محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)محمد علي الشبيبي
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف
مقدمة
القسم الرابع والأخير من (ذكريات معلم) عنوانه (ثورة 14 تموز والسنوات العجاف). يتناول فيه المربي الراحل كيف كان تأثير تلقي نبأ ثورة 14 تموز على والده. وتأثير منجزاتها على الحياة العامة. ومن ثم تذبذب نهج الزعيم سياسيا، وتأليب القوى السياسية على بعضها، وتردده في الوقوف بحزم ضد المؤامرات والمتآمرين بينما كان متشدداً مع القوى الوطنية ذات المصلحة الحقيقية في الحفاظ على مكاسب الثورة.
في تموز 1958 تدهورت صحة الشيخ الجليل - والد الشهيد -، ويأس الأطباء من إمكانية شفائه أو تحسن صحته، حتى أنهم لم ينصحوا بنقله إلى المستشفى. وكان الشيخ في جميع صلواته يدعو من الله أن يشهد نهاية الطغاة. وفي صباح 14 تموز هتف أخي الأكبر "كفاح" بعد أن أستمع لإذاعة بغداد "إنها الثورة!". وبشر جده المستلقي في الفراش وهو في نصف غيبوبة بهذا الخبر السعيد. تفاجأ الجميع بردة فعل الشيخ، ومحاولته الجلوس هاتفا بفرح "الحمد لله ، شكراً لك يا رب فقد استجبت لدعائي!". فكان نبأ الثورة الدواء الشافي للشيخ.
عانى الشيخ الجليل رغم تقدمه بالعمر في ظل الحكم الملكي من الاضطهاد والمضايقات حتى في معيشته، وللأسف تحالفت القوى الدينية الرجعية مع سلطات الحكم الملكي في محاربته في كسب رزقه، وذلك للضغط عليه وحرفه عن توجهه المنبري التنويري في كشف الفساد والظلم الاجتماعي وتوعية مستمعيه. وتمادت سلطات النظام الملكي في اضطهادها للشيخ الجليل باعتقاله وإرساله إلى كربلاء، ومن ثم تقديمه إلى محكمة في الرمادي -وقد قارب الثمانين عاما- بعيدا عن محل إقامته خوفا من غضبة أنصاره. وبالرغم من هذه المضايقات وما أصابه من نكبات بدءا بإعدام ابنه "حسين" وسجن ابنه الأصغر "محمد علي" وفصل واعتقال ابنه الأكبر"علي"، فان الشيخ بقى صامدا صلبا في مقارعة الظلم وفضح عملاء النظام ومرتزقته.
أن الثورة بمنجزاتها السياسية والاقتصادية وما حققته في المجال الاجتماعي قد غيرت حياة الشعب العراقي كثيراً وكادت أن تنقل العراق نقلة نوعية متقدمة، لولا تلكؤ قاسم وشراسة المؤامرات التي اشتركت فيها جميع القوى المستفيدة من العهد الملكي والتي تضررت بمنجزات الثورة أو أنها اختلفت مع مسيرة الثورة بسبب مواقفها الأنانية الضيقة.
ويتحدث الوالد عن نجاح ثورة تموز وبداية عهد جديد. ودوره في إحياء جمعية المعلمين والعمل من أجل توحيد المعلمين في قائمة وطنية موحدة، بعيدا عن التحزب والحزبية الضيقة. ويوضح موقفه في العمل المهني، فيكتب "الواقع إني لم أكن قط متحيزا في نظرتي إلى كيفية خدمة المعلم عن طريق الجمعية أو النقابة في المستقبل. أنا أكره التمييز بين المعلمين من ناحية انتمائهم". ويصف أسلوب بعض القوى السياسية في تفاهمها من أجل وحدة قيادة جمعية المعلمين والسيطرة عليها، وكأنه يكتب ليومنا هذا بعد سقوط الصنم، فيكتب "... ولكن الغريب في الأمر إنهم تعاونوا مع الذين كانوا بالأمس مسيطرين على الجمعية -وفي خدمة العهد المباد- كما جرى التعبير".
وبعد مسيرة قصيرة للثورة برزت التناقضات بين قياداتها العسكرية، وبين قوى الجبهة الوطنية التي انفرطت عمليا حال إنجاز الثورة، وتخبط الزعيم في سياسته. يستخلص الوالد ملاحظاته وتوقعاته لمصير العهد الجمهوري الجديد، فيكتب تحت عنوان -من هو- "أنا أعتقد إن مقياس الديمقراطية الحقيقي هو إباحة الرأي والمعتقد ضمن الدستور المؤقت والدائم فيما بعد وداخل أحزاب لها قوانينها وأنظمتها، وإن الحكم يجب أن يكون بيد الحزب الذي يتم له الفوز بأغلبية في الانتخابات الحرة بدون تدخل السلطة المؤقته. وأن لم يتم هذا فإن انهيار الثورة محقق". لذلك هو يؤكد على أهمية الحياة الديمقراطية من خلال انتخابات حرة، وضرورة سن قانون للأحزاب ينظم نشاطاتها، فإن هذا هو صمام الأمان لمواصلة الثورة وإلا فإن انهيار الثورة محقق!؟
وانعكست آثار انتكاسة ثورة 14 تموز مجددا على الوالد مثلما على معظم فئات الشعب. فتعرض بسبب نشاطه في حركة السلم، واشتراكه مع بعض زملائه الذين بادروا لقيادة عمل "جمعية المعلمين" بعد سقوط النظام الملكي إلى الاعتقال والإقامة الجبرية في لواء ديالى بعيدا عن عائلاتهم. وبعد رفع الإقامة الجبرية تم نقل الوالد وزملائه إلى الأقضية التي أبعدوا إليها بقرار من مدير معارف كربلاء كاظم القزويني، وبضغوط من القوى الرجعية من المدينة وخارجها.
ويروي الوالد محاولة المتصرف (المحافظ) حميد الحصونة الخبيثة والحقودة لعرقلة إعادته للتعليم -بعد إنهاء الإبعاد- في نفس الخالص. وقد عُرف الحصونة بمواقفه الرجعية والانتهازية وحقده على القوى التقدمية وأشتهر بشعاره الذي رفعه بعد انتكاسة ثورة 14 تموز "أمي مخلص خير من مثقف هدام" وهذا يدل على مدى جهله وعدائه للثقافة والمثقف! وأثناء مقابلة الوالد له بوجود بعض الضيوف هاج وماج بدون مقدمات على الوالد بأسلوب بعيدا عن الأدب والذوق، مكيلا له السباب وإتهامه (شيوعي ..... أكسر راسك ...) وغيره من كلام لا يليق بمكانته كمتصرف! وهنا يكون موقف الوالد واضحا وجريئا في رده فيكتب الوالد: (... وقررت أن لا أغض النظر، وأن أرده مهما كلف الأمر ..... حين سكت قلت: الملفة ليست دليلا أبدا. وحتى لو تكلم الإنسان وادعى في وقت وظرف معين، فليس ذلك بكاف. ألم تعلن أيام تموز الأولى في الديوانية "أني نشأت أنا وفهد على رحلة واحدة في المدرسة؟". ألم تقل أثناء كلمة ألقيتها على تظاهرة شيوعيين في الديوانية لتأييد ثورة تموز "حتى قدور بيتنا شيوعية!؟". أنا مؤمن إنك لست شيوعيا، رغم ما صرحت به، وأنا أيضا ليس لي انتساب فعلا لأي حزب سياسي سري أو علني.). إن رد الوالد ومجابهته الصريحة بمواقفه الانتهازية الغبية أيام تموز الأولى كانت كالصاعقة عليه أمام ضيوفه، مما أضطره أن يتراجع عما أضمره للوالد من حقد، ولم يكن الوالد يبالي بما ستكون ردة فعل هذا الجاهل.
ربما لاحظ القارئ والمتتبع لجميع أقسام (ذكريات معلم) أن الوالد طيب الله ثراه كان يهتم ويتأثر كثيرا بطبيعة علاقات المجتمع الذي يعيش في وسطه. فهو ينتقد بمرارة وأسى بعض الطباع السيئة -في محيطه الاجتماعي القريب- كالنفاق والجبن والخبث وفقدان روح التضامن وعدم الوفاء والتردد، وكلها صفات يمقتها الجميع ظاهرياً، لكن البعض يرى أنها أو بعضها ضرورية في حياته اليومية!؟. بينما يشيد بكل ما هو إيجابي في أي مجتمع عاش في وسطه خلال رحلته التعليمية وتنقله. فيكتب عن مجتمع مدينة الخالص ( ... وأهل البلد على طيبتهم التي تتجلى لي في ابتساماتهم حين أمر عليهم مُسلِّما أو حين أشتري من بعضهم حاجة. يتجنبون الحديث معي ولكنهم يرحبون بي حين أدنو منهم لشراء حاجة). ويتحدث تحت عنوان "البلد الطيب" عن أسلوبه في علاقاته مع الآخرين، وهو أسلوب يعتمد على الثقة العالية بالنفس والقدرة في الإقناع فيكتب ( أنا لا أتخوف من الناس مهما كانت سمتهم، وقد جربت نفسي كثيرا. إني أستطيع أن أبدل ما في أذهان بعضهم عني، وأكسب محبتهم). ومن يقرأ ذكريات الوالد سيطلع كم من الأشخاص الذين كانوا يتخذون موقفا سلبيا منه ونجح في تغيير قناعاتهم عنه.
لم تمضي سوى أشهر على إلغاء الأبعاد ورفع الإقامة الجبرية على الوالد في الخالص حتى نجحت القوى السوداء في إسقاط ثورة تموز بانقلاب دموي في 8 شباط 1963 بتحالف القوى القومية والإقطاع والرجعية وبمباركة من الدول الاستعمارية في الخارج والقوى الدينة الرجعية الممثلة ببعض مراجعها. حيث بدأت مرحلة من السنين العجاف تخيم على حياة العائلة والشعب العراقي أجمع. وخيم على العراق جو مكفهر يعيث فيه الذئاب من أفراد الحرس القومي -وهي مليشيات من البعثيين والقوميين- دمارا. أنتهك فيه الحرس القومي الأعراض، وزج بخيرة الوطنيين في السجون، وتعرض ألاف -نساء، وأطفال، ورجال- إلى التعذيب والتصفية الجسدية. وتحولت الملاعب الرياضية والمكتبات العامة إلى مقرات للتعذيب والتحقيق.
ويتحدث الراحل عن هذه الفترة المظلمة من حياة الشعب، وعن التعذيب الهمجي الذي تعرض له شباب كربلاء في مركز التعذيب "المكتبة العامة" التي تحولت إلى "مسلخ بشري". فكان يعاني ويحس بآلام المعذبين خلال فترات وجوده للتحقيق في "المكتبة"، فكتب قصيدته - قولي لأمك -، ومن أبياتها:
أســــفاً لـــدار العلم بعــد العـــلم تغــــدو للعــــذاب
غرفاتها تحوي السلاسل لا الـمطــــالع والــكتــاب
والسوط قد خلف اليراع وعـنه في الـتعبيــــر ناب
ولم تنتهي معاناة الوالد والعائلة مع سقوط نظام البعث في 18 تشرين الثاني 1963، وإنما استمرت بإحالتنا جميعا - الوالد، وأخي كفاح، وأنا - إلى المجلس العرفي الأول. وأصدر المجلس قراره بسجن الوالد لسنتين وأنا –كاتب هذه السطور- خمس سنوات وشقيقي الأكبر بستة أشهر مع وقف التنفيذ.
