| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 28 / 11 / 2025 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
من تمجيد العقل الى بيان مثالبه جميعاً.
يونس عاشور *
(موقع الناس)استطاع العقل في العصر الحديث أن يُنجز العديد من الاكتشافات العلمية ويحقّق المكتسبات المعرفية (Scientific Discovery) على صعيد البحث العلمي وتطبيقاته العملية، مثل نظرية النسبية ونظرية الكوانتا، والتي توّجت بغزو الذرة وصنع القنبلة الذرية وتفجيرها من جهة، وبغزو الفضاء والصعود إلى القمر وارتياد مجاهيل كونية كوكبية ، هذا عدا المنجزات الأخرى مثل إحداث التحولات الحداثية الكبرى للتقنية في مجال تكنولوجيا الإعلام والاتصال التي ساهمت وتساهم بشكل مباشر في اختزال الأعمال وإنجاز المهام المختلفة التي تتعلق بالتوق الملح لشؤون الانسان المعاصر بتنفيذها بيسرٍ وسهولة دون أي تكلفة معنوية أو عبئ جسدي كل ذلك امتداداً لمكانة العقل وتمجيده وإنتاجه لهذه المعطيات العلمية من خلال القدرات العقلية التي تقوم بعملية تحولات هامة على الصعيد العلمي والمعرفي فهو انتقال نوعي بحق وكيفي وقيمي على المستوى الفردي والاجتماعي، بل ويتخطى الحدود ليصل الى القارات الكوكبية ومصاف العالمية والأممية، فالاعتراف بأهمية العقل كعامل وكفاعل يدل على نوعية وقدرة سلطة التفكير اللامحدودة حول الاكتشافات والاختراعات التي حققها ويحققها على جميع الصعد فالفهم والادراك كأداتين ساعدتا على نوعية التحول والتطور البشري في الميادين الحياتية، وقد تميز فكر الانسان وثقافة الإنسان عن غيره بأنه كائن عاقل وفاعل وعامل يتمكن أن يسير نحو التوجيه والإرشاد العقلي وبالتالي يتحقق ما يصبو إليه هو وما يصبوا إليه الآخرين أيضاً.
إن الوصول الى الحقائق وتبني الوقائع إنما هو نتاج تفكير قد انبثق من كينونة العقل الأولي والقاعدي لأهداف الانسان العقلانية ليصل بها الى مفهوم المدنية والحضارة وأسس التقدم السيّارة وإرساء مفاهيم العدل وأنماط العيش الكريم المختلفة المنبثقة من قدرات عقل الانسان الذي يعتبر أحد أهم أسرار التفوق البشري والمحرك الرئيس لمعاني السمو والتقدم الذي يفوق تجاوزات كبرى في مجال الإنجازات والمخترعات سواءً كان منها علمية او تكنولوجية ، فكرية أو إبيستمولوجية قد ساعدت وتساعد بشكل مطرد في تحقيق أكبر قدر ممكن من النمو العلمي والمعرفي وهذا ملحوظ بتحمل المسؤوليات والمهام التي يتحمل أعباءها وتكاليفها الانسان بأن عليه أن يحقق شيئاً ما في هذه الحياة وهو عبر إعمال العقل ليتحقق له مكتسبات ان هو أراد الاجتهاد والتجديد وخلق مشروعات الحداثة العلمية ومن ثمةَ تطبيق معالمها على الواقع الحياتي والاجتماعي.
التمجيد الأسمى للعقل هو عندما يدخل مرحلة الاستحثاث وممارسة التأمل وإعمال القدرة العقلية المنطقية للوصول الى التطور المعرفي الذي من خلاله يحرز انبعاث الاهتمام بالأنشطة التي تدفع بالقدرات الذهنية على تنمية وتفكيك المسائل العويصة التي تهتم بمسائل الحداثة كليةً وشموليةً.
إن التكريم الصفاتي الصحيح الذي منحه الله للإنسان هو هذا العقل لكي يقوم بإعماله وجعله في حالة من السيرورة التفكيرية الراجحة التي تفضي إلى خلق عملٍ صحيح ذات مردود إيجابي للوجود الإنساني بحيث تكون التلابيب مبنية على صفات حسنة وخيرة وهذا ما يسعى اليه الفلاسفة الحقيقيون على نحو العمل والتطبيق لأن العقل هو بحد ذاته هبة من الله أعطاه للإنسان لكي يدير به شؤون حياته ومجتمعه حتى يكفل له نيل التقدم والسمو كما اسلفناه.
