| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 11 / 7 / 2023 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
محطات وإضاءات قيميّة في سرد سيرة نموذجيه (15)
نحو بناء شخصية الإنسان..!يونس عاشور *
(موقع الناس)بَعْدَمَا أرادَ صَاحِبنا ورفاقهِ مُغَادَرة مَأْوى ذلكَ الرّجل «عَبْسَوي» والهُرُوب منهُ إلى خارجِ الغَابَة، أنتابهم توجّس وساورتهم شكوك في أعمالهِ وتَصرُّفاتهِ التي لمْ تكُن مألوفة بالبتّة، حيثُ لاحَظُوا عليهِ التَمَلّص والمُرَاوَغَة فيما بعد، تَجلّى ذلكَ في تبجُّحهِ لهم بالاحترام والتقديِر وتقديم كل ما من شأنه مساعدتهم وتيسير مهامهم، لكنّ صَاحِبنا بفطنتهِ وذكائهِ لَمِسَ هذا الزيف والتّظاهر منهُ الذي كانَ قد أفتعلهُ معهم إبّانَ إقامتهم في مأواه.! وبينمَا هم كانوا يَتَهَيَّؤُون للفِرار، وإذا بهِ يَقبِلُ عليهم بفرَسهِ فَتَعَجبّوا منهُ فأبصروه وأبصرهم..!
فسألهم: إلى أينَ أنْتُم ماضون أيها الرفاق..؟!
ألمْ تَطلِبُوا مِنّي طَعَامَاً كي أجْلِبهُ لكم؟!
هيّا أُدخُلوا.. وسَأكون عندَ حُسِن ظنّكم وفي خِدْمَتكم ..!
دَخَلَ الثّلاثة وهم في حالةِ توجّس منه، لأنّ هيئته لم تكن سويةً واعتيادية، من هنا فقد سَاوَرَتْهُم تساؤلات حولَ غُمُوض شَخْصّيته، مما دعاهم إلى التفكيرِ في إيجاد مَخْرَجَاً لمأزقهم الذي قد وقعوا فيه..!
لقد أستَوقفهم وقالَ لهم انتظروا لِبُرهة زمنيةٍ قصيرة، كي أجلبَ لكم طَعَاماً شهيّاً في الحالِ وبدون أي تلكؤ...!
فَمَكَثُوا يَنْتَظرُونَهُ، وإذا بهِ يَخْرجُ عليهم وفي يديهِ سمكٌ طري مستوٍ للتّوْ وهو في حالةٍ مُتَّسِخَة وكأنّه قد خَرَجَ من ماءِ بحر، لأنّ ثيابه كانت رثة ومُبلّلّةً بالماء وهو في غيرِ حالةٍ سوّية من أمره فَتَعَجّبُوا منه…!
فَقَالَ لَهُم: هيّا تذّوّقوا وكُلُوا من هذا الإدام الشّهِي.!، وسَأنْتَظركم في الخارج رَيثمَا تنتهوا من مَأكلكم ومشربكم .!
فلمّا خَرجَ وتَرَكَهُم، توجّسوا منه خيفة قبل أنْ يتناولوا إدامة الذي أعدّهُ لهم، فسنحت لهم فرصة خلال وجوده في الخارجِ بأن يفلتوا إلى ناحيةٍ أُخْرَى من الكوخِ بحيث لا يتسنّى للشيخ عَبْسَوي ملاحظتهم.
بالفعل هربَ الثلاثة من الكوخ، ولم يتناولوا إدامه وشرابه، ولاذوا جميعهم بالفرار مشياً على الأقدام..
لقد دخلَ عليهم ثانيةً فلم يجد لهم أثرا.! فتعجّب من خِلْوٌ مكانهم فأزداد عليهم حِقْدَاً وضغينة، ففكّر في الثأرِ مِنْهُم، وقد أيقنَ بأنهم قد لاذوا فراراً منه..!
لأنّه في حقيقة الأمر كانَ مُتآمِرًا عليهم مع والي القلعة لِتَصْفِيَتهم والخلاص منهم فهو أحد أتباع وجلاوزة الوالي الذينَ يعملونَ لِصَالِحه، وقد أدركَ صاحبنا ورفاقه بأنّ والي القلعَة لم يكن أهلاً للثقة، تجلّى ذلك في مؤامراته التي قد أعدها لهم مُسبَقاً خاصّةً وأنّه أُبْغِضَ على صاحبنا حينما رأى فيه مؤهلات الأهلية والكفاءة والجدارة العلمية التي لم تكن حاضرةً لأحدٍ من حاشيتة مما دفع به للخوف منه على مكانته وموقعه.
لقد واصَلوا السيّر مشياً في الرّمال وهم في حالةٍ مُزْرِيَة جرّاء العناء والتّعَب الذي واجَهُوه مع الشيخ عبْسَوي، لكنّ ذلكَ التّعَب لم يُثبطّهم أو يحبّط نفوسهم في عملية البحث عن إيجاد مَخَرَجَاً لمشكلتهم فقد اعتمدوا على أنفسهم وتوكّلوا على خَالقهم بكلِّ أملٍ وثقة بأنّهم سَيَجْتَازُوا هذه العائِقَة لما يحملون آمالاً وتطلّعات تجعلهم يواجهوا التحديات والدفع نحو التفكير في ماهية المنهجية التي تعمل على إنقاذهم ونقلهم إلى بر الأمان.!
إنَ أهم ما يمكن توفيره في بناء شخصية الانسان هو إيجاد عامِل الصّبر والثبّات وتقديِم التّضْحِيّات فذلك من شأنه توليد أهداف ومنطلقات وتطلعات وغايات نبيلة للإنسان.
وما أحوجنا إلى المساهمة في بناء شخصية الانسان عبر إيجاد أسس وعناصر رئيسية تتمثل في مبادئ التحليِ بالصّبر والثبّات وتقديم الاخلاص في العمل الدوؤب من خلال توظيف الصفات الشخصية والنفسية كالإرادة القويّة والدراية العلميّة المبنيّة على الحكمةِ والعمل الرشيد الذي ينتهي بالإنسان إلى تقويم شخصيته وبناءها بناءً صحيحاً من أجل مواجهة الصعاب المختلفة ليتسنّى لهُ التصدي لمفهوم اليأس والإحباط المتمثل في الاستسلام والخنوع أمام العوائق التي قد تعترى طريقه لإحداث عجز وفشل، لكنّ الإنسان الذي تتوفر له قواعد البناء الذاتي الشخصي هو الذي لا يخنع ولا يتراجع أمام المعوّقات والتحديّات وإنما يقاومُها بعقلهِ وقدرتهِ وإرادتهِ الفعّالة.
كما أنهُ يجب التخلّص من الانفعالات النفسية لتحقيق التطلعات والمعطيّات العقلانية الصحيحة فإنّ ذلك من شأنه خلق توترات وتعثرّات نفسية دائِمة تنتهي إلى مفهوم الكآبَة والإحساس بالقهر الذي يساعد على جذب حالة الشعور بالإحباط واليأس في الحياة.
"يعرف علماء النفس الإحباط واليأس بأنه تعبير عن الحالة التي يمرُ بها الفرد حين لا يتوفر له إشباع دافع يلح عليه ويشعره بالحاجة، كما أنه عملية تتضمن إدراك الفرد لعائق يعوق إشباع حاجة له، أو توقع حدوث هذا العائق في المستقبل" (1).
ومن المهم بمكان أن يلتفت الانسان إلى أهم النقاط الرئيسية أيضاً في عملية بناء الشخصية الذاتية لتجنب الإحباط واليأس الذي قد يحدث له لسبب أو لآخر:
• الثقة بالنفس: هي إيمان المرء بقدراته وطاقاته دون إفراط في العجب أو الكبر والعناد الذي قد يراود الانسان وينخدع به نتيجة الخيلاء والغرور في الشخصية وهذا الأمر عواقبه سيئة جداً مما قد يسقط الانسان في مهاوي الجهل الذي لا يحمد عقباه على الانسان أن يثق بنفسه وأن لا يكن متردداً عند أي عمل يقوم به بل يجب عليه أن يكون مقداماً كما أن ذلك يجب أن يكون مصاحباً لعقله ووعيه ودواقعه الذاتية، حتى يستطيع أن يتجنب السقوط في مهاوي الاحباط أو اليأس الذي يسبب له التقهقر والتراجع وبالتالي الأسقام النفسية والسيكولوجية.
