| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

محمد علي الشبيبي

Alshibiby45@hotmail.com

 

 

 

الثلاثاء 7/12/ 2010

 

من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)

محمد علي الشبيبي

مقدمة ألناشر
"الدرب الطويل" هذا عنوان القسم الثاني من "ذكريات معلم". ففي القسم الأول "معلم في القرية" تناول والدي حياته التعليمية في قرى الفرات الأوسط منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وكان حينها غير مرتبط بأي حزب أو تنظيم سياسي، وإنما كان يحمل فكراً وطنياً تحررياً متأثراً بما يحمله من تربية دينية متحررة.
كتب والدي في القسم السابق "معلم في القرية/السياسة والأدب" كيف كان يفكر قبل أن يتفتح فكره بانتمائه السياسي. فكتب (هكذا كنا نخوض السياسة بفهم خليط بين الطائفية والوطنية بل وحتى الإقليمية أحياناً. ونتعصب للملك وهو آلة أختارها الإنكليز، ووطنيته ليست أكثر من لافتة، يحافظ بواسطتها على تاجه، بين الذين جاؤا به لينفذ مطامعهم، وبين مطامح رعيته. هكذا كنا نعتقد إن مهدي المنتفكي ورستم حيدر شيعيان ووطنيان في آن واحد، ولا نفهم مركزهما الطبقي. ولم نفكر ما عوامل مجيئهما إلى الحكم وذهابهما عنه).
وفي "الدرب الطويل" يتناول والدي ذكرياته التعليمية بعد أن أرتبط تنظيمياً بالحزب الشيوعي العراقي، وأحدث هذا الارتباط في حياته وتفكيره تغييراً جذرياً. نعم أنه "الدرب الطويل"، فالطريق الذي سار عليه الوالد بعد ارتباطه التنظيمي طويل وشاق. كله أشواك، وتجوب فيه ضواري بشرية نهمة، لا تعرف حدودا للاكتفاء ولا أي معنى للإنسانية، وكل ما يهمها الدفاع عن مصالحها الطبقية الأنانية وزيادة أرباحها بمزيد من الاستغلال للطبقات الكادحة. ومن يختار هذا الطريق عليه أن يكون صبورا وشجاعاً، وأن تكون طاقته على التحمل ومقارعة الظلم والإصرار خيالية مع علم بالمصير - كما يقول -. ويشير والدي بكل تواضع إلى إمكانياته وقدرته، ويقارن ذلك بإمكانيات وقدرة شقيقه الشهيد حسين "صارم*" وفي موضوعة "أحلام اليقظة مع ذكريات عن بلدي" يكتب: (الحق إني غير أخي "صارم" ذلك الصلب العنود، الذي وضع رقبته على راحة يده. وهو يؤكد لي دائماً، إن الطريق طويـــل جداً يا علي إنه أطــول من "وادي الأحلام"!؟ ربما لا أستطيع تحديده لك مطلقاً. ربما لا يرى الفجر الذي ننتظره إلا أحفادك، أو بنوهم. أما نحن فمهمتنا أن نعبد الطريق - ما استطعنا - من أجلهم!. هي منه دعابة معي، فـ "وادي الأحلام" إحدى قصصي التي كنت أنحو بها منحى كتابات جبران الرمزية وقد نشرت في مجلة العرفان العدد .... صحيح إني أملك طاقة من الصبر ليست بالعادية، ولكن الذي أختلف فيه عن أخي الشهيد حسين "صارم" هو ليس الصبر وحده، انه الصبر والإصرار مع علم بالمصير!؟)
جذور الوالد الاجتماعية وتربيته العائلية وتأثره بالمواقف الوطنية لرجال العائلة من آل الشبيبي كالشيخ الكبير جواد الشبيبي وأبنائه العلامة الجليل محمد رضا الشبيبي وشاعر ثورة العشرين محمد باقر الشبيبي. إضافة إلى دور بعض الأساتذة في مدارس النجف من كان لهم دورا في نشر الوعي الوطني، أمثال: ذو النون أيوب، كامل القزانجي، وجعفر الخليلي وآخرون، تركت تأثيرها عليه، فكان يحمل في ذاته خامة أصيلة من الإخلاص والوطنية وخدمة شعبه بعيدا عن المنافع الذاتية والأنانية. ولهذا رفض مقترح عميد الأسرة "محمد رضا الشبيبي" للعمل كقاضي وفضل العمل في التعليم. فكتب: (كنت أنزع إلى أن أزج بنفسي في معترك الخدمة الأساسية، ضد الجهل الآفة المدمرة، التي تسبب العقم، وتحد من قابلية الأمة في مضمار التطور واللحاق بركب الأمم المتحررة من الجهل والمرض والفقر. وما أجد في وظيفة القضاء؟ غير أن أتورط في حكم باطل، في أمر طلاق! أو مسألة ميراث، أو مشاكل المتزوجين في حياتهم التي هي عمومها لم تبن على أساس الخيار، بل الاضطرار وأحياناً كثيرة الجبر والإكراه. /معلم في القرية/ مع المعلم).
لهذا كله كان المربي الراحل ينظر إلى التعليم باعتباره رسالة إنسانية سامية لمكافحة الأمية ونشر الوعي الوطني، فيكتب: (... معلم يحمل رسالة، يعرف أن أمامه العقبات الصعاب، والمخاطر التي قد تؤدي به إلى الهلاك. إنه يدرك إن الجهل عدو، له حلفاء يسندونه، هما المرض والفقر. فلا مناص إذن لهذا المعلم من التنبيه خلال عملية التعليم إلى هذين العدوين في حلفهم البغيض. المعلم الذي ينشئ أحراراً، لا ليصيروا له عبيداً، المعلم الذي يجعل الحرف مضيئاً ينير السبيل للسارين، لا ليؤلف كلمة ميتة، أو جملة خاوية لا معنى لها..... هذا هو المعلم الذي أعجبني أن أكونه، لا في المدرسة وعلى أسماع الصغار، بل في كل مجال تسمح به المناسبة./ معلم في القرية/ مع المعلم)
في هذا القسم "الدرب الطويل" يتحدث المربي الراحل عن بداية اكتشافه الطريق الصائب في تحقيق الاستقلال الوطني والتحرر الاقتصادي والقضاء على الاستغلال بكل أنواعه، ولماذا سار في هذا الدرب الوعر. فيكتب: (إني أكره الاستغلال. أحب أن أتحرر فكرياً. كم تمردت على بعض العادات. كم أطلقت لنفسي العنان في مجال اللهو. وتهربت من كثير من الالتزامات. كم شاركت بالحركات الوطنية، وأحببت أفكاراً خلتها هي السبيل الصائب إلى تحرير نفسي، وتحرير بلدي وأمتي. ولكن ما هي القاعدة الأساسية والعلمية إلى تلك المنطلقات؟/الدرب الطويل/ بداية الطريق). ويواصل الكتابة ليؤكد اهتدائه - عبر شقيقه الشهيد حسين "صارم"
(*) - للإجابة على تساؤلاته لمعرفة الأسس والمنطلقات العلمية لتحرير البشرية من العبودية والاستغلال. فقد حدث تطور هام وحاسم في حياة شقيقه الشهيد حسين. أنعكس هذا التطور إيجابيا أيضا على فكر ومنهج والدي في الحياة التعليمية والاجتماعية.
في أيار/حزيران
(1) من عام 1941 نشر الشهيد مجموعة من المقالات السياسية والاجتماعية في مجلة "المجلة" لصاحبها ذو النون أيوب. وقد أعجبت هذه المقالات هيأة تحرير مجلة "المجلة" ووجدت في الشهيد حسين وكتاباته وعياً طبقياً فطرياً، وقدرة جيدة على التحليل، إضافة لتمتعه بصلابة واستعداد للتضحية. وبناء على هذا التشخيص استدعته هيأة تحرير مجلة "المجلة" لمقابلتها. واعتقد أن هذا الاستدعاء حدث في تموز/آب (1) 1941. وسافر الشهيد لمقابلة هيأة تحرير "المجلة"، وهناك ولأول مرة قابل الشهيد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي "فهد " (*) . فيكتب والدي واصفا مشاعر شقيقه حسين بعد عودته من أول لقاء بالشهيد الخالد "فهد": (عاد بعدها وعلى وجهه شعاع مبهج، وبين جوانحه عزم يكاد يطير به. أسرّ إليّ أمراً. علمت أن "المجلة" لسان فئة نذرت نفسها لتحرير الفكر، وتحرير الوطن. إنها تنهج في سلوكها منهجاً علمياً. وفق أحدث نظرية أثبتت علمياً إنها هي ولا غيرها الطريق إلى تحرير الإنسانية من العبودية بكل أشكالها./ الدرب الطويل/ بداية الطريق)
وهكذا بدأ والدي، في بداية النصف الثاني
(1) من عام 1941، عبر شقيقه الشهيد حسين العمل التنظيمي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. وقد صادف بداية انتظامه فترة الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها على الطبقات الفقيرة والمسحوقة وما سببته من ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد الإداري والمالي وانعكاسه على الشعب. وكان من باكورة نضالهم في مدينة النجف المبادرة لكشف الفساد، والمفسدين من المسؤولين الإداريين. مما سبب نقمة السلطات السياسية عليهم ومحاربتهم من خلال النقل الإداري والفصل والاعتقال.
كان لانتمائه للحزب الشيوعي تأثيره الايجابي في طريقة تفكير الوالد في إداء رسالته التعليمية، فيكتب : (الواقع إني غيرت كثيراً من نظراتي في مواد دروس العربية، في الأمثلة، ومواضيع النحو، في الإنشاء، والمحفوظات. سخرتها جميعاً لبث الوعي، ولكن بحكمة، وأسلوب لا يثير./الدرب الطويل/ مدرستي)
وبحكم جذور الوالد الدينية، حيث كانت دراسته ذات أساس ديني، كما خطط له والده، نجده دائم الاستشهاد والمقارنة بآيات قرآنية أو أحاديث شريفة. فهو ينتقد بشدة المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتشددين الروحانيين، ويفضح التناقضات الصارخة في سلوكيات البعض. كما يفضح أساليب التضليل وتخدير المجتمع من قبل المسيطرين على المؤسسة الدينية من رجعيين ومتخلفين، من خلال نشرهم المفاهيم والمقولات المخدرة فيكتب (كان الوعاظ يعينون الطبقات المتنفذة، بما يبثونه من فكرة بين أوساط الكادحين والمستغَلين، كقولهم: "الفقراء عيالي والأغنياء وكلائي. وخير وكلائي أبرّهم بعيالي!"/الدرب الطويل/ بداية الطريق)
خلال تنقله بين مختلف المدارس المنتشرة في مناطق الفرات الأوسط، واحتكاكه بمعلمين بمختلف المستويات والانحدارات الاجتماعية والقومية والمذهبية، تعرف من خلال ذلك على الأفكار الطائفية والقومية المتطرفة وتأثيرها على الوحدة الوطنية والوعي الوطني، فاكتشف في الفكر الاشتراكي العلمي العلاج الوحيد والأنجع لمرض الطائفية والتطرف القومي. لذلك لم يكن تبنيه للفكر الثوري عبثياً أو مزاجيا وإنما عن قناعة مطلقة بصواب هذا الفكر، فكتب: (وإذا اختَرتُ طريق الاشتراكية العلمية، فذلك لأني أدرك أن رجال المال من أية قومية، عرباً أو فرساً أو أكراداً إلى آخره، هم الذين عملوا ويعملون لإثارة النعرات القومية والطائفية ليلهوا الجماهير عن معرفة أسباب بؤسهم وشقائهم. ليبقوهم عبيداً يشيدون الجنان ويوفرون بكدحهم كل أسباب الرفاه لأولئك الأسياد./ الدرب الطويل/ المعلم النطاح)
ويتحدث الراحل باختصار عن نشاطه الحزبي الذي استمر فقط لست سنوات تقريبا (1941- 1947). ساهم خلالها مع بعض رفاقه وبأشراف شقيقه "حسين" على وضع الأساس المتين في بناء وتطوير تنظيم الحزب في النجف. فبعد أن تخلى بهدوء عن قيادة المحلية المعلم إسماعيل الجواهري، أصبح الراحل مسؤولا عن محلية النجف منذ أواخر عام 1943. كما ساهم بحضور الكونفرنس الحزبي الأول ومؤتمر الحزب الأول. للأسف يتجنب الوالد الحديث عن هذه الأحداث المهمة بالتفصيل، وذلك خوفا من وقوع مخطوطته بيد أجهزة الأمن في العهد الملكي والعهود التي تلته، إضافة إلى ضياع الكثير من مدوناته المهمة بسبب سوء الأوضاع السياسية، كما هو يشير إلى ذلك.
ولا يتهرب الوالد من الحديث عن الصراع الذاتي الذي عاشه قبل أن يتخلى عن العمل الحزبي المنظم. ففي موضوعة "أتق شر من أحسنت إليه" يكتب بشجاعة وصراحة نادرة: (أحس في نفسي صراعاً حاداً، هل أستمر، أم أضع للأمر حداً؟ .... إني في صراع عنيف مع نفسي، أشعر بضعف ينتابني، بل يسيطر عليّ. ومن الخير أن أتنحى كيلا أخسر شرف الكلمة، وأجني على سواي، بلطمة من شرطي، أو تعذيب في ضربات خيزرانته فينهار بناء، وأكون مثلا ولطخة عار). ويواصل الكتابة ليثبت تأريخ أعتزاله العمل الحزبي، ورفضه طلب مرجعه الحزبي "مالك سيف" للانتقال إلى جانبه للعمل الحزبي في بغداد وإصراره على قرار التنحي من المسؤولية والحزب، فيكتب (وأجبت، أصر على ذلك . كان ذلك في 12/10/1947، ولم ألتحق بعد هذا بأي جماعة).
ويؤكد الراحل بألم من خلال كتاباته عما أصابه من إجحاف وتشويه من قبل أحد أصدقائه بعد أن ترك المسؤولية الحزبية لهذا الصديق. لذلك يكتب عن هذا ببعض التفصيل والألم. وهي قصص كنت أسمعها من الوالد والوالدة عن موقف هذا الصديق. فكتب ما يلي: (لم أكن مطلقاً أفكر بأي احتمال، فقد ألقيت عن عاتقي عبئ كل مسؤولية، وطلقت العمل الحزبي، وخرجت من العهدة، دون أن أكون آثماً بحق أحد، وعلى علم من صديقي "م" والذي ألتزم المسؤولية بعدي! أليس هو رفيق الشباب، وأيام جامع الهندي، وأندية النجف الأدبية. ومنه تعرفت على المجلات التي تعني بالفكر التقدمي!؟/ الدرب الطويل/ ليد القدر).
ويؤكد المربي الراحل دائما أن السبب الذي دفعه لاعتزال العمل الحزبي شعوره وتقديره بأنه غير قادر على تحمل تبعات ومسؤوليات العمل الحزبي، والتوفيق بين مسؤولياته الحزبية وواجباته العائلية. لكنه يشير في أكثر من مرة في مذكراته، أن تركه للعمل الحزبي لم يعفيه من هذه التبعات والمسؤوليات ولم يبعده عن النضال بصلابة من أجل القضية الوطنية. واستمرت الأجهزة الأمنية دائما بالتعامل معه وكأنه أحد قادة المنظمات الحزبية، وأحياناً يرون في سلوكه وعلاقاته الاجتماعية أكثر خطورة من أي مسؤول حزبي!؟
وبالرغم من اعتزاله العمل الحزبي منذ أواخر تشرن أول 1947، لكنه يصر على مواصلة النضال والإخلاص لرسالته التعليمية السامية كما آمن بها. فيكتب رسالة لصديقه ورفيقه السابق "جواد كاظم شبيل" جاء فيها: (... ولكني أفهم إني واحد من ملايين في بلادي تكرع كؤوس الشقاء. وعلينا أن نواصل المسير في توعية الذين يبنون الحياة بسواعدهم./ الدرب الطويل/ رسالة إلى الكبائش). وبقي الراحل مخلصا لمفاهيمه التربوية والوطنية إلى آخر أيامه. لذلك فإن الأجهزة الأمنية في كل العهود كانت تضايقه وتضعه في رأس قوائمها وتنشر حوله هالة من المسؤولية الحزبية لتبرر ملاحقاتها ومضايقاتها له!.
في بعض الأحداث تطرق الراحل لبعض الشخصيات فتجنب ذكر أسمائهم الصريحة، وأحيانا كان يشير إليها بالحرف الأول، ومرات أخرى يشير إلى الاسم بنقاط -فراغ- لكنه يذكر الاسم كاملا في هوامشه. فكتب في أحد هوامشه تحت عنوان "مدرستي": (لم أصرح بأسماء بعض الذين أذكر عنهم شيئاً، خصوصاً إذا كان ما فعلوه غير مستساغ، فقد انتهت حياة أكثرهم. المهم ذكر ما فعلوه، ولهم الرحمة). لذلك وجدت أن التزم بما انتهجه الوالد في تجنب ذكر بعض الأسماء.

* * * *
(1)
لابد من التأكيد من أن ارتباط الشهيد حسين "صارم" بالحزب وبالتحديد بسكرتير الحزب "فهد" كان في أواسط عام 1941. وللأسف لم يشر والدي في ذكرياته مباشرة في أي شهر بدأت هذه العلاقة. ولكن من خلال ربط وتسلسل تأريخ بعض الأحداث التي ذكرها الوالد يمكنني أن أجزم، أن الأشهر المثبتة هي الأقرب إلى الصواب والدقة.
(*) "صارم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي حسين الشيخ محمد الشبيبي. و"فهد" الاسم الحزبي لمؤسس وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف. و "حازم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي زكي محمد بسيم.

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏‏06‏/11‏/2010
alshibiby45@hotmail.com 
 

2 - الدرب الطويل
(8)

أحلام اليقظة مع ذكريات عن بلدي/ 1
حين آويت إلى فراشي ليلاً، لم يواتني النوم. كل من في البيت غرقوا بنوم عميق. أطفالي الأربعة وأمهم كانوا بعد العشاء في لهو ولعب، معي طوراً، ومع بعضهم الآخر طوراً. وتجاذبت أنا وأمهم أحاديث متشعبة، دار بعضها عن هذا الزمن الذي نعيشه. لا نحن ولا غيرنا يعلم ماذا سنكون عليه في قابل الأيام.
كل شيء لم يعد متيسراً -كما تصورنا- حين انتهت الحرب. الأسعار لم تهبط، ربما سترتفع أكثر فأكثر. الدول المصدرة، كانت خلال الحرب تنتج للحرب. هل تحولت ألان مصانعها للسلع السلمية والاستهلاكية؟ لست أعلم شيئاً عن هذا. ولكني أعرف إن رواتبنا "نحن الموظفين الصغار" لا تحتمل ارتفاع الأسعار الفاحش.
العالم كله مازال يلعق جراحه. الدول الكبرى لابد إنها هي الأخرى ستتبارى بتحصين نفسها بكل ما يجعلها متفوقة، أو على الأقل قادرة على صد العدوان.
هذه الحرب لا تشبه الحرب العالمية الأولى. في الأولى اقتسمت الدول الكبرى الغنائم. تقاسمت بريطانية وفرنسا ما كان تحت سلطة العثمانيين، من مستعمرات، وامتيازات. وكانت تلك الشعوب قد حسبت إنها ستتخلص من يد الرجل المريض، فإذا بها كالمستجير من الرمضاء بالنار.
صحيح إن بريطانيا التي كانت -العظمى- أصبحت اليوم في الدرجة الثالثة، ولكن برز في العالم مستعمر جديد. نهم أشد النهم، هو أمريكة! هي ليست أمريكة أبراهام لنكولن ولا أمريكة ولسن بل حتى ولا أمريكة روزفلت. أبراهام لنكولن (1909 -1865) صاحب تعريف الديمقراطية المشهور "إنها حكم الشعب، من الشعب وللشعب" عمل من أجل إلغاء الرق فقتله أحد المتعصبين للنخاسة. والرئيس ولسن (1856-1924) صاحب المبادئ الأربعة عشر لحل مشكلة الأمم وقد دعا لإلغاء الاستعمار وإبداله بالانتداب، وكان رئيساً للولايات المتحدة.
سيكون كل شيء، كل دولة صغيرة، أو كبيرة مثل فرنسا وبريطانيا تخشى أذرعها الأخطبوطية، ولكن سوف لن يقع بينهن خلاف، لأن الخوف من الدب الأحمر يضطرهن للتآخي. وهي ذات الوقت الدولة الوحيدة التي لم يصبها جراء الحرب ضرر اقتصادي. ومع هذا فان هذه الحرب لا تشبه تلك.
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ولدت أو دولة اشتراكية. وبذلت الدول المنتصرة كل ما بوسعها لتدفنها قبل أن تشب ويشتد ساعدها. فباءت مساعيها بالفشل. واليوم ومن خلال الانتصار على النازية، ولد على الكرة الأرضية أكثر من عشر دول اشتراكية. وتفكر أمريكة بجد أن تعيد الخيول إلى الإسطبل حسب تعبيرها. وأكثر ما يشغل بالها، أن تحول دون تسرب العدوى إلى بقية شعوب العالم. إنها توجه نشاطها لتحبس الأجنة في قماقم تحكم غلقها، في كل من فرنسا وايطاليا وتمسك بأعنّة إيران ، جارة أهم عفريت!؟ لكن الشعوب تعرفت على مكر الاستعمار وأحابيله، أذن سيطول الصراع. في فرنسا خلال الحرب نظم الحزب الشيوعي الفرنسي المقاومة السرية فأكتسب خبرة عملية وقوة وكثر عدده، وشارك في الحكم بعد تحرير فرنسا. وفي ايطاليا ألقى عمال ميلانو القبض على موسليني وأعدموه فتعاظم الحزب الشيوعي بأعضائه ومؤيديه. واعتبرت أمريكة إيران صمام الأمان إن هي كسبتها. كما خططت لتضعف الحزب الشيوعي في كل من فرنسا وايطاليا، طبعاً بمساعدة حكوماتهما.

أواه ما هذا أود أن أغفو، فأنا هذه الأيام متعب كثيراً.
أغمضت عيني. أجل. لكن تفكيري مازال يقظاً، يشرق ويغرب. بحلقت عيني في سقف الغرفة لأتعب أجفاني، ودون إرادتي عاودتني أفكار شتى. قلت لنفسي، ألا يمكن المرء أن يظل طفلاً، أو أن يعود إلى الطفولة؟
وسرح خيالي من هنا يستعرض ذكريات الطفولة. آه ما أعذب أيام الطفولة. شوقي يقول:

خليّون من تبعات الحياة على الأم يلقونها والأب

ولكنه أيضاً يقول:

مقاعدهم من جناح الزمان وما علموا خطر المركب

حين عاد بنا أبي من سوق الشيوخ بسفينة شراعية، كان الفرح يغمرني لأني سأعود إلى المدينة التي ولدت فيها، رغم إني لا أعرف عنها شيئا. ولدت في تموز عام 1913 بمصادفة شهر شعبان في منتصفه. وغادر أبي النجف أواسط عام 1917، وها نحن نعود إليها قبل ثورة العشرين. وفي هذا العام 1917 ولد أخي الشهيد حسين في قرية تدعى "كوت آل حواس" تقع بين الناصرية وسوق الشيوخ. وهكذا أقامة والدي في قرية الكوت بين أقاربه.
وجاءت وفود من أهالي سوق الشيوخ تطالب الشيخ بالإقامة عندهم، كرجل دين وخطيب منبر، فلبى دعوتهم، وأنتقل بأهله إلى هناك، حيث يحتل سوق الشيوخ جنود الانكليز من السيخ ويحكمها الكابتن "دكسن" أبو رويشات كما يسمونه، وقد زج برؤساء العشائر في السجون. وألبسهم الثياب الملونة، وأجبرهم على كنس الشوارع إهانة لهم وإذلالاً!.
وأعتلى الشيخ المنبر يندد بسياسة المحتلين المستعمرين، ودكسن يحضر المجالس، ويسمع كيف يثير شعور المواطنين بالكرامة ويحرضهم على التحرر من نير المستعمر الأجنبي. حاول دكسن أول الأمر أن يغريه بالمال، فدفع له بواسطة زعيم سوق الشيوخ - آنذاك- الحاج علي الدبوس، مبلغا من المال قائلا: "هذا لفقراء البلد فليوزعه الشيخ حسب معرفته وعلمه ......!؟".
فأعلن الشيخ من على المنبر: "يا أهالي سوق الشيوخ، هذا مال أرسله دكسن ليوزع عليكم، وأنتم تعلمون أن دكسن من أمة ليست على دينكم ولا من قومكم، أحتلو بلادكم، وأستذلوا رجالكم وها أنا أرد المال إلى الحاج علي الدبوس الذي يريد أن يكون سمسارا بيني وبين من يريد أن يشتري ديني ومروءتي!". ورمى بالرزم المالية إلى الحاج علي الذي كان حاضرا المجلس.
تجددت الحرب بين دكسن وأشياعه من الأذناب والعملاء وبين الشيخ الخطيب. وضاق صدر دكسن فأصر على اعتقاله. ولكن الشيخ علي الدبوس كفاه شر القتال، فاحتال للأمر، وناقش الشيخ وهو في ديوانه بكلمات أثارت حميته وكرامته ، حيث قال: "الله يا شيخ محمد شطول لسانك!؟ هذا وأنت غريب!". فما كان من الشيخ محمد إلا أن يرمي الحاج علي -ودون ترو- بنعله وهو يصيح: "أنا غريب أيها الحقير، هذا بلدي ولكنكم جبناء أذلاء". ونادى تلميذه إذ ذاك -حسين غازي- ليكتري السفينة اللازمة فهو لن يقيم بأرض يعتبر فيها غريبا.
هكذا دُبرت هذه المكيدة لإخراج أبي من السوق. فقد كان منبره عبئاً ثقيلاً على ذلك الحاكم. حيث ذهبت محاولاته هباءً لإغرائه بالمال. وانطلت الحيلة على أبي، وعدنا بسلام.
* * * *
السفر في سفينة نهرية مبهج لمشاعر الصغار. الملاحون وهم يجرون السفينة، لم أقدر مدى ما يتحملون من مشقة. لكني كنت اسرُّ لرؤيتهم. وهم يتحلقون عند الاستراحة، أو حين يتوزعون لتهيأة طعامهم. يعجن بعضهم الطحين، ويهيئ آخر التنور ويخبز، ويهيئ ثالث الادام الذي طالما كان سمكاً مشوياً.
أول الأمر كنت أتعجب أيجيد الرجل الخَبزَ كالمرأة؟! كنت أعتقد أن ذلك خاص بالمرأة. أليست أمي هي التي كانت تخبز لنا؟ الرحلة مسرة. ولكني لم أتخلص من الدرس!
حين أصبحت في سن دراسة، أودعوني لدى امرأة "ملّة". أهالي الجنوب يطلقون كلمة "مله" على معلم أو معلمة الأطفال وكذلك على المنبريين. ثم أدخلت مدرسة ابتدائية اعتقد أنها أول مدرسة في سوق الشيوخ تم فتحها من قبل سلطة الاحتلال. حين نقلت إلى الناصرية نهاية عام 1947 حاولت أن أعرف عنها شيئاً من سجلاتها، فقيل لي: إن انتفاضات العشائر لم تدع أثراً من ذلك!.
كنت أشعر بالدلال، فأنا ابن مرجع ديني ينوب عن مرجع ديني أعلى في النجف، مضافاً إلى هذا كونه منبري من الطراز العالي. كل ذلك يشعرني بالزهو.
مرَ يوم واحد على المسير، كنت قضيت نهاره باللعب والمشاكسة مع أختي وأخي. وفوجئت ضحى اليوم الثاني باقتراح أبي.
- ماذا تقول لو تتابع دراستك؟ سأعطيك عن كل درس "قران" إذا وعيته وأتقنت تلاوته. والقران عملة هندية، هي جزء من "الروبية" التي هي 4 قرانات. والقران 4 آنات، والآنة 4 بيسات. رضيت، وفكرت، إلى أن نصل الكوفة سيكون عندي مبلغ محترم. كانت البداية كما أتذكر سورة العصر. يقرأ أبي السورة، وأردد ما يقرأ. وجد إني أجيد التلقي. فبعد أيام استطعت أن أقرأ لوحدي، فيعطيني المقرر، عما أقرأ من سور أكثر من ثلاثة. ولكنه خفض المكافأة، إلى نصف قران عن كل سورة، مع هذا ظل الأمر يغريني.
