|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  29 / 4 / 2026                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

لدغة في العتمة: حكاية من جبل مامند

وردا البيلاتي
(موقع الناس)

في الربع الأخير من عام 1979، بدأت ملامح الشتاء تزحف ببطء، حاملة معها برودة لا تقتصر على الطقس وحده. بتكليف من القيادة، كُلّفنا بمهمة استطلاع لمواقع العدو. كنا مجموعة صغيرة من الرفاق، وكان اسمي ضمنها.

حين أرخى المساء سدوله، اتجهنا نحو جبل مامند المطلّ على قلعة دزه. كنا مستعدين لكل شيء… أو هكذا ظننا.

توقفنا عند نبع ماء لملء زمزمياتنا. انحنيت، ملأت زمزمتي، وما إن هممت بإغلاقها حتى شعرت بحركة خفيفة في الداخل. ظننتها ورقة جافة سقطت من غصن قريب. أدخلت سبابتي وإبهامي لألتقطها…

في لحظة خاطفة لدغة. ألم حاد، كأنه نار انغرست في لحمي. شُلّ إبهامي فورًا، وامتد الألم كخيط مشتعل في يدي. حاولت أن أتماسك، أن أبتلع الصرخة قبل أن تخرج، لكن ملامحي فضحتني. قلت مازحًا، بصوتٍ متقطع :"يبدو أن زنبورًا لدغني". ضحكوا."
"زنبور؟ في هذا الظلام؟"

لكن حين أضاء الرفيق رزكار مصباحه، وأفرغنا الماء… انكشف ما لم يكن في الحسبان. عقرب. ساكن، متحفز، كأنه كان ينتظر إصبعي.

لم يتردد رزكار. أخرج شفرة صغيرة، شقّ موضع اللدغة، وبدأ يعصر الدم بقوة. كان الألم مضاعفًا، لكنني تركته يفعل. اقترحوا أن أعود. رفضت.

لم يكن الرفض شجاعة خالصة… كان شيئًا آخر. عناد، ربما. أو خوف من أن أكون الحلقة الأضعف. تابعنا المسير.

ساد الصمت. لم تعد هناك نكات. الطريق صار أثقل، والظلام أعمق، وكل خطوة كانت تختبر قدرتي على الاستمرار. داخلي، كان شيء ما يتصارع - بين الانهيار والتماسك.

بعد ساعات طويلة، وصلنا إلى هدفنا: معسكر هرشو. تأكدنا أنه موقع عسكري، ورصدنا ما يكفي. انسحبنا بهدوء، على أن نعود لاحقًا.

في طريق العودة، صادفنا بقايا بيوت شعر مهجورة. كان معظم الرعاة قد غادروا، إلا شيخًا بقي مع قطيعه. لمح وجهي، فتوقف."ما بك؟"

لم أجب. أجاب الرفاق. نهض بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذا الخبر. أعطاني حبتين مع قدح ماء. شربتهما دون سؤال.

بعدها… اختفى كل شيء. حين استيقظت، كان الصباح قد اقترب، وكان الألم قد تراجع كأنه لم يكن. عدنا إلى القاعدة، واستأنفنا الحديث وكأن الليلة أصبحت ذكرى. قال ناظم ختاري، وهو يهز رأسه: "معقولة عقرب تكون على فوهة زمزمية؟" لم نجب. كنا قد رأيناها بأعيننا. وفي تلك الليلة…شقّ الصمت صوت صراخ: "عقرب"

كان ناظم. قفزنا نحوه. هذه المرة، لم يكن هناك شك. حملناه مسرعين إلى الأسفل، إلى العيادة. كان جسده يتورم أمامنا، وملامحه تتبدل بسرعة مخيفة.

وقفنا نراقب… بلا كلام. وعندها فقط فهمنا أن تلك القمة، التي حسبناها موقعًا عسكريًا فحسب لم تكن لنا. وعندها فقط أدركنا الحقيقة: أن هذه القمة، التي ظنناها موقعًا عسكريًا فقط…كانت موطنًا لكائنات أخرى، تشاركنا الليل بصمت.

الرفاق المشاركون في المهمة:
رزكار (سامي المالح)
سركوت (استشهد لاحقًا في قرية بلقامش)
خضر من سرية بشدر
سردار ( ورداالبيلاتي – اسمي آنذاك)
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter