|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  11  / 6 / 2022                                 يونس عاشور                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مدنٌ التيه في بحر خطايا الإنسان..!

يونس عاشور *
(موقع الناس)

 

-1
مدنٌ تلاشت في هيئتها المعهُودة..
واندثرت في صورتها الموجودة..
لم يتسنّى لي رؤية معالمها المألوفة..
لم تبصر عيني طبيعتها المسلوبة..
لم أسمع شيئاً يذكر مثالبها..
لم أشهد كيفَ أنّ أُنُاساً كانوا فيها أحياء أو أموات..
مدنٌ كانت موجودة بينَ عوالمنا.. كنّا نمشي فوقَ أزقّتها المشهُودة..
بين أناسٍ في أرجاءِ المعمُورة كانوا يأتونَ إليها من كلِّ مكان..
ليغرسوا فيها معاني الألفة بينَ بنِي الإنسان..
معهودة في ماضٍ قد سبقَ أزمنة كانت تحكِي تاريخاً مأثوراً فيهِ شيٌ من سيَرِ الأمجاد الأفذاذ..
قد نذروا أنفسهم كطلائع حُمَاةٍ عنها..
هم من صنعوا آياتِ المجد الأسمَى لها..
ورفعوا رايات النّصر الأعلى شرفاً لها..
لم يبقى هُنالكَ شخص إلا قد عرف عنها تاريخاً مشرق..
جليٌ في معناه الأوفى..
يتجلى فيه نقش للذكرى..
فوقَ الحجر الأبيض المبْسُوط على أرضِ الأجداد ..
كانَ يُبرهن صحّةَ ما قد عمِلوا.. وما قد فعلوا..
من أعمالٍ .. من أفعالٍ تمتاز بخصالِ الأخلاق فوقَ رؤوس الأشهاد تتعالى..
حكماً وأقوالاً مأثورة وِجدت منقوشة فوقَ صخورٍ كانت ملقيّة عندَ الشاطئ..
وعلى طول الشاطئ للبحر تبصر ..
فترى نصّاً مكتوبا..
ومنقوشاً مصقولاً محفورا..
صقلته كلماتِ الأحرار بِدلالاتٍ تغني الفكر الخلاق..
فتثريه بعباراتٍ غائية بلاغية..
ومعانٍ تشرحُ كيفَ أنّ مُدناً كانت تحيى برجالٍ يقفونَ عندَ مداخِلها ليلَ نهار..
كحرّاس الأبواب الذهبية..
كمن يقف بصولجانٍ فضّيٍ يحميهِ من عبثِ الشيطان..
ممّن يتربّص شرّاً..
أو يتحّين سراً..
كي يبحث عن منفذ أو مقصد سوءٍ لا جهرا..
أناس قد نذروا أنفسهم طوال الليل الحالك..
لا ينفكُ وقوفاً من شغفِ الحبّ الدّافع نحو قيامِ الليل القُدسِي..
هكذا كانت أسمَى آيات الإنجاز..
حيث تجلّت فيها قيم الإعجاز..
المتجلّي في ترسيخِ الإعزاز الذاتي..
النفسُ الداعية للخير..
تنبذُ أعمالاً شرّيرة..
لا تخدم أهدافاً.. إن أنتَ تعمّقت فيها بعينٍ بصيرة..
-2
المدن المُوجودة نابضةٌ بالصّوت العالي..
يا عالم هل تعلم..!؟
يا عالم هل تعقل..!؟
يا عالم هل تفقه عنها شيئاً معقولا..!؟
المدنُ الخربة كانت موجودة منذُ الأزمان الأولى..
لم يتردّد أحداً ما من سكّان المعمورة لزيارتها أو رؤيتها أو فحص معالمها المشهورة..
أو يتطلّع نحو فواصلها الزمنية المهجُورة..
المقبورة تحتَ تُراب الأرض المنسِي..
منّ يشكو الآلام لا يأتي إليها خوفاً من نائبةٍ قد تخطفه من حيث لا يعلم..
لأنّها ليست نابضةً في صيغتها المذكورة..
صيغتها البادئةُ بكتابةِ تاريخٍ واعي..
بِمُحاربةِ الجهل والفكر المأزوم الذاتي..
المتقوقِع والنائي عن المفهومِ الحسِّي..
المتمثل في اللاإنسانية..
-3
هل يا ترى قد تفكرّنا في مدن التيه بين مهبّ الريح..
قد اندرست وتلاشت.. وتقهقرت ثم تهاوت في التاريخ المقبور..
حتّى نُسيت بتقادمِ أزمنةٍ متتاليةٍ لا تُعرَف..
فغدت في أسوأ صورة..
وأضحت معالمها مهجورة لا مألوفة..
لا تتكلّم.. لا تروي حدثاً عنها.. أي لا تُعطِي وصَفاً عن معلمها المعماري والإنساني..
لم تعد في ذاكرة المتفكّر معروفة..
في العزلةِ أيضاً كانت محظورة..
كانت مجهولة لا مفهومة..
بِسياجاتِ الغدر مغدورة..
كيف سنحتاجُ لمدّ جسورٍ كي نمشِيَ فوقَ أزقتها الموبوءَة..
بوباءٍ الفكر القاتِم..!
كدمارٍ حلّ بها كالبركانِ الهالك..
قد بدّدَ هيئتها ومكانتها المرموقة..
فأمست مهزومة لا مرفوعة..
مدنٌ كانت في العزلةٍ منفية..
بين عواصفَ تجتاح الأنفس فتغرقها أوجاعاً جسدية ..
وكأنها مستورة بستارٍ حديدي عن أنظار بشرية..
الأنظارُ الشاردة التي لا تتأمل في العودة إلى الذات والذاتيات المأزومة..
شاردةٌ في عالمِ غفلة من نسيانٍ قاتل..
وغارقة في سجنِ هوى الذات اللامتناهي..
في بحرِ خطايا الإنسان..!
 


* كاتب وأكاديمي فلسفي
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter