د. نبيل الحيدري
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان
(7)نبيل الحيدرى
مرحلة الصدر الثانى
بعد حلقات ستة من مراحل المجلس الأعلى فى الميزان حتى وصلت إلى ظهور مرجعية عراقية أصيلة متميزة ونشطة رشيدة للشهيد محمد محمد صادق الصدر(الصدر الثانى) تلميذ الشهيد محمد باقر الصدر(الصدر الأول). وأحد مشاكل العراق هى المرجعيات الفارسية غير الرشيدة وغير الصالحة التى تفسد أكثر مما تصلح، وتقود إلى هلاك البلاد والعباد فهى تأخذ أخماس العراقيين والعرب لتصرف بعضها فى إيران دون العراق المحروم والمحتاج وأما الجزء الكبير من المليارات فهو إلى جيوب أرحم المرجع وحاشيته التى امتلأت وفاضت من المال الحرام كحال أرحام المرجعية كمرتضى الكشميرى صهر السيستانى وممثله فى أكثر العالم دون مساعدة الفقراء والمساكين وما تحتاجه الأمة. الصدر الأول كان يمثل المرجعية الرشيدة والصالحة العربية الأصيلة فكرا وسلوكا لكنه عاصر مرجعيات فارسية غير رشيدة ولاصالحة ولايهمها العراق وشعبه وقد حاربته كثيرا واتهمته بشتى التهم ومنعت مشروعه لذلك حاول إصلاحها من الداخل ولما يئس كما يقول فى مذكراته، تصدى أواخر حياته لكتابة أطروحته الرائعة (المرجعية الرشيدة والصالحة) التى تحول الفرد إلى مؤسسة تخرج من تقوقعها وغيابها وصمتها وذاتياتها وفرديتها وأنانيتها وحاشيتها وأرحامها إلى مؤسسة واعية منفتحة متحدثة فى الخطاب العلنى الجماهيرى مواكبة للأحداث حتى السياسية والإجتماعية منفتخة على الواقع واحتياجاته وتحدياته معايشة للفقراء والمحرومين، لذلك حورب الصدر حربا شعواء من الحوزة ورجالاتها. والحق أن الرسول (ص) كان اجتماعيا متواضعا منفتحا لكل الناس خصوصا الفقراء ساعيا فى حوائجهم دائرا على الناس والأمة ولم يغيب وكان الغريب يأتى الى المسجد فيقول (أيكم محمد) لانصهارالنبى بالأمة والشعب وآمالهم وآلامهم وهو يعمل من كد يمينه ولم يترك لعائلته بعد وفاته المليارات من حقوق الناس. رغم أن الصدر الأول قتل فى الأربعين من عمره فقد قدم وكتب ما لم يقدمه ولم يكتبه من عاش ضعف عمره كالخوئى والسيستانى وغيرهما، كتب الصدر فى الثقافة والفلسقة والإقتصاد والبنوك ومنطق الأستقراء والتاريخ والعقائد والسياسة والإجتماع وغيرها كما عرف بنشاطه الإجتماعى الكبير وتواصله الدائم بالناس وتواضعه للفقراء والمحتاجين وحركته السياسية وتصديه الشجاع ضد حزب البعث وعدم تنازله عن مبادئه وهو يقدم كل مايملك وعاش فقيرا ومات فقيرا ولم يورث لأولاده ما ورثته المرجعيات غير الرشيدة وغير الصالحة من المليارات من الأخماس والحقوق الشرعية إلى أولادها وأصهرتها بدلا من صرفها فى حقها من الفقراء والمحتاجين فضلا أنها لاتمتلك ذلك العمق الفكرى والثقافى بل لم تكتب فى حياتها كتابين أصلا. الصدر الثانى ابن عم وتلميذ الصدر الأول وامتداد حقيقي وعملى له فى الفكر والسلوك حتى الحركة الإجتماعية والسياسية التى حركت الساحة العراقية المعقدة والصعبة بشكل واسع وكبير ومؤثر. كانت لذلك مظاهر كثيرة وكبيرة منها صلاة الجمعة وخطبه ووكلاؤه فضلا عن كثير من مؤسساته الإجتماعية وخدماته للمحتاجين ولقائه اليومى بالناس بشكل حركى فاعل ومتميز إضافة لدوره فى الإنتفاضة ومن ثم إنشائه المحكمة الشرعية فى مختلف المدن العراقية وتعيين عدد من القضاة الشرعيين وهى ردة فعل على استحصال المرجع محمد سعيد الحكيم أمرا رئاسيا من صدام حسين نفسه لاسترداد مدرسة آل الحكيم الباكستانية فى شارع (أبو صخير) من الصدر الثانى الذى عمرها ورممها بعد أن كانت مهملة مهجورة متروكة وفى ذلك وقف صدام حسين إلى جانب الحكيم ضد الشهيد الصدر الثانى لتجريده من مكان دراسى وسكنى للطلاب ومواقف أخرى أحيلها إلى كتابى الموسع لأنا تعهدنا منذ البداية أن هذه شذرات كسلسلة مقالات متواضعة لأن الكتاب لايقرأه إلا النادر من الخواص فى عصر السرعة والتكنلوجيا. لقد أحدث الشهيد نقلة نوعية كبيرة جدا أدت إلى حسد المرجعيات غير الرشيدة فى العراق وخارجه. أما المرجعية غير الرشيدة فى العراق ولم يعرف فى تاريخها أي تأثير إيجابى حتى فى الجانب الإجتماعى والسياسى وهموم الأمة على كل الجوانب العراقية رغم كل الظروف الصعبة للشعب ومحنه مما جعل الشهيد يذكرهم بالأسم خصوصا السيستانى فى بعض خطاباته ولقاءاته لمراراته ومحنته وأهميته. علما أن المرجعيات الفارسية كانت مستعدة دائما لتقديم فتاوى السريعة فى كل ما يطلبه النظام .
أما المرجعيات فى إيران والتى لاترغب بمرجعية عربية أصيلة مهتمة بالعراق ومصالحه فضلا عن الحقوق الشرعية بالمليارات التى صودرت منها إلى العراق والعراقيين لذلك حاربوا المرحعيات العربية مثل الصدر الأول والصدر الثانى واتهامهم لهم بالوهابية والإنحراف والعمالة وغير ذلك.
يتحدث الشهيد الصدر الثانى فى حوار مسجل مع تلميذه محمد النعمانى فى منزله فى (الحنانة) فى النجف قائلا (إنما تصديت للمرجعية حيث وجدت نواقص ومظالم وإهمالات كثيرة فى الحوزة والشيعة عموما فتصديت ودخلت معمعة المجتمع والحوزة والمرجعيات) كما تحدث عن مظلوميته من رجالات الحوزة واتهامهم له بالعمالة وذكر مرجعيات بالإسم خصوصا السيستانى ومواقفها ضده ومع النظام وتعامل النظام معهم.
تصدى المجلس الأعلى فى اتهام الشهيد الصدر الثانى زورا بالعمالة للنظام العراقى ولذلك أسباب عديدة أهمها المخابرات الإيرانية والعقلية الفارسية العنصرية ضد العرب خصوصا العراقيين منهم (وهى عقدة النقص الدائمة لهم) وتبعية المجلس كليا لإيران كما شرح فى الحلقات السابقة، والحسد لوجود شخصية عراقية أصيلة ليست تابعة لإيران تقوم بتغيير كبير فى المجتمع متحدية النظام الذى ضاق ذرعا منها ولم يستطع تحملها وهى تنتقده وتطلب إخراج السجناء والوكلاء من السجون العراقية حتى قتله مع ولديه بعد إطفاء الكهرباء فى المنطقة وإحاطتها بأجهزته المخابراتية ثم تسليم جثته بهذه الطريقة ومنع التشييع والفواتح عليه. وللأمانة التاريخية حاولت مرة عندما كنت مدرسا فى بعض الجامعات، إقناع باقر الحكيم بمشروع الشهيد فلم أفلح، حتى قلت له (إنه مشروع تغييرى كبير يحصل فى العراق بقيادة الصدر الثانى وينبغى التفاعل معه) فقال لى (كيف يمكن له القيام بهذا التحرك الكبير لولا تأييد النظام؟) قلت له (لم أجد تأييدا للنظام حتى فى خطبه بل رأيت تحديا ونقلة نوعية فى الحركة الإجتماعية والسياسية الواسعة) فقال (إنه ساذج والنظام يستغله) قلت (لا أعتقد بسذاجته بل أرى العكس فى استغلاله لهم كالجسر لهذه النتائج كما نجد أمثلة تاريخية كثيرة، أجد بصراحة مرجعية رشيدة تكتسح الساحة فى وضع صعب أمام صدام ويحاربها الخصوم والحساد فى داخل العراق وخارجه ويصعب على الخارج استيعابه)... الحقيقة أن المعارضات الإسلامية العراقية خصوصا باقر الحكيم الطباطبائى الأصفهانى وكاظم الحائرى الشيرازى ومحمود الهاشمى الشاهرودى رغم خلافاتهم الشخصية الكثيرة جدا وكتبت سابقا عنها، لكنهم له اتحدوا جميعا ضد عدو مشترك لهم وهو الشهيد الصدر الثانى واتهامه بالإرتباط بالنظام العراقى وإيصال ذلك لأجهزة النظام الإيرانى القمعى وكلنا يعلم عندما زار الصدر الثانى قم وماذا حصل.
لقد صرح باقر الحكيم بنفسه فى لقائه بفيلق بدر قائلا (إن السيد محمد الصدر قريب من السلطة) وعندما سئل عن صلاة الجمعة التى يقيمها وخطبه أجاب (إن ذلك ليس دليلا كافيا بدليل أن معاوية بن أبى سفيان كان يقيم صلاة الجمعة) وهو تشبيه غريب يشير إلى عمق الهوة بينهما. كما أشار الحكيم فى مقابلة مع صحيفة الزمان اللندنية بتاريخ 27/1/2000 (نعم لدينا ملاحظات على طريقة السيد محمد الصدر منذ البداية). ولقد قدم عبد الصاحب الحكيم مذكرة علي العضاض ممثل المجلس الأعلى فى جنيف إلى مندوبى 70 دولة فى الدورة 53 للجمعية العمومية للأمم المتحدة فى كانون الثانى عام 1999 وفيها (وإن الحكومة العراقية تساند رجل دين لا يعترف به رجال الدين الشيعة ولا يصلح للمرجعية).
والجدير ذكره أن حاشية باقر الحكيم ممن روجوا لتهم عديدة ضد الصدر الثانى، فقد كان مثلا عبد العزيز الحكيم (مسؤول الإرتباط مع أجهزة المخابرات الإيرانية مسؤولا مباشرا عن ذلك من جهة المجلس الأعلى) والذى عبر عن الشهيد بأنه (مرجع السلطة) واتهامات أخرى كثيرة، كما طبع المجلس الأعلى فى إيران كراسا تسقيطيا ضده ونشره بشكل واسع وكثيف عنوانه (مرجعية السيد محمد صادق الصدر) ومن ورائه صدر الدين القبانجى الذى يشير مرارا إليه فى صحيفته (المبلغ الرسالى) الصادرة فى قم ويقول مثلا (إن النظام الصدامى قد جعل من مرجعية محمد الصدر غطاء لمخططاته وسوف تستخدم ضد الإسلام وباسم الإٍسلام) وغيرها كثير مثل ما كتبه القبانجى نفسه فى صحيفته وباسمه بتاريخ 27/10/1997 مقالا فيه التجريح والإتهامات للشهيد وتمجيد للخامنئى والحكيم ومضمون الكراس المذكور أعلاه وفيه أيضا (إننا اليوم نتعامل مع ولاية الإمام الخامنئى ...وادعاء ولاية أخرى للساحة العراقية فى ظل حكومة صدام حسين أقرب إلى المهزلة). وغيرها كثير.
حاول الصدر الثانى فتح مكتب له فى قم عن طريق صهره جعفر محمد باقر الصدر فأغلقته الحكومة الإيرانية وحاربت أصحابه متهمة الشهيد بالعمالة كما سجنت وعذبت ستار أبا سيف الوائلى. كانت تصدر من مكتب الحكيم وجرائده (لواء الصدر) (الشهادة) من إيران و(نداء الرافدين) من سوريا ولبنان لبيان جبر صولاغ، وكذلك من حاشيته خصوصا صدر الدين القبانجى وعبد العزيز الحكيم ومحمد باقر المهرى وغيرهم من الإتهامات الباطلة الكثيرة ضد الشهيد.
إحدى مشاكل الإسلاميين هى أنهم يستخدمون الإسلام لمصالحهم الشخصية ويحاربون خصومهم حتى الإسلاميين الآخرين حربا غير شريفة وبوسائل غير نظيفة ومتهمين لهم شتى التهم لكنهم بعد وفاتهم (التى ربما كانوا سببا فيها بشكل مباشر أو غير مباشر)، إذا هم ينقلبون كليا ويبدؤون بإقامة الفواتح وتغيير اللهجة كاملا بالمديح وإصدار البيانات وإطراء الثناء على المرحومين. هذا ما حصل فعلا مع الشهيد فبعد جريمة قتله مع ولديه بشكل وحشى، بدأت القيادات الإيرانية والمجلس الأعلى والآخرون بإصدار البيانات وإقامة الفواتح عليه وقد لقبته بالشهيد ذى النفس الزكية جريدة الشهادة عدد 783 بتاريخ 23/2/1999 ونداء الرافدين عدد 196 بتاريخ 8/4/1999، وينطبق عليهم المثل المعروف (يقتل البرئ ثم يسير فى جنازته). كما أقام [شد مناوئيه وهو ولى الفقيه الخامنئى فاتحة ضخمة فى أكبر مساجد قم وحضرها المسؤولون الإيرانيون ومنهم محمدى كلبيكانى مدير مكتب الخامنئى وعلى المشكينى رئيس مجلس الخبراء كما حضرها باقر الحكيم الذى لم يحسبها صحيحا، فإن حزب الدعوة الذى قاد مظاهرة كبيرة للفاتحة بقيادة الداعية عامر الخزاعى وكانت تحمل شعارات الصدر ثم تحولت الشعارات ضد الحكيم، ثم رفعت الأحذية الكثيرة وضرب بها باقر الحكيم فى داخل الفاتحة مما جعل أجهزة المخابرات الإيرانية تعتقل ما يزيد على الأربعمائة شخص، منهم شيخ الدعاة مهدى العطار وكذلك عامر الخزاعى ورياض الناصرى وجميل الربيعى كما سفر البعض وطرد جملة منهم إلى العراق مما جعل إبراهيم الجعفرى يبرق رسالة إلى الخامنئى يطالب إطلاق المعتقلين الدعاة وكذلك برقية أخرى بتوقيع عشرة دعاة فى لندن منهم الجعفرى إلى القائم الإيرانى فى لندن، إضافة إلى مظاهرة فى السويد رفضت تسلم رسالتها السفارة الإيرانية، لكن محمد مهدى الآصفى الأمين العام لحزب الدعوة أصدر بيانا معتذرا عن أحذية الدعاة الإسلامية وكأنه يستذكر العدوان الآثم عليه فى قم من رفاقه الإسلاميين فى حزيران 1996.
ولا يفوتنا ذكر مجيد الخوئى الذى تصدى ضد الشهيد كما كتب مقالات عديدة منها فى مجلته النور اللندنية - العدد 18 فى تشرين الثانى 1992 وكذلك العدد 33 فى شباط 1994 وتصريحاته للحياة اللندنية فى 24/4/1998 ضد الشهيد وتسميته بمرجع السلطة. علما أن المؤسسات الشيعية فى لندن أقامت الفواتح على الشهيد الصدر الثانى ما عدا مؤسسة الخوئى.
لقد فرح الدعاة والمجلس والشيرازية والمرجعيات الفارسية غير الرشيدة فى العراق وإيران خصوصا السيستانى وولى الفيه الإيرانى بموت الشهيد فرحا كبيرا أيما فرح حتى قال بعضهم (خلا لنا الجو بموت الصدر...) متوهمين أن الساحة ستعود لهم. خمس سنوات فقط لمرجعية رشيدة أفزعت النظام والمعارضة والمرجعيات فى وقت واحد حتى ذهب شهيدا إلى ربه يشكو من ظلم الكثيرين واجتماع الأضداد عليه ومنهم المجلس الأعلى وحزب الدعوة اللذين يتناوبان حكم العراق والفساد فى الأرض والطغيان على الشعب المحروم والمسحوق .
وللحديث تتمة لاحقة فى الحلقات الثلاث القادمة
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (6)
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (5)
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (4)
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (3)
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (2)
المجلس الأعلى الإسلامى العراقى فى الميزان (1)