حين وصلنا مدينة "السماوة" كان لدي مبلغ لا يستهان به. فقد أكملت قراءة أكثر من ستين سورة. وعندما رست السفينة، سارعت إلى السوق مع أختي وهي تكبرني بست سنوات. فاشتريت حلوى وليمون حلو. وبعد سويعات وجيزة أصابتني قشعريرة ورعدة، فلزمت الفراش بين برد ثم حمّى ثم يتصبب جسمي عرقاً.
وقبيل وصولنا الكوفة عاودتني صحتي. ربما بسبب ما غمرني من فرح طاغ بقرب الوصول إلى المدينة التي كنت أسمع من أهلي عنها وهم يتلهفون للعودة إليها. والى البيت الذي قُرّت به عينا أبي بأول مولد ذكر سماه "علي" وقد سبقه إلى الوجود أربع بنات. وليس الذكر كالأنثى؟!
يوم غادرنا النجف إلى قرية "الكوت" ركبنا الحمير إلى أبي صخير، ومن ثم بالسفينة. كانت النجف إذ ذاك محتلة من الإنكليز. وكان سبب هجرتنا إن الإنكليز كانوا يضيقون على النجفيين خصوصاً في أمر الماء، حيث كان ينقل من مسافة بعيدة بالقِرَبِ. فكانوا لا يسمحون بهذا مما أضطر أكثر الناس أن يشربوا من ماء البئر إن كانت لديهم بئر، عمق البئر في النجف أربعون متراً، وماء الآبار ليس عذباً. لكنه صافٍ جداً وشديد البرودة. هناك في الكوت يقيم عم أبي وابن عمه، الشيخ عبد الرضا أحد أشقاء الشيخ جواد الشبيبي، وأبن عمه كاظم "خالي" ابن الشيخ عبود أخو الشيخ جواد أيضاً.
في الكوفة دهشت لمرآى العربات الخشبية التي تجرها الخيول، وعجلاتها الحديدية التي تنزلق فوق سكة حديدية. ترامواي النجف أسس عام 1907 والامتياز لعبد الرحمن الباججي وشركاؤه أهمهم محس شلاش. كنت أود أن لا نصل بسرعة فمنظر الصحراء الواسعة بين الكوفة والنجف سيطر على مشاعري.
صرت أوجه الأسئلة عن كل ما نصادفه في الطريق. مسجد الكوفة، وقبله مجاورة له عن قرب بناية ذات قبة عادية ومظهر بائس، ثم بنايتان أخريان خلف المسجد. إحداهما يقال لها بيت الإمام علي. والأخرى مدفن ميثم التمام "صاحب الأمام".
لم تطل المدة فبعد أقل من ساعة وصلنا النجف. أحسست لأول وهلة وكأني غريب دخل إلى بلد غريب! لماذا يا إلاهي؟ كنت أتلفت مبهوراً لمنظر السور المحيط بالبلدة، وبابه الكبير العالية. واتجه بنا مرافقنا إلى بيتهم حيث سنبقى عندهم حتى الغد، من أجل أن يتم تنظيم الأثاث في الغرف.
بعد ثلاثة أيام، حين أستقر بنا المقام في بيتنا، أخذني أبي مبكراً، لم أسأله عن هذا، واجتزنا مفترق أربعة طرق إلى منتهى الشارع، فمال قليلاً إلى اليسار، ثم يميناً وقف عند باب مسجد. لقد سمعت أصوات الأطفال وضجيجهم قبل أن أراهم.
هنا كتّاب في ساحة المسجد. ثلاثة صفوف متراصة يشكلون مربعاً مع الجهة التي يجلس فيها المعلم. صبية صغار في سن السادسة، وكبار تتراوح أعمارهم بين العاشرة أو أكثر قليلاً. إذن سأكون معهم منذ اليوم لأكمل قراءة القرآن، وأتعلم الخط.
كان هذا المعلم -رحمه الله- ذا وجه مكسو بالشعر وقد ضايق العينين الحولاوين. كان جهوري الصوت، سليط اللسان، أمامه صندوق خشبي عليه عصا خيزران. وعلى الجدار خلفه ما كان أسمها "الفلقة" وقد أعتاد الناس أن يقولوا له حين يأتون إليه بأولادهم "لك اللحم والنه العظام" يريدون بذلك إن له الحق بتأديبهم حتى لو أدى الأمر إلى أن يصبح أبنهم عظماً خالياً من اللحم بسبب العقوبة من أجل التأديب. إنها مبالغة وكلام، مجرد كلام؟! أبي لم يقل له هذا، لقد أوصاه بي خيراً. وبعد حديث بدا ودياً بينهما تركني هناك، وفي اليوم الثاني جهزني بصندوق خشبي، بداخله المحبرة، ذات الحبر الأسود، وصفيحة للخط، والقرآن الكريم.
قال شيخي: "أحتفظ بها الآن يجب أن تتعلم القرآن فقط".
أجبت: "أني وصلت فيه إلى سورة حم -الدخان-. فاستدعاني إليه وأمرني بالجلوس لأقرأ، وبدا على وجهه انه سُرَّ مني. ومع ذلك أستدعى أحد الطلبة الكبار، أن يستمع عني كل يوم بعضاً من السورة التي بعدها.
أعلنت بصوت مفتخر: "شيخي أنا أعرف اقرأ من تلقاء نفسي كل السور". لكنه صاح بي "اسكت!". فصمت وقد تملكني الخوف منه.

