|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  3 / 1 / 2026                             وردا البيلاتي                              كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

أين الخلل في العراق؟

وردا البيلاتي
(موقع الناس)

الدولة بين تعدد القوميات وصراع الإرادات
يُعدّ العراق من أقدم بقاع الحضارة الإنسانية؛ فمن سومر وبابل وآشور انطلقت أولى القوانين والكتابة ومفاهيم الدولة. غير أن هذا البلد، على غنى تاريخه، لم ينجح في العصر الحديث ببناء دولة مستقرة تجمع قومياته تحت مظلة وطنية واحدة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أين يكمن الخلل؟ هل في الدستور أم في الشعب أم في طبيعة الدولة نفسها؟

خلل التأسيس: دولة بلا عقد اجتماعي
تأسست الدولة العراقية الحديثة عام 1921، لا نتيجة توافق وطني بين القوميات العراقية، بل بقرار استعماري بريطاني، مع استيراد ملك من خارج السياق الاجتماعي العراقي. جرى تشكيل مؤسسات الدولة دون حوار حقيقي بين العرب والكرد والآشوريين والتركمان وغيرهم، ودون صياغة عقد اجتماعي يضمن الشراكة والاعتراف المتبادل. ومنذ السنوات الأولى ظهرت نتائج هذا الخلل:
مذبحة سميل بحق الآشوريين عام 1933، الانتفاضات الكردية المتكررة وقمعها، تكريس عقلية الدولة المركزية التي ترى في التعدد تهديدًا لا ثراءً.

من الملكية إلى الجمهورية: تعميق الأزمة
لم تُنهِ ثورة 14 تموز 1958 الإشكال البنيوي، بل دخل العراق في دوامة الانقلابات العسكرية. تحوّلت الدولة إلى أداة بيد العسكر والأيديولوجيا، وتكرّست القومية الأحادية، ثم لاحقًا الدكتاتورية، حيث فُرضت “الوحدة الوطنية” بالقوة لا بالرضا. الوحدة القسرية لا تبني وطنًا، بل تُراكم كراهية مؤجلة انفجرت لاحقًا بأشكال مختلفة.
اتفاق 11 آذار 1970: فرصة ضائعة من المحطات المفصلية التي تؤكد أن المشكلة ليست مستحيلة الحل، اتفاق 11 آذار 1970 الذي أقرّ الحكم الذاتي للأكراد. ورغم أن الاتفاق لم يُطبّق فعليًا، وانتهى بعد أربع سنوات إلى صدام جديد، إلا أنه حمل مؤشرات إيجابية كان يمكن البناء عليها خلال تلك الفترة:

خلال تلك الفترة: أُدرجت اللغة الكردية كمادة دراسية، كانت تُدرَّس في الصف السادس الإعدادي ولو مرة واحدة في الأسبوع.
ورغم محدودية التجربة، فإنها أثبتت أن الاعتراف اللغوي والثقافي ممكن متى ما توفرت الإرادة السياسية. لكن بدل تطوير هذه الخطوة، جرى التراجع عنها، وعادت سياسات الإنكار والتهميش.

ما بعد 2003: دستور متقدم وواقع معطّل
بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 وسقوط النظام، صادق الشعب العراقي عام 2005 على دستور اعترف بالتعدد القومي واللغوي، وأقرّ العربية والكردية كلغتين رسميتين. لكن ما جرى على أرض الواقع هو: تعطيل متعمّد للدستور،
تطبيق انتقائي حسب مصالح القوى السياسية، تحويل الرموز الدستورية (كاللغتين في مجلس النواب) إلى ديكور شكلي لا ممارسة فعلية الدستور لم يتحول إلى ثقافة دولة، بل بقي نصًا قانونيًا بلا روح.

التعليم… الجذر العميق للأزمة
إن أخطر أوجه الخلل يتمثل في المنهج التعليمي. فالدولة تُبنى في المدرسة قبل أن تُدار في مجلس النواب. كيف نطالب شابًا من الجنوب أو الفرات الأوسط بالشعور بالانتماء إلى كردستان، وهو لم يتعلم كلمة واحدة من اللغة الكردية؟
وكيف ننتظر تلاحمًا وطنيًا بينما تُدرّس لغة أجنبية كالإِنكليزية منذ المراحل الأولى، ولا تُدرّس لغة شريك الوطن؟ اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل:
اعتراف متبادل، وشعور بالمواطنة، وجسر نفسي وثقافي بين المكونات. انحياز المناهج الدراسية لقومية واحدة جعل بقية القوميات تشعر بالتهميش، ورسّخ الاغتراب داخل الوطن الواحد هل الخلل في الشعب؟ الشعب العراقي نتاج:تعليم غير متوازن، إعلام تعبوي، دولة لم تتعامل مع مواطنيها على أساس المساواة. لذلك لا يمكن تحميل الشعب مسؤولية فشل مشروع دولة لم يُبنَ على أسس سليمة منذ البداية.

الخلاصة
الصراع في العراق مستمر لأن: الدولة لم تُبنَ كشراكة حقيقية التعدد القومي لم يتحول إلى مشروع وطني الدستور لم يفعل والتعليم فشل في بناء هوية عراقية جامعة. سيبقى العراق متخلفًا ما دامت الدولة تُدار بعقلية الغالب والمغلوب، لا بعقلية الشركاء. ولا خلاص إلا بدولة تعترف بجميع أبنائها، لغةً وثقافةً وحقوقًا، وتحوّل التنوع من عبء سياسي إلى قوة وطنية.

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter