لقمة عيش من دون منة ،وبقانون ضمان إجتماعي يكفل العراقيين المحتاجين جميعاً؟ وهل وهل وهل وهل ؟؟؟؟ أسئلة كثيرة تضج في رأسي منذ أن إنتهى برنامج فضاء الحرية حتى كتابة هذه السطور ، ولم أترك الاسئلة لوحدها تدور من دون حلم بفراشات ملونة تدور وتحلق في عراقنا عوضاً عن البق (بأنواعه) ، الذي يزعزع نوم السومريات ، أمهات العوامر .