* * * *
رحت أستعرض في الخيال يوم أنهيت تلاوة القرآن في مدة وجيزة، رغم معارضة الشيخ، ويوم باشرت بتعلم الخط، فكان أول سطر خطه لي لأتمرن على الخط، بيت من قصيدة في الإمام علي:
بقبرك لِذنا والقبور كثيرة ولكن من يحمي الجوار قليل
بعد أن كتبت سطراً واحداً تحت السطر الذي كتبه. نظر فيه ثم هتف هتاف معجب "إذهب إلى أبيك وأجلب الشريني!". و "الشريني" كلمة فارسية، وشيرين تعني "الحلو"، فقد كانوا يهبون للكتّاب هدية من السكر كلما قطع أبنهم مرحلة في التعليم.
وطرت مزهواً من الفرح. قدمت الصفيحة لأبي. كان عنده أحد أصدقائه لم يبد رأيه بكلمة لكنه صار ينظر إلى الخط والى يدي التي شمرت عنها الردن.
ولما عدت حاملاً السكر والشاي للشيخ. كان اسم الشيخ جويدة، وأعتقد إن الناس حرفوا الاسم من جواد إلى جويدة. ويدعي حسب لقبه "أبو نواص" أن نسبه ينتهي إلى أبي نؤاس!؟. أحسست بألم في يدي ثم بعد ساعة بدا فيها مثل نقطة خضراء. في اليوم الثاني تطور أمرها، فكانت خراجاً عاقني عن الدوام شهراً كاملاً. أما أمي فكانت عند كل مساء ترفع يديها للدعاء لي وعلى الشيخ الحاسد أن ينتقم لها منه، هكذا كانت تعتقد.
وعدت أتابع التعلم. كنت أرتجف كلما نادى "فلقة"؟ وكنت أبذل جهدي أن لا أخطئ واقترف ما يوجب العقوبة. ولم يكن في حسابي أن جفاف المحبرة، يكون ذنباً أستحق عليه العقوبة. حين أحسّ بي أكلم زميلي أن يعيرني محبرته ناداني، وبأسرع ما يكون انهال عليّ بالعصا لا أعرف كم مرة كانت تقرع أخمص قدمي وأطلقني فإذا بي اعجز عن القيام من شدة الألم.
وحين انصرفنا عند الظهر وعلم بالأمر جدي منعني من العودة إليه. جدي هو الشيخ حميد وكان ينادى "حُميّد" بالتصغير، وهو أكبر سناً من أخيه عبد الرضا. كان قد كف بصره عند الكبر، وقد كتبت وفاء لحبه كراس "حكايات عن جدي" بعضها هو الذي رواها لي والباقي منقولة من شيوخ أمثاله. وفي صباح اليوم الثاني أخذت بيده أقوده إلى المسجد. فإذا به ينهال عليه بالإهانات: "أحول، شمر، وحش، تفو ...." وصاح بي: "أحمل صندوقك". وخرجت يغمرني فرح عظيم.
كان شيخنا ذاك يأمرنا أن يحضر كل خمسة منا مقداراً من الحطب –أيام الشتاء- لنستدفئ، لكنه يعزل أحسنه فيحمله بعض زملائنا إلى بيت الشيخ. ويترك القليل لنا. لقد شاركت في هذه الضريبة. لكني سلمت من الضريبة الشاقة. ملء حوض البيت من البئر كان فرضا ثقيلا. كل أسبوع يقوم ستة طلبة يتراوحون على أداء هذه المهمة!
بعد بضعة أيام ألحقني أبي بالمدرسة الرسمية الوحيدة آنذاك، وعلى إني أجيد القراءة والكتابة وعملية الجمع والطرح، فقد قبلت في الصف الأول. وكان الذهاب إليها شاقاً عليّ.
ثم أغلقت واسترحت. ما السبب؟ لا أعرف. وفي ضحى يوم من الأيام لحظت في شارعنا تتابع الرجال مسارعين، شاكي السلاح، ودون أرادة وجدتني أمشي خلفهم. وفي الصحن الحيدري الذي كان مكتظاً بالناس، سمعت منادياً يهتف. لم أفهم من كلامه غير كلمة "جهاد" واخترقت صفوف الرجال فرأيت شيخاً ذا مهابة بجانبه معمم يحمل راية والمنادي أمامه.
ما الجهاد؟ من ذاك الرجل؟ لست أعلم شيئاً إذ ذاك. علمت بعد هذا انه المرجع الديني المعروف بـ "شيخ الشريعة" الذي خلف الشيخ محمد تقي الشيرازي بعد وفاته في الزعامة الدينية، ودفع الناس للجهاد في ثورة العشرين. ثم لم أشعر إلا وأنا خارج سور المدينة، والرجال المسلحون يهزجون بالهوسات جهة سكة الترامواي. وشعرت بالحيرة، فانا لا أدري كيف أعود؟ وماذا سأعتذر عن هذا التصرف أمام أبي؟
 

يتبع


السويد ‏7‏/12‏/2010‏


من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)



 

free web counter