وفي سجن الحلة يقضي والدي فترة سجنه بالمطالعة وتسجيل ملاحظاته ومتابعة ما يجري في العالم. فيجمع ملاحظاته في مخطوطة سماها - كشكول سجين - متنوعة المواضيع والمصادر. وفي السجن يعيش ويراقب المحيطين به وقد جاءوا من منحدرات اجتماعية مختلفة ويحملون أفكاراً وعادات متنوعة وحتى متناقضة. ويشبه السجن بالخمرة التي تكشف حقيقة شاربها وتفضح مدى مصداقيته بما كان يؤمن. فيسجل انطباعاته عن السجن ومجتمعه في موضعة -مآسي ومشاكل- فيكتب: (... السجن محك، كالخمرة، تكشف حقيقة شاربها، إن كان غليظ الطبع، خالي الوطاب من أدب أو علم، أو إذا كان ذا نفسية معقدة أو مشاكل لا يعرف عن أسبابها شيئا. ولا يدرك للتخلص منها سبيلا. والاتهامات والمحاكم العرفية دفعت بأناس لا يعرفون من السياسة حرفا...)
وبعد تحررنا من السجن، تستمر رحلة الوالد والعائلة في بحر تتلاطمه الأمواج، إنها السنين العجاف التي سادت العراق وغيبته عن العالم. حيث يستمر الفصل السياسي وتبوء كل محاولات الوالد للعودة للوظيفة. وتصطدم محاولاته بحقد ولؤم مدير الأمن والمتصرف في ديالى، وتوضع أمامه مختلف العقبات والأعذار التافهة لعرقلة عودته. وتبقى العائلة تعاني من ضعف المورد المالي الوحيد وشظف العيش، بينما الوالد في سفر دائم متنقلاً بين كربلاء وبعقوبة لمقابلة المسؤولين لعله ينجح في العودة للوظيفة أسوة بالآخرين من أمثاله. فيكتب عن معاناته هذه:
(لو كان سهما واحداً لاتقيته ولكنه ســــهم وثـانٍ وثالث
أجل والله، بالنسبة لي، هي أكثر من ثلاثة، إنها سهام متواصلة، حياتي غير مريحة، ولكني أوبخ نفسي. إني أحبها، فأخاطبها: إن الصبر طيب، تحقيق المطالب الحياتية بالسعي مع الصبر مفخرة، ويجعل الحياة لذيذة). نعم كانت هذه هي مبادئ الوالد في الحياة -الصبر والمفخرة-، فكان دائما يقول لنا: فكروا بمصائب غيركم تهون عليكم مصيبتكم، فهناك في هذا العالم من مصيبته أعظم من مصيبتكم!.
وبعد انقلاب 17 تموز 1968 صدر قرار عودة المفصولين السياسيين إلى وظائفهم، وشمل القرار عودة الوالد. وأيضا لم تخلُ عودته من خبث المسؤولين القدماء الجدد، فكانت عودته في مدينة الرمادي بعيداً عن عائلته، متجاهلين طول خدمته في التعليم وكبر سنه، وما يسببه هذا البعد من متاعب له. وحتى بعد نجاحه للتبادل -بجايش- مع أحد المعلمين في الحلة، فأن مدير تربية الحلة "جابر الدوري" أصر خلافا للعادة الجارية والتي تقضي مباشرته في نفس مدرسة المعلم البديل، على إبعاد الوالد عن مركز المدينة للعمل في أحدى قرى الحلة البعيدة!
ويختم الوالد حياته التعليمية التي أخلص لها وعمل خلالها بتفان، بتقاعده أواسط عام 1971 حيث كان معلما في مدرسة -أبو سِفن- التابعة لقضاء طوريج التابع للواء الحلة في وقتها. ومع إحالته على التقاعد ينهي والدي (ذكريات معلم). لكنه يبقى كما كان معلما ومرشدا حريصا على سمعة المعلم، فهو لا يبخل بتقديم النصح والملاحظات لطلبته القدامى وأصدقائه. وبحسرة وأسى متجاوزا كل ما أصابه من حيف واضطهاد بسبب ما يحمله من مبادئ سامية، فيكتب: " فليت لي حولا وقوة لأواصل رسالتي في أداء خدمة بلدي. ولست آسفا أبدا إنا نحن المعلمين كالجسر يعبر عليه الألوف ثم تبلى أخشابه، فلا تعود تذكر على لسان"
لقد نشرت (ذكريات معلم) للوالد وقبلها مجموعة قصائده (أنا والعذاب) وبعض كتاباته المتفرقة. إن ما قمت به من عمل متواضع بنشر بعض مخطوطات الوالد جزء من واجبي كابن، وتلميذ وفيٌ كنت ومازلت استعين به، وكزميل زاملته في المعتقلات والسجون، وكمربي أصابه الغبن والحيف في حياته من قبل أنظمة استبدادية. أرجو أن أكون قد وفقت بنشر وطبع كتاباته، وهذا أقل ما يمكن أن أقدمه وفاءاً لذكراه الطاهرة.
ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد 12/05/2011
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف
(4)من هو؟
مرّ أكثر من يومين ونحن في النجف لا نعرف من هو قائد الثورة، وكيف حدثت، لكن الناس في فرح غامر. كل فرحهم كان انبثاق الثورة. وصادف حدوثها أيام محرم. في المدن الشيعية يعلن الناس الحزن والحداد خلال شهري محرم وصفر، ولا يجرأ منهم أحد أن يخرق تلك الالتزامات بفرح مهما كان.
لذا أقول، كم هو عظيم فرح الشعب بثورة 14 تموز، ونحن نرى الناس، يهزجون ويغنون ويرقصون في الشوارع. هم في كل يوم في تظاهرة. كان أصحاب المحلات في الشارع القريب أو المقهى القريب من الصحن الحيدري وصحني الحسين والعباس لا يجرأون على استعمال الراديو، لكن هذا الالتزام تجاوزه الناس. وكأن محرم لم يحن بعد، أو أن ثورة تموز هي المطلب الكبير والثأر للحسين وآل البيت.
لم أسمع ولن أقرأ في جريدةٍ صوتا لجبهة الاتحاد الوطني، يبدو أن عقدها قد انحل وانفرط. إذا كان فلنقرأ على الثورة الفاتحة. لم نكن نعرف وبتأكد من قائد الثورة. وما مدى تلاحم رجالها العسكريين، وما مكانة الأحزاب الوطنية فيها، بعد أن صفي الحساب مع العهد الملكي.
كنا نسمع من بعضهم، أن نوري بعد بحث الأمر مع السفير الأمريكي عن قضية انتفاضة الشعب اللبناني وجه الجيش أو ألوية معينة للسفر إلى الأردن. واستغل القادة في الجيش الذين هم على رأس تلك الألوية فتوجهوا بدلا من تنفيذ أمر نوري، إلى معاقل الحكم فدكوها دكا.
لو كان لرجال الأحزاب أي فطنة وبعد نظر لانتبهوا إلى وجوب التلاحم بعد تحقيق الثورة. ولو إن قائد الثورة كان حكيما، لكان السابق إلى طلب هذا من الأحزاب الوطنية (وقرأنا بعد سنين طويلة وعهود أخرى بعد تموز. إن رجال جبهة الاتحاد الوطني قد نص ميثاقهم إن فترة مجلس قيادة الثورة يجب أن تكون انتقالية لتشكل بعدها حكومة مدنية). لم أكذب ولم أتبجح إن قلت، أن رأيي هذا قد لاح واضحا بعد أيام من معرفة رجال الحكم الجديد. وأتضح لي أكثر وضوحا، حين نحى قائد الثورة زميله ورفيقه "عبد السلام عارف" في دك معاقل الحكم بشكل يتنافى تماما ومقامه. وعرفنا فيما بعد التزام عبد الكريم قاسم بصاحبه عبد السلام، وفي الضباط الأحرار من هو أكثر منه كفاءة وثقافة. وبعد مدة طويلة أي بعد هلاك عبد الكريم قاسم علمنا أن صاحبه لم يكن في الأصل داخل تنظيم حركة الضباط الأحرار إنما فرضه عبد الكريم فرضا. وإذا صح هذا فلا غرابة في وقوع الخلاف بينه وبين صاحبه. هو يعلم أن صاحبه كثير السقطات التي تجعل منه مثلا في نسج الجماهير للنكات، ينسجوا منها ثم ينسبونها له بأنه قالها في إحدى خطبه!؟ إنه يستغلها اليوم يريد أن يبعده، وقد فعل. واستغلت بعض الفئات ما حدث للرجل المنبوذ، فاتخذت مما حدث ذريعة للتهريج ضد الزعيم، ورفعت أسمه عاليا. واتخذته رمزا لنضالها من أجل توجيه الثورة في طريق اللاحب والمستقيم.
بعض الأحزاب انسحبت من تأييد الثورة، وهي بيد عبد الكريم الذي لم يفصح عن نهجه. واتضح انه يدير لعبته يحطم بها الأحزاب التقدمية. حزب البعث أبتعد. الحزب الوطني الديمقراطي انسحب دون أن يحاول التنبيه للخطر، وانشق عنه أقوى أعضائه، وتبعه عدد كبير من الأعضاء حين ألف حزبا جديدا، وصار رئيسه العضد الأقوى لرئيس الدولة، في سن القوانين للمشاريع الاقتصادية. وبدأ أيضا يعزل بعض الوزراء. بعضهم لأنه يمثل فئة ظلت تعمل في السر، وبعضهم لأنه شخصية جيدة جدا.
يا سيدي الحركات السياسية، حتى لو كانت من وسط عسكري يجب أن يكون نهجها سياسيا لا علاقة له بالرتبة أو الوظيفة، لأن الحركة يجب أن تكون للشعب كله.
الشيوعيون كان رفاقهم الذين نسمع أحاديثهم، وطبعا هي مستقاة عن كبارهم. بأن الحزب علم بالثورة، وان لهم صديق "رشيد مطلق" صديق عبد الكريم قاسم هو من يوصل رأيه برجال الحركة. ولكن هذا الزعيم تغاضى عن الحزب وكأنه لم يكن. فحين قدم الحزب طلب الإجازة، حيكت دونه عراقيل كثيرة باسم القائد طبعا ليس هذا حسب، إنما اغتيل بعض رفاق الحزب، سقط واحد قتيلا في الشارع، وآخر وجد قتيلا في فراشه، وضاعت الدماء الكثيرة هدرا.
أنا أعتقد إن مقياس الديمقراطية الحقيقي هو إباحة الرأي والمعتقد ضمن الدستور المؤقت والدائم فيما بعد وداخل أحزاب لها قوانينها وأنظمتها وتعتمد الديمقراطية فعلا في وسطها، وإن الحكم يجب أن يكون بيد الحزب الذي يتم له الفوز بأغلبية في الانتخابات الحرة بدون تدخل السلطة المؤقته. وإن لم يتم هذا فإن انهيار الثورة محقق.
وأكثر من هذا إن صحيفة الحزب حين نددت بالفعل الإجرامي -اغتيال بعض رفاق الحزب الشيوعي- فأن المجلس العرفي العسكري الثاني أصدر قرارا بمنع الصحيفة من الصدور لمدة تسعة شهور!؟. وكأنه يتعمد التنكيل بشخصية الحزب. فمنح الأجازة لشيوعي هو داود الصائغ، لم يعتبر العهد المقبور شخصيته بشيء. فقد قبض عليه إذ ذاك قبل أن يهتدى إلى قائد الحزب الشيوعي "فهد" وحين وصل به الشرطة للتحقيقات الجنائية، قال لهم كبيرهم: هذا نعرفه نريد "فهد"!؟
ولنتساءل إذن لماذا ظل الشيوعيون يؤيدون الحكم إلى آخر لحظة، حتى أن مقالا لهم نشر في جريدة الطريق بعنوان "حياة الزعيم مكسب وطني". كانت سياسته -الزعيم- تهويشا لا ترتكز على قاعدة سياسية وأساسية، وخطبه رعونة. فمرة هو يعارض مقترحات الأحزاب، ويشتم بعضها بإشارات غامضة، كما فعل في كنيسة "مار يوسف" وتارة يدعو الأحزاب "العلنية والسرية" أن يتحدوا ويساعدوه. أين مواقفه وخطبه الأولى، التي بعثت قرائح الجماهير فراحت تغني "عيني كريم للأمام، ديمقراطية وسلام". كانت مختلف الأغاني تبتكر ساعة التجمع والتظاهر رائعة مبهجة.