وفي مقابل ما كان مأمولاً من هذا العقل إلا انه حصل انحراف وتجلت سطوته في أساليب التخريب والتفريق بين أبناء البشر عبر بث خطابات الكراهية وغيرها إضافةً إلى أنّ هذا العقل قد أنتج الكثير من السلبيات الفكرية التي كان له الدور البارز في نشوء التيارات الفكرية المتطرفة مما أدى الى اشعال الفتن والحروب بين الأمم والمجتمعات بدلاً من الأفكار الإيجابية التي تدعو الى بث روح التسامح بين الناس لتجعلهم متآلفين ومتعارفين مع بعضهم البعض إلا ان هذا العقل أيضاً لم يكتفي بهذا المقدار من اختراع المشكلات بل اتسعت الرقعة التفكيرية ليدمّر بني البشر وما نراه اليوم من حروب وصراعات اتجاه النوع الانساني لهو خير شاهد على العدوان الذي قد وصل ذروته في كيفية فنون نظم الإبادة والتشريد تحت آلة القتل والتدمير!
إن إنتاج الأسلحة الفتاكة اليوم التي نراها ونشاهدها لهي خير دليل بأن هذا العقل لا يسعى الى خلق سلام أو وئام بين بني البشر بل خلق خالة من الترهيب والتخويف من الآخر وجعل الأخر في حالة هروب وفرار دائم من ملاحقته، في حين ان الانسان يقتضي عليه ان يكون متآلفاً وخيراً مع الآخرين على أساس المحبة والتسامح والسلام ونشر معاني الفضيلة الإنسانية التي تحقق صون الكرامة الإنسانية.
لقد عطل هذا العقل مفهوم التواصل المعنوي بين أبناء المجتمع الواحد واتجه نحو تكوين تواصل مادي قائم على مفهوم التباعد والتنافر من الآخر وقد كان لأجهزة التواصل الحديثة ايضاً خلق فجوة بين الأنا والآخر بالاقتصار فقط على التواصل عبر الشبكات الالكترونية الحديثة والاكتفاء بالمكالمات التليفونية واستخدام الرسائل النصية بدلاً من مقابلة الشخص وجهاً لوجه والحديث معه عبر اللقاء البناء الذي يعزز روح التواصل الحقيقي والحوار المباشر الواقعي القائمين على مفهوم الإيجابية والموضوعية التعاملية.
إن الأمور المادية التي طغت على روح الانسان هي التي جعلته في منأى عن الاهتمام بقضايا الآخرين والسؤال عنهم أو التقرب لهم والحديث معهم بل اقتصر الموضوع على الاكتفاء باهتمام الانسان بذاته فقط واشباع حاجياته الأساسية وعدم التفكير بالآخرين من بني جنسه وخاصة ممن هم قريبون نسباً وحسبا ذلك بسبب التفكير السلبي المنبثق من مثالب العقل المادي.
لقد طغى هذا العقل واستشرت رغباته المادية بالتوجه نحو الانفصال الشخصي أي الاكتفاء بذات الذات وحاجياتها الأساسية وسد رغباتها الأولية دون التفكير بالآخرين أو معاناة الآخرين مما كان للروح البشرية ان تنأى بنفسها عن السؤال والتساؤل عما يتطلبه الآخر، الآخر هنا هو الأخ والأبن والزوجة والأقارب والجيران وكل فرد من أبناء المجتمع الذي يشكل عموداً فقرياً لمعنى التكافل الانساني والتكامل الاجتماعي البشري.
وإذا كانت الدراسات والشهادات العلمية ليس بمقدورها ان تجد حلولاً براغماتية لمشكلات هذا الانسان المعاصر والسعي لمعالجة احتياجاته وتحقيق متطلباته ورغباته ألأساسية في خلق حياة ملؤها الأمن والسلام والعيش الرغيد والتآلف والوئام، فإن هذه الشهادات ليس لها قيمة تّذكر إذا لم تكن لها مخرجات قيمية تعالج موضوعات العقل البشري بحيث يكون هذا الانسان داخل ضمن دائرة النطاق المعنوي لا المادي فهل نفعل ذلك..!؟
* كاتب وأكاديمي فلسفي