• التعرف على الذات: وهذا المفهوم له أهمية بالغة من حيث أن الانسان يجب عليه معرفة ذاته وإمكانياته وقدراته التي يقوم بها، لا أن يقوم بأعمال تراكمية قد تكون تبعاتها سلبية وغير عملية لا تعود عليه بالمنفعة، فيجب التأني والقراءة المتأنية أيضاً لما سيقوم به من أعمال تنعكس عليه وعلى واقعه عندما لا تكون هنالك قراءة صحيحة تعتمد على المعرفة الذاتية الامكانية التي تتوفر لدى الإنسان، فالإنسان له حدود وطاقات وقدرات إمكانية يجب عليه التصرّف ضمن النطاق المتعارف وهو أعرف بنفسه وأبخس بها.
• وضع الأهداف ضمن نطاق الرؤية الصوابية: ذلك يعني أنّ الأهداف يجب أن تكون في مستوى التخطيط والتدبير وأن لا تتجاوز المعايير التي وضعت لأجلها فنطاق الرؤية ينعكس على التخطيط أيضا.
• تجنب الفراغ: على الانسان ان يتجنب الفراغ، أي الدفع بالذات نحو الانشغال والعمل وعدم الاستجابة للرغبات الذاتية التي تدفع بالإنسان لحب الراحة والجمود وتضيع الوقت فيما لا فائدة منه وبالتالي تضيع على الانسان الفرص الثمينة في الحياة مما قد يستفيد منها الاخرون في عملية التطوير واكتساب شتى الخيرات والثروات.
• تحمل المسؤولية: الانسان الذي يتحمل المسؤولية ويواجه الصعوبات هو الذي يجعل من الذات متمرسةً على مواجهة الاحتمالات التي قد تحدث له في الحياة وعكس الانسان الذي لا يرغب في المسؤوليات ويتهرب منها، فهذا الامر لا يساعده على بناء شخصيته الذاتية ولأن الشخصية القوية خير من الشخصية الضعيفة والقوة هنا هي وعاء للأعباء والمسؤوليات وشتّى الصعاب من هنا فإن الشخصية القوية تكون دائماً ناجحة في الحياة ويكون لها ثقل بين الأشخاص والمجتمعات فينظر لها بأنها شخصية فاعلة ومؤثرة يتأثر الناس بها في تصرفاتها وطريقة انتهاجها لأمر ما فتكون محل اقتداء واقتفاء.
• اتخاذ القرارات الذاتية: القرارات الذاتية مرهونة بتطور فكر الانسان وثبات مواقفه ومركزية تطلعاته لأن عملية اتخاذ القرار ترتكز على النظرة الاستراتيجية التي تنبثق من الفهم للموضوعات الحياتية المختلفة وذلك لا تتوفر إلا لدى اصحاب الارادات الفاعلة والمؤثرة.
• فهم ألآخرين: من اللازم فهم الطرف الآخر وكيفية التعامل معه على أساس التصرفات التي تنبثق منه فيبنى عليها من خلال الفهم والتحليل والاستيعاب لكيفية اتخاذ قرار ما.
• الابتعاد عن الانفعالات: يتجلى ذلك في الشخصية المتزنة والعاقلة والفاعلة على الصعيد النفسي والشخصي فالإنسان قد يتأثر بأي عامل من العوامل التي يتعامل بها مع الآخرين، من هنا فإن التعامل يقتضي أن يكون في مستوى التوازن المبني على ضبط النفس وعدم الانفعال لأي حادث أو طارئ بل يجب التحلي بالصبر والتريث اتجاه ما قد يحدث للتعامل مع الموقف بالمتسوى العقلاني والتصحيح العملاني الناجع.
المراجع:
(1) تعريف الإحباط – الرفاعي- : نعيم، الصحة النفسية ص 169 الطبعة السابعة 1987م – جامعة دمشق.
* كاتب وأكاديمي فلسفي