لقد دحرتها عنجهيته وغروره، وهو يهذر بإحدى خطبه "كلكم وراء الزعيم ...". وقد تشبث برتبة "زعيم" لأنها تعبر عن الزعامات أيضا. الزعامة إذا لم يؤيدها الشعب "زفت" كما يعبر المصريون. صحيح إنه بعيد عن الترف ولم يلوث يده بنهب ولا نعيم. ولكن استبداده سيفسح المجال لمن لا يرحم إذا ولي.
خلال أيام الفواتح التي أقيمت في وفاة والدي، جاءني جندي شيوعي، سألته عن عبد الكريم، فراح يهزأ به ويسميه "أبو حَمره"! قلت وما تعني هذه الكلمة؟ أجاب: إنه أحمق، أرعن. قلت أيرضى الحزب أن تقول عنه هذا؟ أجاب: أنا اُسَخِف من لا يريد أن يعرف أن الرجل ليس بسياسي مطلقا ولا يصح أن نرخي له الزمام!.
وزرت صديقا في إحدى الدوائر الحكومية، هناك وجدت حس أفضل. الطبيب الذي صار عضو في المجلس النيابي الأخير للعهد المباد. كان يقص على صاحبي ما عرفه عن قائد ثورة تموز. وكان هو إذ ذاك في لندن. قال: كنت عند الوزير ضياء جعفر، وضياء هذا من المقربين جدا إلى نوري السعيد، فسألته هل تعرف العسكري الذي قاد الثورة؟ أجاب: أنا مندهش ومستغرب الأمر كل الاستغراب. هذا كان من أعز الضباط عند نوري! كنت عنده ذات يوم ، فجاءه أحد رجاله، وقال، سيدي الضابط عبد الكريم يريد الدخول. فطار نوري فرحا، ونهض وهو يردد أدخله حالا. والتفت إليّ وقال، هذا من أعز الضباط عندي، إنه ذكي ومخلص، أرسلته إلى لندن للتداوي.
ودخل عبد الكريم قاسم، وضع حاجات كان يحملها على الطاولة، وعانق نوري عناق مخلص مشتاق. وقال: والآن توجهت من المطار إليكم مباشرة. لم أسمح لنفسي أن أذهب إلى بيتي قبل زيارتكم.
كان نوري متجها إليه بكليته وبكل اهتمام يستمع إليه ويستفسر منه عن صحته. ثم ودعه وانصرف. وعاد نوري يحدثني عن إعجابه به وبمدى وعيه بمسؤولياته، وتعلقه به.
ثم عقب ضياء جعفر، إلا ترى معي كم هو غريب أن يقوم هذا الضابط بالذات بالثورة وضد نوري؟
أقول ستكشف الأيام كل سر خطير في يوم من الأيام. إن تصدت لتأريخ الثورة ورجالها يد أمينة!
العواصف
الظاهر أن قاسم كان مقصده أخذ مسألة الثورة على عاتقه، وبآرائه التي هي بعيدة عن الصواب. فهي ارتجالية. وكما يبدو أنه يعمل على التخلص من جميع القوى السياسية. فبعد عام من إجازة الأحزاب بدأ يطاردها، ويعتقل بعض أعضائها، ويغلق صحفها لأنها تنتقده، ولم يعد حزب سياسي يمارس نشاطه كما يجب وبمقتضى الحرية اللازمة. وبدت في الأفق حركات التمرد. فحركة الشواف في الموصل، وإثارة تبعية الكويت، والتي هي في حقيقتها دسيسة بريطانية أضاعتها عن إدراكه لها رعونته وهوسه، إذ لم تقبل هذا منه جميع الأحزاب حتى التي تعمل من أجل الوحدة العربية، إذ هي لا تؤمن بالقوة سبيلا إلى تحقيقها -هكذا بررت موقفها-. وقد سمعت من بعض رجال التأريخ والسياسة تعليقا ظريفا حين سأله أحد جلاسه، عن حقيقة تبعية الكويت في تأريخها. أجاب: نعم هي عراقية. ولكن ماذا تجني الكويت إن هي التحقت بنا غير أن تصبح مثلنا تعاني الإفلاس بظل هؤلاء الحكام!
وإثارة الأكراد، بإغلاق حزبهم وصحيفته، جعلهم يعتصمون في منطقتهم تأهبا لما يحدث من قاسم ضدهم. وفعلا قد حشد عليهم حشودا عسكرية، ولم ترض الأحزاب بسياسته هذه، فأصدرت جميع الأحزاب آراءها بهذا الصدد. أصدر الشيوعيون، وحزب البعث –موقفه كان نفاقا- في جرائدهم ونشراتهم شجبهم للإجراءات العسكرية والقاسية ضد الشعب الكردي، وأشاروا أن الاستعمار وعملاؤه من أقطاعي الأكراد ارتاحوا لهذه الحملة فهي خير ما يعين على إفشال ثورة 14 تموز، ويدمرها بالنتيجة خصوصا وإن محكمة الشعب من جهة تحاكم المتآمرين، ومحكمة شمس الدين عبد الله يُساق لها العشرات من الديمقراطيين فيحاكمون ويحكمون. واستغل إقطاعيو الأكراد هذا، مما أستغله هو أيضا باتهام زعيم الأكراد -الملا مصطفى- بأنه عميل أمريكي.
توسع الخلاف، وساء ظن الشعب به وبكل الفئات السياسية. عدم معرفته بالحقائق بعث به اليأس. وأدار ظهره متذمرا، بعد الفرحة العظمى في 14 تموز.
وتصدى له حزب البعث بضربة لم تقض عليه. حدث هذا في 7/10/1959 وفي مقدمة المتطوعين لاغتياله عبد الوهاب الغريري، وقد قتل برصاصة من قاسم. وأصيب قاسم وصار كلما شكى له أحد اعتداءاً أبرز يده وأنا أيضا أعتدي عليّ!؟. وظل سادرا في هواه، وأفكاره الحمقى. فقد غض الناس عيونهم عن بعض المكتسبات الرائعة التي تمت بثورة تموز. قانون الإصلاح الزراعي، انسحاب العراق من المنطقة الإسترلينية، إنشاء الإدارة الوطنية لمصلحة مصافي النفط، الانسحاب من حلف بغداد، قانون الأحوال الشخصية وغيرها من المنجزات.
هذه كلها لم يعد الشعب يعيرها اهتمامه وهو يرى حرياته تهدر يوما بعد آخر، ويرى الأفق تغطيه سحابة داكنه لا يدرى ما وراءها. ويرى الضراوة التي تبديها بعض الأحزاب ضد فئة كانت بالأمس ترتبط معها بجبهة الاتحاد الوطني.
كل ما حدث مسؤول عنه أمام الشعب رجال جبهة الاتحاد الوطني، لأنهم لم يثبتوا أمام حركة الضباط الأحرار خطة وافية تضمن العمل الجبهوي من أجل الثورة ونهجها. كل شيء مضطرب، الجو مشحون بالمخاوف. بين آونة وأخرى يحدث اغتيال، فتوجه فئة حزبية إلى فئة حزبية أخرى الاتهام بأنها مصدر القلق والاغتيال.
انتخابات النقابات فقدت كل التزام، وكأنها استعداد لحرب غشوم.
أنا الذي لا صلة لي بالأحزاب، وعلى أني لم أرشح نفسي لنقابة المعلمين في دورتها لا الأولى ولا الثانية، لقيت الإهانة والتهديد العلني من نفر يساند المنافسين في الانتخاب -وهم ليسو من الموظفين أصلا- حين دخلت لأصوت وحين خرجت، هددوني بقبضات أيديهم.
يتبــــع
السويد 07/06/2011
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - عودة ومصائب وعواصف (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (21)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (20)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (19)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (18)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (17)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)